القدس

مكانة القدس الإسلامية

تقوم مكانة القدس في العقيدة الإسلامية على ثلاثة أصول عقائدية مترابطة عضوياً هي:

أولاً: القدس مدينة الأنبياء:تستند العقيدة الإسلامية في أصولها إلى الإيمان المطلق بالرسل والأنبياء والرسالات السماوية بدليل قوله سبحانه وتعالى ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾(الشورى:13). كما أن الإسلام جاء مصدقاً للرسالات السماوية التي سبقته.. إذ يقول سبحانه وتعالى في هذا السياق: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالانْجِيلَ* مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بآيَاتِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾(آل عمران:3-4). وقوله تعالى كذلك: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (المائدة:48). وقوله سبحانه وتعالى مقرراً وكاشفاً لحقيقة قائمة: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (البقرة:285).

إن الاستشهاد فيما تقدم من آيات قرآنية كريمة يأتي في إطار التدليل على أن العديد من الأنبياء والرسل ممن وردت أسماؤهم بالنص قد أقاموا في القدس أو كانت لهم صلة بها بشكل أو بآخر ومنهم: إبراهيم، ويعقوب، واسحق، وعيسى، ويحيى، وزكريا، وصالح، وغيرهم صلوات الله عليهم جميعاً. لا بل هناك روايات تاريخية قديمة متوارثة تذهب إلى ما هو أبعد من ذلك إذ تتحدث عن صلة بين القدس وبين آدم ونوح وسام بن نوح.

ثانياً: القدس مدينة الإسراء والمعراج: أهمية الإسراء أنها ربطت ربطاً عقائدياً لا انفصام له بين مكة المكرمة حيث المسجد الحرام وبيت القدس حيث المسجد الأقصى. هذا الحدث الروحي العظيم خلده القرآن الكريم في مطلع سورة الاسراء بقوله سبحانه وتعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾(الإسراء:1) وتزداد مكانة القدس في العقيدة الإسلامية رسوخاً أن الرسول(ص) قد أم فيها بالملائكة والأنبياء. فقد روي عن قصة الإسراء: “أن النبي(ص) ليلة أسري به وقف البراق في الموقف الذي كان يقف فيه الأنبياء من قبل قال: ثم دخل جبريل أمامه فأذن جبريل ونزل ملائكة من السماء ، وحشر الله المرسلين ثم أقام الصلاة، وصلى النبي صلى الله علية وسلم بالملائكة والمرسلين”.

ثالثاً: القدس قبلة المسلمين الأولى: مما لا شك فيه أن القدس كانت قبلة المسلمين الأولى. وظلت على مدى ستة عشر أو سبعة عشر أو ثمانية عشر شهراً بعد هجرة النبي محمد(ص) إلى المدينة القبلة التي توجه إليها الرسول (ص) قبل التحول الى مكة بأمر رباني في السنة الثانية من الهجرة بدليل قوله تعالى : ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ (البقرة:144). وإذا ما عرف المرء أن بيت المقدس كانت قبلة المسلمين منذ أن فرض الله الصلاة على المسلمين عام 610م وحتى 623م، أي السنة الثانية للهجرة فيكون مجموع سنوات توجه المسلمين في صلواتهم إلى بيت المقدس ثلاثة عشر عاماً. واستناداً إلى هذه الأصول العقيدية والمرتكزات الروحية لمكانة القدس في العقيدة الإسلامية ترتبت فضائل كثيرة لبيت المقدس. فما هي يا ترى تلك الفضائل؟

أولاً: فضل الإقامة والسكن في بيت المقدس وزيارتها: وهو ما دعا إليه نبينا محمد(ص) في الكثير من الأحاديث النبوية الشريفة: “نعم المسكن بيت المقدس”. وحديث: “من زار بيت المقدس شوقاً إليه دخل الجنة”. وعن ابن جريح عن عطاء أن الرسول(ص) قال: “لا تقوم الساعة حتى يسوق الله خيار عباده إلى بيت المقدس وإلى الأرض المقدسة، فيسكنهم إياها”.

ثانياً: الربط بين مكة والمدينة وبيت المقدس: وهو ما بينه في قوله (ص): “لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، المسجد الأقصى، ومسجدي هذا”.

وعن أبي ذر أنه قال: “قلت يا رسول الله: أي مسجد وضع في الأرض أولاً؟ قال: المسجد الحرام، قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى، قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون سنة”.

ثالثاً: فضل الإهلال بالحج والعمرة من بيت المقدس: ومن الأحاديث في هذا الخصوص ما روته أم مسلمة زوجة النبي (ص) فيه: أنها سمعت رسول الله (ص) يقول: “من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ووجبت له الجنة”.

رابعاً: فضل الصلاة في بيت المقدس: يمكن القول بأن فضل الصلاة في المسجد الأقصى تتراوح استناداً إلى الأحاديث النبوية الشريفة ما بين ألف صلاة إلى خمسين ألف صلاة. كما أن الصلاة في بيت المقدس تطهر الإنسان من الذنوب فيخرج الإنسان كما ولدته أمه, ففي هذا الخصوص روي عن مكحول حديث جاء فيه: “أن من صلى في بيت المقدس … خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه”. وعن قتادة عن أنس: قال الرسول (ص): “ومن صلى ببيت المقدس خمس صلوات نافلة كل صلاة أربع ركعات يقرأ في الخمس صلوات عشرة آلاف مرة “قل هو الله أحد” فقد اشترى نفسه من الله تبارك وتعالى ليس للنار عليه سلطان”.

خامساً: وهناك فضائل أخرى: وردت في الأحاديث النبوية الشريفة منها فضل الصدقة في بيت المقدس، فضل الصيام، فضل الآذان، فضل الدفن في بيت المقدس، وفضل عدم دخول الدجال إليها، وفضل ظهور المهدي في بيت المقدس، وبيت المقدس وأكناف بيت المقدس هو مكان الطائفة التي على حق، ومضاعفة الحسنات والسيئات في بيت المقدس، وفضل صخرة بيت المقدس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى