الأخبارمقالات وآراء

القضية الفلسطينية بين استراتيجيتين

بقلم: ابراهيم أبو ليل _ خاص طريق القدس

تواجه القوى الفلسطينية بشكل عام و«السلطة الفلسطينية» بشكل خاص تحديات كبيرة فرضتها المتغيرات المتسارعة التي شهدتها المنطقة عقب اندلاع الاضطرابات في الوطن العربي، التي أدخلت المنطقة برمتها إلى فوضى غير مسبوقة، وانعكست بشكل مباشر على القضية الفلسطينية، حيث تعرضت للتهميش والتغييب، بسبب انشغال الدول العربية وحكوماتها بشؤونها الداخلية، وتراجع الاهتمام الدولي بها لصالح الاهتمام بما يعرف بالحرب على الإرهاب. وذلك بالتزامن مع تصاعد عمليات المقاومة الفردية التي تشكل بارقة أمل للشعب الفلسطيني الذي يواصل انتفاضته رداً على الممارسات العدوانية للاحتلال وضد المشروع الاستيطاني في القدس والضفة الغربية.
تسود حالة من التصدع والانفلاش في الوضع الرسمي الفلسطيني، حيث تعاني السلطة الفلسطينية من أزمة عميقة «سياسية وتنظيمية» بسبب توقف المفاوضات مع الحكومة الإسرائيلية وانسداد آفاق التسوية، واستمرار الانقسام الذي طال أمده في الساحة الفلسطينية، في الوقت الذي تتسارع فيه عمليات التهويد ومصادرة الأراضي ونشر الاستيطان بشكل علني ومكشوف أمام العالم، كما تواصل سلطات الاحتلال الصهيوني عدوانها على الشعب الفلسطيني في ظل صمت مريع، ضاربة عرض الحائط بكل القوانين الدولية والقوانين التي ضمنت حقوق الانسان وحمايته. ذلك أن جميع الإجراءات الإسرائلية المناهضة لـ«أحكام القانون الدولي» و«القانون الدولي الإنساني» المتعلقة بمكانة الأرض المحتلة وحقوق أهلها القابعين تحت الاحتلال، لم تواجَه مواجهة حقيقية من المجتمع الدولي، وخصوصاًمن الدول الغربية المؤثرة وعلى رأ سها الولايات المتحدة. وعلى مدى العقود الماضية لم يُنتج انحياز هذه الدول إلى الكيان الصهيوني سوى بيانات الشجب والاستنكار لتزايد وتيرة الاستيطان وتصاعد سوء المعاملة للفلسطينيين في الأراضي المحتلة، مما ساعد قادة الكيان الصهيوني على التمادي في ممارساتهم العدوانية والإيغال في الاستيطان وارتكاب الجرائم بحق الإنسانية.
لقد فتح هذا الوضع السيئ كل الأبواب لشتى أنواع التدخلات العربية والإقليمية والدولية. وتتحمل السلطة الفلسطينية المسؤولية عما وصل إليه الوضع الفلسطيني الكارثي بعد وصول الاستراتيجيات المعتمدة إلى طريق مسدود، والاستمرار في الالتزامات المجحفة التي فرضها «اتفاق أوسلو» دون اعتماد استراتيجيات جديدة تعبرعن إرادة الشعب الفلسطيني. فاعتماد السلطة المطلق على تلك الاستراتيجيات أفقد المجتمع الثقة في القيادة وتوجهاتها، وعلى خلفية الجمود السياسي العام، مثلت انتفاضة القدس بوصفها مقاومة شعبية منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2015 وأداة تحريكية ضاغطة، قبولاً ضمنياً في أطر فصائل المقاومة الفلسطينية في الحفاظ على دينامياتها وأدواتها في مقاومة الاحتلال الصهيوني وأدواته القامعة. ويبدو أن العجز عن وضع حد للانقسام بين طرفي السلطة ولدحالة من اليأس طالت المستوى السياسي الأول في إطار النخبة السياسية، تتجلى في تآكل السلطة واهتراء وشائجها، لاسيما في ظل استحقاق يفرض نفسه على اجندتها وهو خلافة أبي مازن التي باتت مطروحة أكثر من أي وقت مضى.
وفي ضوء هذه المتغيرات برزت مشاريع سياسية عدة تهدف إلى إعادة ترتيب أوضاع الساحة الفلسطينية، منها مايدعو إلى استئناف عملية التسوية سواء عبر مفاوضات مباشرة أو في إطار إقليمي أو ضمن إطار أو مظلة دولية، ومنها ما يدعو إلى مغادرة المفاوضات والخروج من عباءة أوسلو والالتفات إلى المقاومة ودعم انتفاضة القدس. ففي الوقت الذي تشهد السلطة الفلسطينية حالة من الجمود وانسداد الأفق السياسي بسبب تعنت سلطات الاحتلال، جاء الإعلان عن خطة جديدة لتفعيل وتحريك الملف الفلسطيني سميت بـ« خطة الرباعية العربية» المشكّلة من الأردن ومصر والسعودية والإمارات العربية، وتهدف إلى توحيد حركة فتح واستنهاضها، وتحقيق المصالحة الوطنية، وتحريك عملية التسوية على أساس المبادرة العربية. ويأتي تحرك «الرباعية العربية» في سياق تأهيل الجانب الفلسطيني للانخراط في تسوية للقضية الفلسطينية ضمن التسويات التي يمكن فرضها لمعالجة أو إطفاء الأزمات المشتعلة في المنطقة، من أجل استئناف ما سمي بـ«عملية السلام» والأهم تحضير الوضع الفلسطيني لخلافة «أبو مازن»، لا سيما أن غياباً مفاجئاً له بالموت أو المرض أو الاستقالة من دون تهيئة الوضع للمرحلة الانتقالية، في ظل الانقسام وغياب وتغييب مؤسسات المنظمة، يمكن أن يدفع الوضع الفلسطيني نحو الفوضى والانهيار.
وفي محاولة للخروج من الأزمة التي تمر بها الحركة الوطنية الفلسطينية، قدم الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين الدكتور رمضان عبدالله مبادرة سياسية من عشر نقاط، لإنقاذ القضية الفلسطينية مما وصلت إليه وإعادة الاعتبار للمقاومة والثورة الفلسطينية وتطوير انتفاضة القدس. وقد تضمنت المبادرة النقاط الآتية:
أولاً: أن يعلن الرئيس محمود عباس أبو مازن إلغاء اتفاق أوسلو من الجانب الفلسطيني، وأن يوقف العمل به في كل المجالات.
ثانياً: أن تعلن منظمة التحرير سحب الاعتراف «بدولة» الكيان الصهيوني إسرائيل؛ لأن هذا الاعتراف هو أم الكبائر والمصائب والكوارث في التاريخ الفلسطيني.
ثالثاً: أن يعاد بناء منظمة التحرير الفلسطينية لتصبح هي الإطار الوطني الجامع الذي يضم ويمثل كل قوى وأبناء الشعب الفلسطيني
رابعاً: إعلان أن المرحلة التي يعيشها الشعب الفلسطيني ما زالت مرحلة تحرر وطني من الاحتلال، وأن الأولوية هي لمقاومة الاحتلال بكل الوسائل المشروعة بما فيها المقاومة المسلحة، وهذا يتطلب إعادة الاعتبار للمقاومة بل وللثورة الفلسطينية وتعزيز وتطوير انتفاضة القدس لتصبح انتفاضة شاملة وقادرة على هزيمة الاحتلال ودحره عن أرضنا بلا قيد أو شرط.
خامساً: إنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية، وصياغة برنامج وطني جديد وموحد، وإعداد إستراتيجية جديدة شاملة على قاعدة التحلل من اتفاق أوسلو، بما ينهي وجود سلطتين وكيانين في غزة ورام الله، وينهي حالة الصدام القائمة بين برنامجين.
سادساً: أن يتم صياغة برنامج وطني لتعزيز صمود وثبات الشعب الفلسطيني على أرضه.
سابعاً: الخروج من حالة اختزال فلسطين أرضاً وشعباً في الضفة الغربية وقطاع غزة، والتأكيد على أن الشعب الفلسطيني في كل فلسطين وأينما كان هو شعب واحد وقضيته واحدة.
ثامناً: الاتصال بكل الأطراف العربية والإسلامية، ليتحملوا مسؤولياتهم التاريخية تجاه هذه الخطوات، وتجاه الأخطار والتحديات المصيرية التي تواجهها فلسطين وشعبها، وتجاه ما تتعرض له القدس والمسجد الأقصى، وأن يوقفوا قطار الهرولة نحو العدو الغاصب لفلسطين والقدس، وأن يسحبوا المبادرة العربية من التداول
تاسعاً: أن تقوم قيادة منظمة التحرير من موقعها الرسمي، بملاحقة دولة الكيان وقادتها أمام المحكمة الجنائية الدولية كمجرمي حرب، وأن يتم العمل على تفعيل وتعزيز حركة المقاطعة الدولية للكيان الصهيوني في كل المجالات.
عاشراً: إطلاق حوار وطني شامل بين كل مكونات الشعب الفلسطيني لبحث خطوات ومتطلبات التحول نحو هذا المسار الجديد الذي سيعيد الاعتبار لقضيتنا ويضعنا على الطريق الصحيح نحو استعادة الأرض والحقوق.
لقد جاءت هذه المبادرة لتحرك مياه الساحة الفلسطينية الراكدة. وعلى الرغم من أهمية ماجاء في بنودها العشرة الا أنهاتحتاج إلى آذان صاغية من القوى التي تؤمن بالمقاومة أولاً قبل السلطة التي لا تؤمن قيادتها بالتخلي عن رؤيتها واستراتيجتها، ولأن الواقع لا يتغير إلا بمبادرة القوى التي ترى نفسها أنها تعبر عن تطلعات الشعب وأحلامه وأنها تحرص على تضحياته وإنجازاته الوطنية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى