مقالات وآراء

في الانتخابات .. في الاستيطان .. في استنهاض المقاومة الشعبية .. بقلم : معتصم حمادة

– يواصل كاتب هذه السطور، مراجعة ما في مفكرته من ملاحظات، موضوعاً للحوار على الورق مع جمهور «الحرية».
(1)
يمكن القول إنه بعد اكتمال دائرة الموافقة على إجراء الانتخابات العامة، بدءاً بالتشريعية والرئاسية في السلطة، خلال فترة زمنية متفق عليها ، بات من الضروري الانتقال إلى المرحلة الثانية من التحضير، إذا ما اعتبرنا، موافقة الأطراف الفلسطينية هي المرحلة الأولى.

حركة حماس قدمت للدكتور حنا ناصر، ما اعتبرته رداً على رسالة الرئيس أبو مازن، وما اعتبرته في الوقت نفسه، متطلبات نجاح العملية الانتخابية.

بدورها، قدمت الجبهة الديمقراطية ردها، وكانت بذلك آخر الأطراف التي تكشف عن موقفها الإيجابي، وإن كانت أكدت في السياق ضرورة الشروع بالتحضير لاستكمال العملية الانتخابية، بتكليف اللجنة التنفيذية في م.ت.ف، وهيئة رئاسة المجلس الوطني، لاستكمال الحوار الذي ابتدأ في بيروت في شهر كانون الثاني 2017، في إطار ما يسمى باللجنة التحضيرية، برئاسة رئيس المجلس سليم الزعنون (أبو الأديب) لاستكمال عملية التحضير لتنظيم انتخابات المجلس الوطني.

كنا نعتقد أن وصول الردود الإيجابية إلى رئيس السلطة، من شأنه أن يسهم في بناء الأجواء الإيجابية، وأن يلقي الترحيب من الجميع، وأن يشكل خطوة على طريق تنقية الأجواء الفلسطينية تمهيداً لتنظيم الانتخابات في فضاء خال من التوتر.

لكننا فوجئنا، بأن بعض الأصوات، وبعض الأقلام، التي امتلكت خبرة في نبش القبور، بدأت تشكك في صحة مواقف الأطراف الفلسطينية. فيصرح البعض، دون تكليف من أحد، أن الرئاسة الفلسطينية عاكفة على درس الردود، وخاصة رد حركة حماس، في محاولة للغمز من قناة الحركة الإسلامية.

بل ذهب البعض الآخر إلى «تفلية» بعض الردود وتحليلها، ليصل إلى استنتاج أن حماس ترفض الانتخابات، لكن بلغة إيجابية (!). أما البعض الآخر، فأراد أن يذكرنا مرة أخرى أن حماس لم تخرج من عباءة الإخوان المسلمين، وأنها ليست جزءاً من الإطار الوطني، وأنها ليست حركة فلسطينية، وأن موافقتها على الانتخابات، هدفها الحقيقي أن تكون جزءاً من المؤسسة الفلسطينية وأن تتغطى بهذه الصفة، كي تستطيع أن تمارس دوراً سياسياً في الضفة الفلسطينية وأن تعزز وجودها فيها، رغم أنف الاحتلال. وكأن أصحاب هذا القول كانوا يتمنون لو أن حماس رفضت رسالة الرئيس أبو مازن، وأن الحالة الفلسطينية ذهبت أكثر فأكثر نحو الإحتراب الداخلي، وأن حدة الخلاف والانقسام بين فتح وحماس تزداد اتساعاً، وأن تعود الاشتباكات بين الطرفين إلى الشارع ويتبادلان، في هذا السياق، الاعتقالات والاعتقالات المضادة، وأن تبدو الحالة الفلسطينية فاشلة، وعاجزة عن إعادة تنظيم صفوفها. دون أن يعني هذا أنه ليس في حماس من كان يرغب في إفشال الدعوة للانتخابات. ولعل إعلان حماس عن إرجاء تقديم ردها إلى الدكتور ناصر، ثم التراجع عن هذا الموقف، لصالح الخطوة الإيجابية ليس مجرد مصادفة، بل كان يخفي أمراً تكتمت حماس على تفاصيله، ونجحت في إعادة إخراج موقفها الإيجابي، كما وصفه الدكتور حنا ناصر شخصياً.

لسنا في وارد الدعوة للكف عن قراءة وتحليل مواقف الأطراف في الرد على رسالة الرئيس عباس، فهذا حق للجميع، لكن ما يهمنا هنا أن لا تكون القراءة تخفي أهدافاً مبيته، وتلوي عنق الحقيقة، خاصة وأن قضية المستشفى الأميركي، والحديث الإسرائيلي عن رصيف الميناء لغزة، حركت غرائز البعض البدائية، ودفعت بهم إلى دق طبول الحرب، وكأنهم باتوا أمام ذريعة تشكل سبباً كافياً لإعدام الرغبة في نجاح الانتخابات.

لذلك، ولأن الانتخابات حق قانوني ودستوري من حقوق المواطن الفلسطيني، ولأن الانتخابات من شأنها أن تعيد ترميم النظام السياسي الفلسطيني، الآيل إلى الانهيار، ولأن الانتخابات قد تشكل مدخلاً لمشروع ناجح لإنهاء الانقسام، وبما أن الجميع قد وافق على الانتخابات وقدم رداً إيجابياً على رسالة الرئيس عباس، وبعضهم تجاوز شروطه، وقدم التنازل المطلوب، حرصاً على المصالح الوطنية كما فعلت الجبهة الديمقراطية، بات من الضروري أن تتقدم الحالة الفلسطينية نحو الخطوة الثانية أن يصدر المرسوم الرئاسي بتنظيم الانتخابات، وأن يتلوه فوراً انعقاد الحوار الوطني «على أعلى المستويات»، تحضره الأطراف المعنية جميعها، يملك صلاحية اتخاذ القرار، وليس مجرد توصيات قد يؤخذ بها أو لا يؤخذ، وبحيث تضمن الحالة الوطنية تنظيم انتخابات، نزيهة، شفافة، حرة، ومتكافئة، يتمتع خلالها المرشحون بحرية الحركة والدعاية دون عوائق ودون عراقيل، وتكون السلطة مسؤولة عن توفير الحماية لهم من تعدي سلطات الاحتلال، وأن تكون وسائل الدعاية الرسمية، من «وفا»، إلى «صوت فلسطين» إلى «الفضائية الفلسطينية» متاحة للجميع، بالتساوي بين كل الأطراف، وبحيث لا تتحول المؤسسات الخدمية إلى أدوات انتخابية لصالح المرشحين المحسوبين على السلطة وفتح، وبحيث أيضاً، تضمن حرية الحركة للناخب، وعدم تعرضه للضغوط بأشكالها المختلفة، وبحيث تصل الحالة الفلسطينية إلى نتائج الاقتراع، المقبولة من الجميع، بغض النظر عمن فاز، وعمن لم يحالفه الحظ.

وبذلك تضع الحالة الوطنية حداً للاحتراب الدائر الآن، وتفوت الفرصة على الحالمين بالعمر المديد للانقسام، بما هو مصدر للكسب والنفوذ.
(2)
– ربطاً بما سبق، نعتقد أنه لا يكفي تجديد شرعية المجلس التشريعي والرئاسة في السلطة، وفقاً لخطوات متوافق عليها وطنياً، دون استكمال العملية الديمقراطية بانتخاب مجلس وطني جديد. وفي هذا الأمر أكثر من مضمون سياسي ووطني، من الخطأ بمكان، بل من الخطورة بمكان، تجاهله.

الرئاسة والتشريعي عملية محصورة في إطار المناطق المحتلة، وفي إطار الحكم الإداري الذاتي، ولا تمتلك هاتان المؤسستان شمولية التمثيل الفلسطيني. إن شمولية التمثيل الفلسطيني، تعني م.ت.ف أي المجلس الوطني الفلسطيني، واللجنة التنفيذية. وإذا لم تستكمل العملية الديمقراطية بانتخاب مجلس وطني للداخل والخارج معاً، فهذا معناه إخراج الخارج من الحسابات الوطنية، وافتقاره لحقه في التمثيل الديمقراطي في المؤسسة الوطنية. خاصة أن المجلس الوطني انتهت صلاحيته، وكانت الدورة 23 هي آخر دوراته، وبات ملزماً أن ينتخب مجلس جديد.

وعبر هذا المجلس يتمثل الشتات، من لاجئين ومغتربين وغيرهم. وهو الأمر الذي يكسب للمواطن الفلسطيني عضويته العملية في م.ت.ف من خلال المساهمة في بناء مؤسساتها على أسس ديمقراطية. ومن خلال هذا المجلس، يتم انتخاب لجنة تنفيذية جديدة. خاصة ما إذا لاحظنا أن «الشتات» بما هو «إقامة» خارج المناطق المحتلة، غير ممثل «حضورياً»، في اللجنة التنفيذية. وأن تشكيل اللجنة الحالية يقتصر على ممثلي الفصائل، و «من هم في حكمهم»، وبات الضرورة الوطنية، تطوير المؤسسة الفلسطينية، آخذين بعين الاعتبار، تطور الحالة الوطنية، ونشوء أجيال جديدة تطرق أبواب ولوج المؤسسة، وبروز فعاليات مجتمع مدني من حقها أن تتمثل ديمقراطياً في المؤسسة، وأن لا يقتصر التمثيل على الفصائل، «ومن في حكمها».

من زاوية أخرى فإن انتخاب مجلس وطني، من شأنه أن يعزز تمثيل الشتات في المجلس بطريقة ديمقراطية، وأن يحمل هموم الشتات إلى دورات المجلس، وأعمال اللجنة التنفيذية، وأن يعزز الموقع التمثيلي لمنظمة التحرير الفلسطينية. فالموقع التمثيلي هذا، ليس معطى دائماً، بل هو رهن بمدى تبني المؤسسة لهموم من تمثلهم، وليست هناك أحزاب ومؤسسات، حتى وطنية (أي على مستوى التمثيل الوطني) خالدة إلى الأبد، لا في التجربة الفلسطينية ولا في تجارب الآخرين. بقدر ما تحمل م.ت.ف، هموم المواطنين، وتعكسها في برامجها، وبقدر ما تدافع عن حقوقهم ومصالحهم، وبقدر ما تفتح أبوابها لتعزيز تمثيلهم في مؤسساتها ديمقراطياً، بقدر ما يتعزز موقعها التمثيلي، وموقعها السياسي. هذا ينطبق على م.ت.ف، وعلى الأحزاب السياسية وعلى الاتحادات الشعبية، وعلى النقابات وغيرها من المؤسسات، لذا من الخطير بمكان أن يتم تجاهل «الخارج»، وأن لا يتم الالتفات إليه، مؤسساتياً، ونظامياً، عبر فتح الأبواب لممارسة حقه القانوني والدستوري في بناء المؤسسة الوطنية، وفي رسم برامجها، ووضع حد لسياسة التعيين، والتمثيل المزيف.
(3)
– منذ أن تولى نفتالي بينيت، المستوطن البارز، في حكومة نتنياهو، وزارة الدفاع، انفتحت شهيته على مصراعيها، لصالح استكمال مشروع نتنياهو توسيع الاستيطان. فلم يكتفِ بتشريع بناء آلاف الشقق الاستيطانية بل اتجه نحو مدينة الخليل، ليعلن بناء مستوطنة يهودية في قلب البلدة القديمة في سوق الخضار، ما يعني طرد عشرات العائلات الفلسطينية، وتهجيرها لإسكان اليهود مكانها.

هآرتس بدورها (3/12/2019) كشفت أن مشروع سوق الخضار يمهد لمشاريع أوسع تهدف إلى تهويد مدينة الخليل، على غرار ما يجري في القدس، في إطار استعادة صهيونية مكشوفة لحوادث نهاية عشرينيات القرن الماضي، وحسم «المعركة» لصالح الخليل ـ مدينة يهودية ـ كما هي القدس «عاصمة أبدية لدولة إسرائيل».
نتنياهو هو الآخر يحاول أن يغازل الشارع الإسرائيلي، فيقترح على غانتس، زعيم تحالف أزرق ـ أبيض، تشكيل حكومة «ائتلاف حزبي»، تكون له فيها الرئاسة لمدة ستة أشهر، حتى ينجز مشروعه لضم منطقة الغور وشمال البحر الميت لإسرائيل.

حديث نتنياهو ليس مجرد غزل للشارع بل هو يعبر عن مشروع حقيقي يهدف إلى إنجازه.
هذا كله، بدعم أميركي فاقع، تمثل أخيراً في تصريح مايك بومبيو، وزير خارجية ترامب، شرعنه الاستيطان.
البعض خرج على بومبيو ومشروعه، وعلى بينيت ومشروعه، بصراخ وعنتريات، الفرق بينها وبين صراخ عنتر، أن هذا كان يصرخ ليرعب خصمه، ثم يلتحم معه في معركة حقيقية ليقضي عليه. أما الصراخ العنتري لبعض ممثلي السلطة الفلسطينية فلم يتجاوز حدود المكتب الفاخر الذي يتمددون فوق فراشه الوثير. حتى اللجنة التنفيذية لم تجد ما تقوم به للرد على بينيت سوى أن تجرأ بالشكوى إلى المجتمع الدولي طالبة العون، وقد تجاهلت أن الشكوى لغير الله مذلّة. وما يثير الاستغراب أن اللجنة التنفيذية التي تعتقد أنها هي القيادة اليومية العليا للشعب الفلسطيني، تدير معاركها وهي مفصولة عن الشعب، ولا تملك أية صلة تربط بينها وبين شرائحه الاجتماعية وقواه السياسية الفاعلة في الميدان.

فقدت اللجنة التنفيذية، كما فقد الكثيرون في السلطة الفلسطينية، الإحساس بالزمان والمكان، وفقدوا القدرة على قراءة الحدث بأبعاده الحقيقية. وقد تجاهلوا أن الاستيطان، في الفترة الأخيرة انتقل إلى مرحلة استراتيجية جديدة، ولم يعد مجرد مشاريع تقوم على توسيع المستوطنات القائمة. بات مشروعاً لضم الضفة الفلسطينية، والتمهيد لفرض الحل الإسرائيلي الأميركي . صفقة ترامب ـ نتنياهو، تتبلور على الأرض خطوات ميدانية، لم يعد يكفي معها الاستنكار والاستهجان والشكوى إلى المجتمع الدولي.

الاستيطان هو حرب مفتوحة ضد الشعب الفلسطيني ومصالحه، ونعتقد أن على السلطة أن تقود شعبها في خوض هذه المعركة، ضمن خطة استراتيجية متكاملة العناصر، السياسية والإعلامية والاقتصادية والميدانية، ما يتطلب الدعوة إلى مؤتمر وطني، في الضفة الفلسطينية، على جدول أعماله قضية الاستيطان والضم، وكيفية التصدي لها، وكيفية الدفاع عن الأرض، وصونها، وخوض المعركة الحاسمة والفاصلة ضد المستوطنين. وإلا فإن ما يجري هي عملية قضم يومي للأرض الفلسطينية، وضم وتهويد، في استكمال للغزو الصهيوني للأرض الفلسطينية، منذ مطلع القرن الماضي، وما قبله.

في الماضي تذرعت الحالة الوطنية بالانتداب البريطاني، وتخاذل القيادات السياسية، وغياب الاستراتيجية الوطنية، وضعف الحالة العربية. أما اليوم، فلم بعد هناك أي مجال لأية ذريعة، لدى الشعب مؤسساته. هناك رئيس دولة فلسطين، التي تمتد سفاراتها في أنحاء العالم. وهناك سلطة فلسطينية لها رئيسها، وحكومتها، وأجهزتها الأمنية والإدارية والخدمية. وهناك التمثيل السياسي الخارجي واعتراف المجتمع الدولي بالشعب الفلسطيني وكيانيته السياسية وحقوقه الوطنية المشروعة. وهناك حالة شعبية عربية تؤكد في كل مناسبة رفضها التطبيع مع دولة الاحتلال، ودعمها لشعب فلسطين. وهناك تجربة الكفاح المسلح. وتجارب الانتفاضة والهبات الشعبية، والأهم، الاستعداد الشعبي للتضحية دفاعاً عن الأرض. الغائب الأكبر هو القرار السياسي المعتقل لدى السلطة الفلسطينية، ولدى قيادتها. تعتقله باعترافها بإسرائيل، ورفضها سحب هذا الاعتراف. تعتقله بالتنسيق الأمني، ورفضها وقف هذا التنسيق، وتعتقله برفضها فك الارتباط باتفاق أوسلو وبروتوكول باريس، وإصرارها على المفاوضات (أين هي هذه المفاوضات) خياراً وحيداً.

لذا يمكن القول بكل جرأة، إن السلطة الفلسطينية، وقيادتها، تتحمل مسؤولية إضعاف الحركة الشعبية، والتقاعس عن استنهاضها، والزج بها في المعركة الوطنية الفاصلة. ونعتقد أن عقد مؤتمر وطني لمقاومة الاستيطان، والخروج بقرارات وإجراءات فاعلة وميدانية، هو المعيار الآن لمدى استعداد السلطة وقيادتها لتحمل مسؤولياتها السياسية والقانونية والوطنية والأخلاقية، للدفاع عن القدس والخليل، والغور، وشمال البحر الميت، وكل شبر من الأرض الفلسطينية المحتلة، والتي لا تتوقف آلة الاستعمار الاستيطاني اليومي، عن التهامها شبراً وراء شبر، لا ينفع في تصديها، لا تصريحات رئيس الحكومة، ولا غيرها.

– وقديماً قال أجدادنا «لا يفل الحديد إلا الحديد». فتذكروا قول الأجداد، قبل أن تفوت الفرصة .

– وتذكروا جيداً أن الطبيعة لا تعرف الفراغ .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى