مقالات وآراء

أين “إسرائيل” من الهجمة الخليجية الشرسة على لبنان؟

شارل أبي نادر

فجأة، وبشكل صاعق، انتبهوا بعد مرور أكثر من شهرين على تأليف الحكومة اللبنانية، أن هناك وزيراً فيها، وعلى فضائية خليجية، تناول الحرب على اليمن بطريقة غير مناسبة (لهم طبعاً)، حين قال إنها عبثية، بعد أن قالها وبالحرف الواحد (عبثية) مئاتٌ غيره من العرب والأجانب. ومن وراء كلام الوزير جورج قرداحي، تنبهوا فجأة للشرف والتضامن العربي، وإلى أنه لا يجوز هذا الكلام، وأن على لبنان، الدولة والشعب والحكومة، أن يدفع ثمن هذا الكلام.

ربما لم ينتبهوا سابقاً، قبل تأليف الحكومة اللبنانية إلى أنهم من المؤكد قد اعتادوا تلك التصويبات، وهم أساساً يعيشون تبعات حقيقتها، وبالتحديد في موضوع الحرب على اليمن وعبثيتها، انتقادات وإدانات وتقارير من كل دول العالم ومؤسساته، ولو بخجل من بعضها، وهم أساساً مقتنعون في قرارة أنفسهم، وبامتياز، بأنها حرب عبثية، ومشكلتهم حالياً  تقوم على كيفية الخروج من هذا المستنقع الذي أدخلوا أنفسهم فيه.

حتى إن عدداً غير بسيط من  وزراء الحكومات اللبنانية، كانوا قد صوّبوا في الإعلام وفي السياسة على عبثية هذه الحرب وعلى أنها عدوان، ولم يلتفتوا إلى ذلك بعد أن أصبحوا وزراء، ولم يكن ذلك ليعني لهم شيئاً، كما أن رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون، الذي كانت أول زيارة رسمية خارجية له للسعودية، كان قبل انتخابه من أكثر المنتقدين والمصوّبين على السياسة السعودية في لبنان، وكانت زيارته للأخيرة مرحّباً بها من دون مشاكل، فلماذا هذه الانتفاضة فجأة؟ وما الذي جرى فجأة لتُشنّ على لبنان هذه الهجمة الشعواء، ديبلوماسياً واقتصادياً، وفي الوقت الذي يحتاج فيه ( لبنان) إلى كل مساعدة ودعم من أي جهة كانت ومهما كان حجم هذه المساعدة وهو في وضع شبه الانهيار والاحتضار المالي والاقتصادي؟

أن تكون السعودية مأزومة في اليمن، وتحتاج إلى مناورة معقدة من الضغوط على لبنان، في محاولة للمقايضة على خسارتها المؤكدة في اليمن، وبالتحديد في مأرب، يمكن استنتاج هذا الموقف السعودي، وأن تكون مناورتها في جريمة الطيونة عبر عملائها من القوات اللبنانية، قد فشلت في إسقاط الحكومة وفي تقويض السلم الأهلي، وأيضاً يمكن استنتاج جنوحها إلى حملة الضغط هذه، للخروج من تبعات مشكلة جريمة الطيونة.

ولكن أن تجتمع دول مجلس التعاون الخليجي، وبالتحديد البحرين والإمارات والكويت مع السعودية، على قرار عزل لبنان وقطع العلاقات الدبلوماسية معه دفعة واحدة وبطريقة أوتوماتيكية دراماتيكية ببغائية، خاصة أن الإمارات بعيدة عن مناورة السعودية في موضوع ما تتعرض له الرياض في اليمن، وتختلف معها في عدة نقاط حول إدارة الحرب على اليمن وطريقة إنهائها، فإنه أمر يدفع إلى النظر أبعد من موضوع اليمن، رغم تأثيراته غير البسيطة في هذه الهجمة.. فأين يمكن النظر والتوجه؟

في الواقع، هناك محرّك واحد اليوم، يسيطر حالياً على عقول وعلى توجهات قادة الدول الخليجية التي تقود هذه الهجمة المسعورة على لبنان. محرّك واحد يلهثون ليل نهار لالتماس عطفه ورضاه. إنه العدو الصهيوني، غرامهم وعشقهم وشاغل إعلامهم وسياستهم وثقافتهم. وهذا الأخير، كما يبدو، لا يعني له الكثير إذا انخرطوا جميعهم في أقوى العلاقات وطبّعوا كلهم معه، إذ عملياً، لن يتغيّر شيء، لأنهم أساساً لم يكونوا في جبهة مواجهة معه، بل كانوا مطبّعين ضمناً، ومنذ فترة طويلة، ويعيشون معه سلماً ووئاماً ولو بالخفاء.

عين هذا المحرّك على بلد آخر يربض على حدوده. بلد أذاقه الأمرّين ووقف في وجهه وقاتَله وقاومه وأذلّه بدحره من أراضيه عام 2000، وعاد وهزمه بامتياز عام 2006، وهو اليوم يجبره على أن يبقى مستنفراً ليل نهار، ويعيش من وراء صواريخه ومسيّراته الهواجس والكوابيس.

إنه لبنان بجيشه الوطني الملتزم ببيان حكومته الوزاري المعادي لـ”إسرائيل”، وبمقاومته العنيدة الصلبة  القادرة على ردعها ومنعها من الاعتداء عليه. لبنان المتشدّد في مفاوضات الحدود البحرية معها، وحيث مطلوب إسرائيلياً من لبنان الكثير، عاد الإخوة العرب الخليجيون القادة، وبتمنٍّ أو بتوجيه أو بأمر إسرائيلي، صوّبوا سهامهم على لبنان، واستهدفوه في غذائه وفي آخر نفَس هواءٍ اقتصادي يتنفسه قبل أن يختنق بحجة نفوذ حزب الله وهيمنته، تماماً كما تريد “إسرائيل”.

فلبنان الرسمي، بحكومته وببيانها الوزاري، ملتزم رسمياً بمقاومة “إسرائيل”، على عكس كل الدول التي اجتمعت على قطع العلاقات معه، ولبنان عبر حزب الله، كان وما زال له دور مهم وفاعل في دعم المقاومة الفلسطينية في غزة وتثبيتها ومساندتها، إضافة إلى دوره، وأيضاً عبر حزب الله، في تحصين جبهة (سوريا – لبنان) وتقويتها في مواجهة “إسرائيل”.

من هنا، اجتمعت اليوم هذه الدول الخليجية مع “إسرائيل” لتجد في لبنان العثرة الأصعب التي تعيق مسار التطبيع مع “إسرائيل”، وحيث تعمل هذه الدول فقط بهدف إكمال مسار التطبيع هذا، فإنها تجد في لبنان وحزب الله الطرف الأكثر قدرة على عرقلة هذا القطار وهذا المسار.

فجرّبوا كل أنواع الضغوط عليه ولم ينجحوا، وبدوا عاجزين عن تغيير موقف لبنان وحزب الله ولو قيد أنملة، حيث ثبت لبنان وتحمّل الانهيار الاقتصادي والسياسي، وبقي صامداً من دون خضوع أو تراجع، فكان الطلب عاجلاً من “تل أبيب”:

ارفعوا مستوى الضغط على لبنان أكثر، دعوه منقطعاً بالكامل عن دول الخليج، دبلوماسياً واقتصادياً،  أقفلوا فوراً ومن دون سابق إنذار،  نافذة الضوء الخفيف الوحيدة له، عبر بعض صادراته الزراعية والصناعية المتواضعة، ودعوا مزارعيه وصناعييه ينتفضون ضد حكومته وضد حزب الله، وهدِّدوا، ولو ضمنياً، من دون الإشارة الواضحة إلى ذلك، باستهداف اللبنانيين العاملين في دولكم بإنهاء عقود أعمالهم، ولو بطريقة تدريجية، لأنه مع تنفيذ ذلك دفعة واحدة، ومباشرة، ستكون هناك مشكلة لكم، وسيؤثر ذلك سلباً على أعمالكم، لأن اللبنانيين أساسيون في إدارة تلك الأعمال وهم لولب تقدّمها ونجاحها.

إنها، يا أعزائي وإخواني العرب الأقحاح، مناورة واضحة وضوح الشمس. إنها مناورة “إسرائيل” عبركم وبكم ومن خلالكم، فاخرجوا من حججكم الواهية التي طرحتموها بكل سخافة، واعلموا أن هذه المناورة الإسرائيلية عبركم لن تكون مختلفة عن غيرها من وسائل الضغط التي تعرّض لها لبنان ومقاومته، وبقي صامداً، ثابتاً قوياً ومنيعاً، ولن يطول بكم الأمر، وستتراجعون حتماً، وتعودون إلى رشدكم وإلى إخوتكم اللبنانيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى