مقالات وآراء

ما تبعات إغلاق مكتب مديرية التربية والتعليم بالقدس ؟

لم يسلم قطاع التعليم في مدينة القدس منذ اللحظة الأولى لاحتلال المدينة من سياسيات التهويد والأسرلة، بل كان قطاع التعليم من أول القطاعات التي تنبّه لها الاحتلال الصهيوني واستهدفها، محاولاً السيطرة عليها، وإلغاء المناهج المعتمدة فيها، واستبدالها بأخرى من إعداده وتأليفه، متوقعاً من وراء ذلك أن يُزَّور التاريخ، ويُغِّير الحقائق، من أجل تغيير قناعات الطلاب الفلسطينيين، وإلغاء كل ما يمكن أن ينمّي ويعزز من تنشئتهم وتربيتهم الوطنية.

في هذه الورقة لن نعود للتاريخ، بل سنعرض بناء على البحث الذي نعمل عليه منذ عامين، لأهم الإجراءات التي قام بها الاحتلال، وشكلت مراحل مفصلية في تاريخ دفاع أهل القدس عن حقهم في التعلم بمناهج تحفظ لهم وللأجيال موروثهم القيمي، والوطني. لنقرأ خطورة القرار الأخير الذي أقدم عليها الاحتلال في 20 تشرين ثاني/ نوفمبر 2019، والمتمثل بإغلاق مكتب مديرية تربية وتعليم القدس داخل البلدة القديمة في القدس، بعد اعتقال مدير التربية والتعليم الأستاذ سمير جبريل ثم إطلاق سراحه تحت الإقامة الجبرية، ومنعه أو أي أحد من العاملين في مكتب المديرية من مزاولة عملهم في أي مكان آخر داخل حدود ما أسماه القرار (دولة إسرائيل)، أو تحت أي مسمى آخر.

المرحلة الأولى كانت مباشرة مع احتلال المدينة، وتمثلت بمحاولة التغيير القسري والسيطرة بالقوة على قطاع التعليم. ففي عام 1968 قامت قوات الاحتلال باعتقال مدير التربية والتعليم في حينه الأستاذ حسني الأشهب، وكان لهذه الخطوة ما بعدها من إجراءات هدفت للسيطرة على قطاع التعليم في القدس بعد احتلالها عام 1967، ومحاولة تغيير النظام التعليمي فيها برمّته. وانتهت بفشلها بعد الإضراب الأسطوري الذي خاضه المعلمون بدعم من أولياء الأمور وذويهم.

وكرد فعل على هذه الخطوة انتهج الاحتلال سياسة الإهمال والتهميش، فشهدت المدارس التي يشرف عليها خلال هذه الفترة أعلى معدلات التسرّب، ونقص في الإمكانيات المادية، وتواضع الإمكانيات البشرية العاملة فيها.

المرحلة المفصلية الثانية، كانت بتاريخ 7 آذار/ مارس 2011، حين قامت إدارة المعارف الصهيونية بإجراء تعديلات وتغييرات في محتوى المناهج الفلسطينية من خلال لجنة (خبراء) أوكلت لها هذه المهمة، ثم أرسلت كتاباً خطياً للمدارس تطلب من خلاله التقيد بشراء الكتب المطبوعة من “المعارف”، وتمنعهم من شراء أي كتاب مدرسي من مكان آخر في الإشارة إلى مطبوعات وزارة التربية والتعليم الفلسطينية.

في هذه الخطوة أراد الاحتلال مجدداً بسط السيطرة على المدارس، وأن تصبح “المعارف” هي المرجعية الرسمية لها، وأن تحل مكان مديرية تربية وتعليم القدس الشريف في إدارة مدارس القطاع الحكومي والتي يتعارف على تسميتها بمدارس الأوقاف، ومدارس القطاع الخاص وهو المسمى الذي يطلق على المدارس الأهلية والمدارس الخاصة والتي تشرف عليها أيضاً مديرية تربية وتعليم القدس الشريف.

ولاحقًا أُرسلت تهديدات من قبل وزارة المعارف، أشارت من خلالها إلى أنها سترسل مفتشيها للتأكد من المقررات التي بين يدي الطلاب، لكن لم تُقْدم على هذه الخطوة بناء على توصية قُدّمت من المؤسسة الأمنية الصهيونية ، حُذر فيها من المساس بدافعية المقدسيين للانخراط في العمل المقاوم ضد الاحتلال نتيجة أي استفزاز ممكن أن يحدث، واقترحت المؤسسة الأمنية خطة جديدة توصي باتباع سياسة تحسين الواقع الاقتصادي في القدس الشرقية في محاولة لإحداث تحول على الواقع المعيشي لإبعاد المقدسيين عن أي عمل مقاوم، وإقناعهم بعدم التعرض لحملات تدنيس المسجد الأقصى التي ينفذها المستوطنون اليهود، عن طريق إحداث تغيير على مضامين مناهج التعليم في القدس الشرقية، بهدف التأثير على وعي المقدسيين، ودفعهم للتعاون مع مشاريع تهويد المدينة، أو المس بدافعيتهم لمقاومتها.

وبعد توصية المؤسسة الأمنية الصهيونية ، بدأت المرحلة الثالثة، والمتمثلة بتخصيص ميزانيات ضخمة، لزيادة عدد الصفوف والمدارس التي تدرس المناهج الصهيونية . حيث تركت المدارس الخاصة، ومدارس الأوقاف في هذه المرحلة تدرس المناهج الفلسطينية بناء على التوصية، لكن بتشديد الخناق عليها من خلال سياسات الابتزاز المالي من جهة، وتدخلات مشرفي المعارف في أمورها وشؤونها الداخلية من جهة أخرى. وبلغت هذه المرحلة ذروتها بعد إعلان ترامب نقل السفارة، حيث أعلن عن مخصصات مالية جديدة لا تقل عن 2 مليار شيقل، هدفها تعزيز حصانة العاصمة من خلال توسيع نطاق استخدام المناهج التعليمية الإسرائيلية في مدارس مدينة القدس على حد وصف الخطة المعلن عنها في “هآرتس” في أيار/ مايو 2018، والهدف المُعلن هو ” تمكين الفلسطينيين في القدس المحتلة من الانخراط في نظام التعليم الصهيوني لتسهيل اندماجهم في سوق العمل الصهيوني وبالتالي اندماجهم في الدولة”.

أما إغلاق مكتب مديرية التربية والتعليم، فكان بالتوازي مع السياسات في المرحلة السابقة، لتشكل هذه الخطوة بداية لمرحلة جديدة، لعلها الأكثر خطراً، بسبب المكانة الرمزية والسياسية للموقع الجغرافي للمكتب، وما يحمله قرار الإغلاق، من تبعات خطيرة، قد تطيح بالتعليم الفلسطيني في هذه المدارس، بعد عزل الجهة الإدارية المشرفة عليه وطردها خارج القدس. ونقرأ في المبالغة بحجم القرار، من حيث مدة الإغلاق القابلة للتمديد، واعتقال مدير التربية والتعليم، ثم وضعه تحت الإقامة الجبرية، نقرأ تبعات لاحقة، لا تقل خطورة عما سبق. وسنحاول في هذه المقال ومن خلال العمل البحثي الذي نعمل عليه، أن نضع بين يدي المهتمين والغيورين على التعليم في القدس قراءة للمشهد القادم، وتداعيات إغلاق مكتب مديرية التربية والتعليم.

أخطر التبعات هي زيادة عدد الصفوف والمدارس التي تدرّس المناهج الصهيونية وزيادة الحصار على المدارس التي تعتمد المناهج الفلسطينية. فبداية لا بد من التذكير أن ما لا يقل عن 50% من الطلاب المقدسيين، يدرسون في المدارس التي تدرس المناهج الفلسطينية، تحت مظلة بلدية القدس الاحتلالية. هذه المدارس تخوض معركة شرسة للمحافظة على هذا الوضع من خلال اتحاد لجان أولياء أمور مدارس القدس. لكن الاتحاد ومن معه من متطوعين لا يستطيع أن يواجه سياسات دولة تجند دوائر وأقسام، وموظفين متفرغين لموضوع التعليم في القدس إلى وقت طويل. ناهيك عن أن قدرة هذه المدارس على المقاومة باتت ضعيفة، بحكم تحكم البلدية بقرارات تعيين مديري المدارس والمفتشين.

وخلال الأعوام العشر الماضية، وتحديدًا منذ استلم نير بركات رئاسة بلدية القدس تم افتتاح ما لا يقل عن تسع مدارس جديدة، جميعها تدرس بالمنهاج الصهيوني. غير الصفوف التي أضيفت للمدارس القائمة أصلًا واعتمد فيها المنهاج الصهيوني، ضمن بيئة تعليمية مدرسية جذابة، تم تسويقها عبر شبكات التواصل الاجتماعي، واستطاعت ومع الأسف إقناع عدد لا بأس فيه بتسجيل أبنائهم في هذه المدارس.

وعلى الجهة المقابلة للمدارس التي تشرف عليها بلدية القدس الاحتلالية، هناك مدارس الأوقاف والمدارس الخاصة، ومدارس الوكالة. وقرار إغلاق مكتب المديرية سيكون له تبعات كبيرة على مدارس الأوقاف، حيث ستصبح ضعيفة بعد نزع الشرعية عن مظلتها الرسمية. وهذا تهديد جديد قد يمس قدرتها على الاستمرار في تدريس المناهج الفلسطينية داخل صفوفها. ناهيك عن مشاكل ضعف الإقبال على التسجيل في بعض مدارس البنين التي تتبع لها.

أما التبعات على المدارس الخاصة، ستكون أيضًا مماثلة لمدارس الأوقاف، من حيث نزع الشرعية عن المظلة الرسمية التي تتبع إليها. والتحدي الخطير القادم هو قرار المحكمة الذي قضى أن تأخذ هذه المدارس مخصصات مالية مقابل الطلبة الذين تعجز بلدية القدس عن استيعابهم بسبب نقص المباني المدرسية لديها. هذا القرار محكوم بشرط (عدم توفر المباني). والمتابع لتقارير ما يسمى بـ”مراقب الدولة” خلال السنوات الخمس الماضية، يجد بأن التقارير كانت تتحدث عن نقص حوالي 4000 غرفة صفية، لكن تقرير 2018 يتحدث عن نقص في 2000 غرفة صفية، وهذا يعني أن قرار المحكمة القاضي بدفع المخصصات لن يعود ساري المفعول، في حال توفرت هذه الغرف الصفية، والتي ينوي الاحتلال حقًا توفيرها، من خلال تقديم مخططات لبناء المزيد من المدارس خاصة في منطقة بيت حنينا وشعفاط (شمالاً) ما سيضع هذه المدارس أمام تحد حقيقي في حال قلصت الحكومة الميزانيات المخصصة لهذه المدارس.

أما مدارس وكالة الغوث المتبقية، فهي تعاني من مشاكل مادية كبيرة، بعد قرار ترمب وقف الدعم الأمريكي للأونروا، هذه المشاكل وضعتها أمام تحديات جديدة، ناهيك عن محاولات الاحتلال إنهاء وجود أي مؤسسات تتبع للأونروا وترمز للاجئين داخل القدس والبلدة القديمة، أو حتى داخل مخيم شعفاط.

ختامًا، مشاكل التعليم بفعل سياسات الأسرلة لن تفيها حقها بضع توصيات نكتبها هنا. لكن لا بد من الإصرار على عودة مديرية التربية والتعليم بكافة موظفيها للعمل في البلدة القديمة، ولا يجوز نقلها لأي مكان آخر. وإذا كان لا بد من رسالة، فنقول لكل من يدعو إلى التوجه للمناهج الصهيونية بسبب ضعف الفلسطينية، أن لكل نظام تعليمي فيه من القصور، ومن الإيجابيات ما فيه، ونظام التعليم الفلسطيني ليس بمعزل عن هذا الأمر، لكن يسجل له، أن من درسوه، ثم درسوا في كلية الطب في جامعة القدس قد نجحوا بامتحان مزاولة مهنة الطب من أول مرة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى