مقالات وآراء

إيران: من الثورة إلى الجمهورية الإسلامية

ابراهيم أبو ليل – خاص صفا القدس
منذ واحد وأربعين عاماً يحتفل الشعب الإيراني في الأول من نيسان من كل عام، بذكرى تأسيس الجمهورية الإسلامية في إيران، أي منذ أن أضاء شعلة ثورته وأسقط نظام الشاه الفاسد الذي رسخ تبعية الدولة الإيرانية للغرب لعقود طويلة، حيث شكل ذلك اليوم من العام 1979 علامة فارقة في تاريخ الشعب الإيراني،أعادت بناء وعيه بعد أن ظل لعقود طويلة قابعاً تحت حكم جائر، إلى أن جاءت ثورة الراحل الإمام آية الله الخميني (قدس سره) التي استغرقت سنوات طوال ضحى فيها كثير من الإيرانيين بأنفسهم ضد نظام الشاه البائد، إذ تمكن الشعب الإيرانيمن الانتصار على الشاهنشاه «رضا بهلوي» الذي ولى هارباً من البلاد بلا رجعة، وتعتبر إيران منذ انتصار الثورة الإسلامية سنة 1979 جمهورية إسلامية.

كان وصول الإمام آية الله الخميني إلى طهران في الأول من شباط 1979، عاملاً حاسماً في إخفاق رئيس حكومة الشاه الجديد شاهبور بختيار في الحيلولة دون سقوط النظام الامبراطوري، على الرغم من دعم الجيش له، وأدى سقوطه إلى تأليف حكومة إسلامية جديدة برئاسة مهدي بذرغان في 5 شباط 1979. وفي بضعة أيام سيطرت لجان «الثورة الخمينية» على الحياة السياسية في جميع البلاد، وخلصتها من كبار شخصيات النظام البهلوي السياسية والعسكرية. وقد أسس الإمام الخميني (قدس سره) الجمهورية الإسلامية في إيران، وكان أول ولي للفقيه منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية في إيران، وبعد وفاته استلم تلميذه البار الإمام الخامنئي زمام الأمور في البلاد، وصارالإمام الخامنئي ولياً للفقيه منذ سنة 1989.

في31 آذار 1979 أيد استفتاء شعبي قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية بنسبة (98٪ من المقترعين)، وأخذت إيران بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية. وقامت الحكومة الإيرانية بحل «الكونسورتيوم» النفطي الدولي في حزيران 1979، وأممت المصارف وشركات التأمين والشركات الصناعية الرئيسية وأعادت النظر في خطط الاستثمار والتجهيزات، فألغت الكثير من العقود المبرمة مع الشركات الأجنبية ولاسيما المتعلق منها بمجال الطاقة الذرية.

في بداية شهر كانون الأول 1979، وافق استفتاء شعبي على دستور يصف الخطوط العامة لسياسة البلاد ومؤسساتها الرئيسية، ويمنح الإمام الخميني جميع السلطات التي بقي يمارسها حتى وفاته عام 1989. ونظم دستور الجمهورية الإسلامية في إيران صلاحيات المسؤولين كل على حدة بشكل واضح ومفصل، وتأسس الدستور على المعارف المستمدة من القرآن الكريم والأحاديث الشريفة حسب فكرالإمام الخميني (قدس سره) فيما يتعلق بمبدأ «ولاية الفقيه».

يعتبر النظام السياسي الإيراني حالة فريدة بين الأنظمة السياسية في العالم، فهو يجمع ي بين العناصر الدينية ممثلة في منصب مرشد الجمهورية وهو أعلى منصب في البلاد بموجب الدستور، ومجلس الخبراء الذي ينتخب المرشد ويعزله، ومجلس صيانة الدستور الذي يتكون من اثني عشر شخصاً نصفهم من الفقهاء، ويملك تعطيل قرارات البرلمان في حال كانت متصادمة مع أحكام الشريعة. وتتمثل العناصر الديمقراطية بالنظام البرلماني الذي يتم انتخاب نوابه بالاقتراع السري المباشر، إضافة إلى مجلس تشخيص مصلحة النظام الذي يفصل في الخلافات بين البرلمان ومجلس صيانة الدستور، وفيه أيضاً يتم انتخاب الأعضاء، وكذلك منصب رئيس الجمهورية الذي يجري بالانتخاب بين أكثر من مرشح في إيران بحد أقصى دورتين رئاسيتين فقط. وهكذا تلتقي مشروعية النظام السياسي في إيران بين نظرية «ولاية الفقيه» التي أرساها الإمام الراحل روح الله الخميني والمقتضيات العصرية والديمقراطية عبر الانتخابات المباشرة من ناحية أخرى.

لقد حققت الجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ تأسيسها تطورات مذهلة في شتى المجالات، حيث اعتبر المجلس الوطني الأمريكي للمعلومات أن إيران واحدة من الدول العشرة في العالم المتميزة في مجال التقدم العلمي والتقني خلال العقدين القادمين. مؤكداً أن مصادر الإنتاج العلمي في إيران كانت لافتة للنظر خلال الأعوام الأخيرة، حيث حصلت إيران على المرتبة ١٣ بين دول العالم في مجال إنتاج العلم حسب تقييم منظمة (آي أس آي). فمن الناحية الاستراتيجية تقع الجمهورية الإسلامية الإيرانية في منطقة حساسة وجيواستراتيجية على المستوى الدولي، وهي من أغنى دول العالم من حيث احتياطي المعادن، إذ تملك ١٠% من احتياطي النفط، و١٥% من احتياطي الغاز العالمي، وهي همزة وصل تاريخية بين آسيا وأوروبا، وتنعم بأكثر طرق الترانزيت أمانا باتجاه آسيا الوسطى والقوقاز، وهي تتمتع بشبكات خدماتية وإنتاجية واسعة ومتنامية وطاقات بشرية مدربة، وتعتبر إيران شريكا اقتصاديا وتجاريا مطمئنا، فحرصها على التعاون الإقليمي وسعيها لتحقيق السلام والأمن في المنطقة والعالم يعزز مكانتها الإقليمية والدولية. لقد شكل صعود الجمهورية الإسلامية الإيرانية وتقدمها المتسارع تحدياً حضارياً حقيقياً، بما تمتلك من نقاط القوة للمنظومتين السياسية والثقافية، التي تجعلها دولة عظمى على المستوى الإقليمي. وهذه الحقيقة هي ثمرة لتطورات داخلية في المجتمع الإيراني، وفي السياسة الخارجية الإيرانية، بوصفها تمتلك تاريخاً وتقليداً في إدارة الدولة.

وفي المجال الاقتصادي العملي يمكن القول أن إيران قوة اقتصادية كبيرة ولا سيما في مجالي الصناعة والتكنولوجيا، رغم ثقل حجم الضغوطات الغربية على طهران. فقد دارت عجلة الاقتصاد داخل الدولة بشكل متسارع لتحقق طفرة كبيرة في العقدين الأخيرين، كما نمت نسبة المشاريع غير النفطية في الدولة بنسبة تجاوزت 36 في المئة، وتوسعت مشاريع تطوير البنية التحتية بشكل كبير، حيث زادت نسبة الاستثمارات الإيرانية الداخلية والخارجية في قطاعات مختلفة. وفي مجال الزراعة تعتبر إيران من أولى الدول في العالم من حيث إنتاج المحاصيل الزراعية المعدلة وراثياً. وقد نجح العلماء الإيرانيون في التعديل الجيني للرز الإيراني المشهور عالمياً بنكهته وطعمه المميز، وكذلك في إنتاج المحاصيل المقاومة للآفات الزراعية والوقاية من الأمراض الحقلية ومكافحتها. ورغم أن الحرب الاقتصادية الأخيرة التي تشنها دول إقليمية وغربية «حرب النفط» والانخفاض المتلاحق في أسعار النفط، قد أضرت في شكل واضح ببعض القطاعات الاقتصادية والمالية الإيرانية، إلا أن المؤشرات الاقتصادية لعام 2017 تؤكد أن الدولة الإيرانية قادرة على التكيف مع المتغيرات الجديدة.

في مجال الطاقة النووية، ترى الجمهورية الإسلامية الإيرانية أن المشروع النووي يجعل من إيران قوة نووية صاعدة، والاستخدام السلمي للطاقة الذرية هو حق للشعب الإيراني لا رجعة عنه، ولا سيما بعد الاتفاق النووي بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومجموعة الدول 5+1، حيث طرأ تحسن ملحوظ على الاقتصاد الإيراني بفضل الاتفاق الذي رفع قسماً كبيراً من العقوبات المفروضة على إيران. وعلى الرغم من ذلك فإن القيادة الإيرانية لا تعتبر أن ما وصلت إليه هو نهاية المطاف، ولن يجعلها تتراجع عن مشروعها الحضاري تحت الضغوط الاقتصادية المختلفة، وذلك من خلال إيجاد بدائل اقتصادية بالاعتماد على الذات وتطبيق سياسة «اقتصاد المقاومة»، وفق رؤية الإمام الخامنئي الذي يرى أن الاقتصاد هو الذي يلبي احتياجاته من الداخل وليس عن طريق الاستيراد من الخارج.

لقد استطاعت الجمهورية الإسلامية أن تحصن نفسها وأن تبني مؤسسات علمية وأن تتمكن من إطلاق أقمار صناعية، وبناء ترسانة أسلحة لحماية نفسها،ما يعني أن إيران على استعداد لدفع ثمن اقتصادي باهظ شريطة أن تحافظ على نقائها الثوري. فهي ترى في نفسها إمبراطورية مليئة بالفخر ومستعدة للتضحية من أجل مستقبل الشعب الإيراني وكرامته العزيزة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى