ثقافة

أعود إلى بيتي..!

خاص:حسن حميد

ها أنذا، وبعد غربة ثقافية، قسرية أو تكاد، وأشواق أدبية جهيرة أو تكاد، مدتها عشر سنوات وأزيد، أعود مثل طائر اضناه التحليق والجولان إلى بيتي الثقافي (الأسبوع الأدبي) الذي تربيت، وتعلمت، وصادقت فيه، والذي جلوت فيه أيضاً صفحاتي، بريت أقلامي، وحبرّت أسطري، ومددت أشواقي، وساهرت أحلامي وأنجمي، وشددت قامتي، وواقفت نصوصي، وعرفت قضايا الأدب والثقافة القريبة الدانية منها، والبعيدة القصية في آن.

أعود فرحاً، فما أجمل الرجوع المثقل بالحنين والمودات الضافية، والذكريات الكثر المتداخلة مثل عرائش العنب، والمضيئة مثل جهجهة الفجر، والوداعة الألوف مثل الرضا، أعود وقلبي يدق شوقاً لتلك النقاشات الحامية العاصفة التي دارت حول الشعر وموسيقاه، والشعر وإيقاعه، والشعر وأسراره الكنوز، والشعر وأعلامه أهل الصفوة، طيور الأرض، عباقرة القول والاشتقاق، والشعر الثبت في المواقف والحيوات، والشعر الجمال الذي لا يدانيه جمال.

أعود، وفي البال النصوص القصصية الساحرة بأسطرها، ومعانيها ومبانيها ومغانيها، وتلك الاستهلالات الرائعة  التي شبه ضحى النهار في بدرها وتقدمها، وتلك الاشتباكات والحوارات والأصوات وهي تتصارع بحثاً عن الخواتيم الصاعقة التي ترجف معها القلوب مثلما ترجف أجمات القصب على ضفاف الأنهار. يالتلك النصوص القصصية التي تجاورت مثل المدن، مثل الأصابع، مثل أشجار الغابات كل واحدة منها تشع بنورانيتها نداهة للجمال. وياللأسماء اللوامع، وياللتجارب الشواغل كخلايا النحل، ويا للدروب والاشتقاقات، وياللأبنية الأتية استلالاً شأشأممن مدونات الأجداد التفاتاً، وعطفاً، ومداورة ، وقطعاً، وتوازياً، وتطريباً، وتذبيلاً، وتهميشاً، وتعقيباً، وجرياً، وتلبثاً، وخطفاً سامياً، وللاستفادات ممن تراسل الفنون وجنون بعضها شوقاً لبعضها الآخر، فبعض القصص كانت قصائد وموسيقا ولوحات وحوارات وينابيع وحقول ودوالي عنب.

أعود إلى عشقي، وفي بالي تلك النقاشات الرائعة التي دارت حول الحضارات، وأيها أبدى وأهم، وأيها أكثر نورانية وثقافة ووهجاً، وأيها أكثر رسوخاً وقدماً، وأيها أكثر اشتقاقاً وإبداعاً، أهي حضارة الإغريق، أم حضارة الفراعنة، أم حضارات فارس، والصين، والاسكندناف، أم حضارة اللاتين، أم حضارة الرومان والبيزنطيين، أم حضارة العرب. يالتلك الآراء والحجج والبراهين، ويالتلك القدرات الثقافية العارفة، ويالتلك العقول على تلك الشمولية والإحاطة.

بلى، (الأسبوع الأدبي)، وفي سنواتها الأولى شابهت في حضورها وتأثيرها، وإقبال المثقفين عليها، تلك البدايات لمجلات مثل: الرسالة، والهلال، وكتابي، والأدب، كانت، وستظل، فجرية من فجريات الثقافة الوردية التي قدمت نصوصاً للمباهاة، ومقالات للمفخرة، وصفحات من النقد الأدبي للمعرفة الحقة بعلم النص وأسراره.

مثلما قدمت أسماء أدبية، وتجارب ثقافية بتت اليوم عناوين للإبداع
خاص بقلم : د.حسن حميد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى