الأخبارمقالات وآراء

آثار سلفيت تحت الحصار..حرب “إسرائيلية” على صلاح الدين الأيوبي؟

ككل شيء فوق أرض فلسطين وتحتها، تتعرض الأماكن المقدسة والمقامات الدينية والمواقع الآثرية للتهويد والأسرلة، في محاولة لإيجاد دعائم مادية تزكي روايتهم المزيفة عن المنطقة وتاريخها.

وبالرغم من أن النتائج التي استخلصها كبار الآثاريين الإنكليز والأمريكيين واليهود (سابقاً ولاحقاً) أجمعت على نفي وجود أي أثر عبري، فإن سياسة التهويد والأسرلة ضد كل ما هو عربي وإسلامي واستبدال أسمائها العربية بأخرى عبرية مستمرة ومتواصلة منذ ما قبل النكبة في العام 1948.

وكما أن الحرب الصهيونية مفتوحة على المسجد الأقصى المبارك، بهدف تدميره وإقامة الهيكل المزعوم على أنقاضه، فإن حرباً أخرى تشن على مقام “صلاح الدين الأيوبي” (محرر القدس) ومقامات دينية أخرى في وسط الضفة الغربية وتحديداً في محافظة سلفيت (بلدة كفل حارس). بزعم أن مقام صلاح الدين يعود ليوشع بن نون. علماً أن كبار المؤرخين يؤكدون أن المقام شيّده الأيوبي عندما حرر القدس.

***

وسط الضفة الغربية، وتحديداً في محافظة سلفيت، لم تبقَ قريةٌ فلسطينية إلا وتغلغلت فيها خلايا الاستيطان، حتى أنه طال المقامات الدينية والمواقع الأثرية التي تعج بها المنطقة. ويأتي الاستيطان بذرائع “إسرائيلية” متعدّدة، فيحلّ تارةً بحجة الأمن والقرارات التوسعية، وتارةً أخرى بذرائع تاريخٍ “إسرائيليّ” (مزوّر) في هذه المعالم الأثرية والتراثية. وتُعد «المقامات الدينية» و«دير سمعان» في محافظة سلفيت من أبرز النماذج التي تدلّ على اعتداء الاحتلال على الآثار التاريخيّة والمعالم الأثريّة الفلسطينيّة.

مصادرة التاريخ

أمام الأبواب الشمالية لسلفيت، تتربّع ثلاثة مقامات دينية لم تسلم من بطش الاحتلال وقطعان مستوطنيه، على مدار عقود طويلة. يقف المرء قبالة المقامات فيجد نفسه أمام غابةٍ من أشجار السرو الشامخة، وغرفةٌ تعلوها قبّةٌ في موقعٍ يلفه السياج الحديدي. عند دخول المقامات، تلوح غرفتان متلاصقتان، الأولى تحتضن ضريحاً كبيراً، والثانية يُطلق عليها مسمّى «القبّة»، لكون القبة سقفها. وكانت الغرفة تستخدم كمكان راحةٍ لزوار المقام وعابري السبيل الوافدين من خارج البلدة، وتضمّ محراباً للصلاة في طرفها الجنوبيّ. داخل المحراب، يستقرّ مقام «ذو الكفل». ويأتي بناء القبة وفق الطراز المعماريّ الإسلاميّ ليُساق كدليلٍ على أن تاريخ بناء المقام يعود إلى عهد الحكم الإسلامي، أو تمّ ترميمه في ذلك الوقت على الأقل، ليصبح مزاراً للمسلمين.

هذا هو المقام الأول. في جنبات المكان وخارجه، يقع ضريحٌ واسعٌ نسبياً ومكشوف، تقع في شرقه غرفة خصّصت للعبادة، يُطلَق عليها اسم مقام «ذو النون». ويقول الباحث مصطفى الدباغ في موسوعته أن المقصود هو النبي يونس، وقد ذكرت قصته في سورتي “الأنبياء” و”الصافات” في القرآن، بينما يؤكد السامريون أن “ذا النون” هو قبر “نون” والد يوشع.

عنه، يشرح الباحث خالد معالي لـ “السفير”: «المقامات الثلاثة موجودة في بلدة كفل حارس، وهي: مقام النبي ذي الكفل، وكانت تتم فيه نذور الناس قديماً، ومقام النبي ذي النون، ومقام آخر ثالث”.

ويضيف: «على باب مقام ذو الكفل يحضر نقش آية قرآنية، وكذلك الحال مع مقام ذي النون، فهو كان مصلّى للنساء ويضم شواهد إسلامية قديمة. أما المقام المتبقي فيزعم الاحتلال أنه يعود ليوشع بن نون، قائد جيش النبي موسى، لكننا نعرفه أيضاً كمقام لصلاح الدين الأيوبي»، بحسب معالي.

ويكشف الباحث معالي عن وثيقة كتبها القائد جوهر بن عبدالله على جدار مقام صلاح الدين، وضمّن الوثيقة عبارة: «إن جوهر بن عبدالله أحد خدم الضريح»، مشيراً إلى أن هذه العبارة تدحض المزاعم “الإسرائيلية” بكونه «مقام يوشع بن نون»، حيث لا يمكن لجوهر أن يصف نفسه بخادم الضريح لو كان لبن نون. ويشير معالي إلى أن عدداً من المؤرخين والمراجع التاريخية تؤكد أن المقام شيّده الأيوبي. ويُذكر أن مقام صلاح الدين لا يضم داخله أيّ ضريحٍ، بعكس مقامي «ذو الكفل» و«ذو النون”.

ويشرح رامي حمّاد من سكان كفل حارس لـ «السفير» أن المستوطنين بدأوا بتنظيم زياراتٍ دورية للمقامات منذ الاحتلال “الإسرائيلي” (للضفة الغربية) في العام 1967، «وتترافق هذه الزيارات مع سلسلة طويلة من التنغيص علينا، لأنها تتم في ساعاتٍ متأخرة من الليل، نعيش فيها وضعاً أشبه بحظر التجوال». إذ يتعمّد المستوطنون مضايقة السكان ورشق منازلهم بالحجارة في أحيانٍ كثيرة، كما يقتحمون المقامات لأداء طقوسهم التلمودية.

ويوضح حمّاد أن المستوطنين خطّوا شعارات عنصرية معادية للإسلام والعرب قرب المقامات الثلاثة، مبدياً تخوّفه من اعتداء أكثر قسوة للمستوطنين، “فزيارات المقامات تأتي بعشرات الحافلات والمركبات الإسرائيلية”.

يُذكر أن «مقام يوسف» الواقع في المنطقة الشرقية من مدينة نابلس يعاني من اقتحاماتٍ دورية مشابهة، علاوةً على عددٍ من المقامات والمعالم الدينية الأخرى في الضفة الغربية.

القرية الآسرة

ليس بعيداً عن أبواب سلفيت الشمالية في كفل حارس، تعاني قرية «دير سمعان» الأثرية من بطش الاستيطان. القرية رائعة الجمال، رومانية الأصل، وتضمّ منازل منحوتة في الصخر، وكنيسة وصلباناً، وآباراً وبرك مياه، بالإضافة لمعصرة زيتونٍ وعنب قديمة. وطرقات القرية مفروشة بالفسيفساء القديمة ذات الألوان البرتقالية والخضراء والصفراء والزرقاء. ويصف عبدالله بناء القرية بأنه متقنٌ وفريد، “مَن عمّرها نحتها في الصخر، وعند ساعات الصباح الباكر تقف «دير سمعان» مقابل الشمس مباشرة”.

ولكن، يؤكد عضو بلدية دير بلوط السابق داود عبدالله أن «دير سمعان» تتعرض باستمرار للتهويد ومحاولات الأسرلة. وتكرر المعدات “الإسرائيلية” تجريفها بغرض توسيع مستوطنة «ليشم»، التي تجثم على أراضي غرب سلفيت، وقد تم افتتاحها مؤخراً بحضورٍ رسمي على رأسه وزير الاستيطان “الإسرائيلي”. ويشرح عبدالله: «القرية الأثرية تقع في أراضي بلدتي كفر الديك ودير بلوط، والاحتلال أغلقها ثلاث مرات، وسرق منها أعمدة أثرية عدة، وتعمّد عزلها بشوارع وطرق استيطانية عدة، وضيّق الخناق عليها. فعلى امتداد بصرك شرقاً وغرباً وشمالاً، تسد عليك المستوطنات الطريق. أما جنوباً فالشارعان الاستيطانيان يُغلقان المنطقة بأكملها”.

وهكذا، «أصبحت المستوطنة اليوم تبعد بضعة أمتار فقط عن دير سمعان، والاحتلال يهدف إلى طمس هوية أصحاب الأرض الحقيقيين عبر ادعاءات مزيّفة. فالاحتلال ينفّذ مخطط اغتيال التاريخ الأصلي بموازاة تنفيذه قضم الأرض الفلسطينية»، وفق عبدالله.

عبدالقادر عقل / السفير اللبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى