مقالات وآراء

أبو هواش وصواريخ البرق و”سام 7″.. ماذا بعد؟

انقضى الأسبوع الأول من عام 2022، وسُجِّلت فيه أحداث لا تخلو من دلالات على السمة العامة لهذا العام، الذي قدّرنا أنه سيشهد عدداً من المتغيرات على صعيد المواجهة الفلسطينية مع العدو الصهيوني، في عدة جبهات وساحات.

سقط صاروخان فلسطينيان عند شواطئ “تل أبيب” المحتلة، على مرأى ومسمع لما يقرب من نصف قيادة أركان جيش العدو، التي كانت تُمْضي إجازة نهاية الأسبوع في أحد الفنادق الشاطئية في مستوطنة “غوش دان” وسط “تل أبيب” المحتلة.

أفادت مصادر المقاومة الفلسطينية بأن الصاروخين الموجَّهين إلى وسط “تل أبيب”، انطلقا بسبب البرق. وفي إثر الحدث المفاجئ، والأول من نوعه منذ معركة “سيف القدس” في أيار/مايو 2021، توعَّد رئيس وزراء العدو، نفتالي بينيت، المقاومةَ في قطاع غزة بردّ قوي، واعتبر أنّ سبب البرق، الذي تكرَّر للمرة الثالثة خلال العامين الأخيرين، لم يعد يُصدَّق، قائلاً “إن رواية حماس بشأن البرق لم تعد تُصدَّق. وعلى مَن يطلق صواريخ في اتجاه إسرائيل تحمُّل المسؤولية”.

تدخَّلت الوساطة المصرية من أجل منع تدهور الأحداث إلى فعل وردّ فعل، فمواجهة وتصعيد. وطلبت من قيادة المقاومة أن تستوعب الرد الصهيوني المتوقَّع، بسبب ضغط الرأي العام والإعلام والمعارضة في “إسرائيل”، بعد أن اعتبرت المعارضة أنّ قيادة “حماس” تتلاعب بحكومة الاحتلال الإسرائيلية.

قامت طائرات العدو بقصف مواقع خالية للمقاومة الفلسطينية، التي استنفرت قواتها للرد على العدوان الصهيوني المحتمل. وعلى الرغم من محدودية الهجوم الصهيوني، فإن المقاومة استهدفت طيران العدو بصواريخ “سام 7″، الأمر الذي أدّى إلى خلوّ أجواء قطاع غزة من الطيران وانسحابه كليّاً.

علّقت الأوساط الصهيونية على الحدث، واعتبرت أن الرد يعكس نتيجة واحدة، تؤكد أن “إسرائيل” فقدت الردع تجاه غزة. وقال الصحافي الصهيوني، يوآف زيتون، في صحيفة “يديعوت أحرنوت”، أن “تل أبيب” أصبحت مثل “سيدروت” بالفعل، في إشارة إلى أن الهجوم على “تل أبيب” لم يعد مغايراً للهجوم على المستوطنات المحاذية لغزة، كـ”سيدروت”.

أشارت مصادر إعلامية إسرائيلية إلى أنّ جيش الاحتلال الإسرائيلي مستاء من تسريبات المستوى السياسي وتصريحاته، والتي مفادها أن “الجيش” سيرد على “صواريخ البرق الغزية”، والتي عرّضت قواته للخطر، في إشارة إلى صواريخ “سام 7″، التي أُطلقت في اتجاه طائرات الاحتلال الإسرائيلي المُغِيرة.

أظهرت المقاومة الفلسطينية، في تعاطيها مع تداعيات إطلاق الصاروخين في اتجاه “تل أبيب”، رباطةَ جأشٍ وتحدياً للعدو. وعكسَ تصدي قوات الدفاع الجوي لديها للطيران الصهيوني، جاهزيةً عالية، ودافعية قتالية مرتفعة. وأرسلت، من خلال الرد السريع، رسالةً واضحة إلى العدو، مفادها أن جبهة القتال مع المقاومة في غزة مفتوحة على سيناريوهات المواجهة والتصعيد، في أي لحظة، وأن تهدئة الجبهة وتسكينَها، عبر الترغيب أو الترهيب، حلمٌ بعيد المنال.

برز حدث مهم تالٍ لقضية صواريخ البرق، وهو تفاعلات إضراب الأسير هشام أبو هواش عن الطعام، والذي استمر 141 يوماً، على خلفية اعتقاله الإداري، والتمديد لاعتقاله من دون عرضه على ما يُسمى “المَحاكم” الصهيونية.

توالت ردود الفعل الفلسطينية. فعلى المستوى الشعبي، انطلقت مسيرات ومواجهات شعبية تضامنية مع الأسير أبو هواش في القدس والضفة المحتلتين. وعلى المستوى السياسي، أطلقت الفصائل الفلسطينية تهديدات واضحة، فحواها أن استشهاد أبو هواش يعني ردّاً عسكرياً على العدو. وبدأت فعلاً التحضيرات للرد، وتم البحث فيه خلال اجتماع عالي المستوى لقيادتي حركتي “حماس” و”الجهاد الإسلامي” في قطاع غزة، ضم قيادات عسكرية وازنة في الحركتين.

نُقلت رسالة واضحة إلى الوسيط المصري بعد الاجتماع، مفادها أن المقاومة سترد عسكرياً، إن لم تُنَفَّذ مطالب الأسير هشام أبو هواش. ونُقلت الرسالة إلى العدو، الذي استجاب لمطالب الأسير الفلسطيني، وسيتمّ إطلاق سراحه خلال شهر شباط/فبراير المقبل، ولن يُجَدَّد اعتقاله الإداري.

شكّل انتصار الأسير أبو هواش، وتراجعُ العدو عن موقفه، صدمةً في الوعي الإسرائيلي، وأضافا رصيداً آخر إلى معركة الوعي بين العدو والشعب الفلسطيني، الأمر الذي حَدا بكتّاب ومفكّرين صهاينة إلى الاعتراف صراحة باهتزاز صورة “إسرائيل” على نحو متكرر في مقابل صُوَر التحدي الفلسطينية. وكتب الصحافي الصهيوني، تسفي يحزكيلي، معلّق أخبار الشؤون العربية في “القناة الـ 13” العبرية، قائلاً إن الأسير هشام أبو هواش أخضع منظومة الاحتلال الإسرائيلية، بمساعدة التهديدات الصادرة عن غزة، وأن الفلسطينيين حقّقوا انتصاراً لم يسبق له مثيل في معركة الوعي.

وأفاد موقع “ميكور ريشون” العبري بأن المستوى العسكري لدى الاحتلال الإسرائيلي أدرك أن قضية الأسير هشام أبو هواش أحدثت صُداعاً كبيراً لـ”إسرائيل”.

وكشف “معهد الديمقراطية” الإسرائيلي، في استطلاع للرأي العام، تراجعاً حادّاً وغير مسبوق في ثقة الإسرائيليين بـ”جيشهم”، الأمر الذي يُعَدُّ نتيجة منطقية لتراكم إخفاقاته في الجبهات، ولاسيما الجبهة الفلسطينية، وتحديداً بعد الانتصار الفلسطيني في معركة “سيف القدس”.

في مقابل المواقف الصادرة عن العدو، في مختلف مستوياته، والتي عكست أزمته الاستراتيجية، صدرت تصريحات لافتة عن مستويات قيادية فلسطينية، أكّدت روح التحدي والإصرار على مواجهة العدو، ومراكمة قضم مكانته، منها تصريحات رئيس المكتب السياسي في حركة “حماس”، إسماعيل هنية، الذي حذّر فيها العدو من أن الذراع الممتدة لـ”حماس” ستجبره على تحرير الأسرى، الأمر الذي قد يشير إلى عزم الحركة زيادةَ أدوات الضغط على العدو في ملف تبادل الأسرى، والسعي لتنفيذ عمليات أَسر لجنود من الاحتلال الإسرائيلي. كما كشفت المناورة العسكرية للمقاومة مؤخراً عن تدريبات عسكرية تحاكي عمليات أَسر.

وهدّد الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، زياد النخالة، العدوَّ برد عسكري في حال تدهورت حالة الأسير أبو هواش.

تعزّزت تهديدات قيادة المقاومة، ورضخ العدو لها، بعد أن أدرك أنها ليست فارغة أو للاستهلاك المحلي، بعد أن نفّذت المقاومة ما هدّدت به قبيل معركة “سيف القدس”.

تؤكد أحداث الأسبوع الأول من العام الجاري، أن الشعب الفلسطيني يحقق مزيداً من الانتصار في معركة الوعي، وتشير الأحداث إلى أن الجبهة الفلسطينية مرشَّحة لمزيد من التصعيد والمواجهة ضد العدو، وسيحقق فيهما الشعب الفلسطيني والمقاومة إنجازات أكبر وأشدّ أثراً في العدو.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى