مقالات وآراء

هل يذهب نتنياهو لحرب مع ايران؟..

ايهاب زكي

لم يكف الإعلام العبري طوال أسبوعين عن التهويل بالحرب على إيران. ومن يأخذ هذه المتابعة على محمل الجد، يعتقد أنّ الحرب نشبت وهو من فاته موجز الأنباء، رغم أن لا أحد من المراقبين والمتابعين يختزن بين سطوره أيّ احتمالٍ مهما كان ضئيلاً، عن وجود نية إيرانية حالية لشنّ هجومٍ عسكري على كيان العدو دون ابتداء من الأخير، إلّا أنّ العسكرية الصهيونية، يردفها الإعلام، ظلت تحذر من هذا الهجوم، فتقول “يديعوت أحرونوت” “أنّ إيران تخطط لمفاجأة ولكن هناك عوامل تؤخر هجومهم على إسرائيل”. وتطرّف موقع “والاه” العبري ليقول “إن حزب الله يغير قواعد اللعبة مع إسرائيل، وسيقوم بشنّ هجمات صاروخية على تل أبيب أثناء احتجاجات لبنان”. وتنقل صحيفة “هآرتس” عن مسؤوليين سياسيين وعسكريين أنّ “التهديد الإيراني بات مختلفاً، وأنّ قلقاً حقيقياً يساور القيادتين العسكرية والسياسية من هجوم إيراني وشيك”، كما تنقل تصريحات رئيس أركان جيش العدو أفيف كوفاخي عن “هشاشة الوضع الأمني على الجبهتين الشمالية والجنوبية”، كما نقلت تحذير مسؤول كبير في جلسة مغلقة، أنّ “الجيش” سيفقد ميزته في حال لم يبادر للقضاء على تلك التهديدات قبل وقوعها.

كنتُ أسميت السلوكيات “الإسرائيلية” في سوريا بـ”سياسة المؤانسة”، حيث يحاول الشخص الذي يخشى الظلمة التحدث إلى نفسه بصوتٍ عالٍ من باب التغلب على الخوف، فيما كان إعلام العدو وماكينته الحربية تنتشي بتسميتها استراتيجية “الحملة أو المعركة بين الحروب”، وكان يتم تضخيم الأمر بشكلٍ متعمد، ليبدو كأنّه انتصارات تبعد شبح الأخطار المحدقة بالكيان لعقودٍ طويلة. ولكن بعد سنوات من هذا الانتفاخ الكاذب، اصطدم العدو بحقائق الواقع الصلبة، وأنّه يسير في الظلمة وحيداً، فتنقل “هآرتس” عن كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين “أنّ رأيهم بات مختلفاً بعدما كانوا يتباهون بجهود منع الوجود الإيراني في المنطقة”، وبما أنّ هناك إقرارًا رسميًّا بفشل ما سمي “استراتيجية المعركة بين الحروب”، فمن المنطقي أن يكون هذا الفشل دافعاً للبحث عن استراتيجياتٍ مستحدثة، ويجزم البعض بأنّ الحرب على إيران هي أحد هذه الخيارات، وقد كان التعامل “الإسرائيلي” برفع السقوف مع تصريحات وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو عن مستوى حيازة إيران للقوة النووية، أحد منطلقات ترجيح خيار الحرب، واعتبروا أنّ المبالغات “الإسرائيلية” في التقاط هذه التصريحات والبناء عليها، ما هي إلّأ مجرد تمهيدٍ لعملٍ عسكري.

في تقريرٍ لمعهد واشنطن يقول نصاً “غالباً ما يقوم أعضاء محور المقاومة بالتجاوز المفرط (على سبيل المثال حزب الله عام 2006 وإيران في سوريا عام 2018) وقد يفعلون ذلك مجدداً لدفع “إسرائيل” إلى حربٍ مدمرة، وهذا من شأنه أن يضيق خياراتهم العسكرية بعد الحرب، ويفشل المكاسب العسكرية التي تحققت بصعوبة للقوات الموالية للنظام في سوريا، لذلك يجب على واشنطن أن تستخدم شبح خطورة مثل هذه النتائج لحثّ روسيا على كبح شركائها في محور المقاومة في أوقات الحرب” انتهى الاقتباس.

وهذا التقرير يفترض قيام الحرب وفي ذروة المصلحة “الإسرائيلية” يجب أن تتوقف عبر آلية التلويح آنفة الذكر، ورغم سطحية هذا الطرح فإنّه يؤشر إلى العجز “الإسرائيلي” عن مواصلة الحرب وتحقيق المصالح “الإسرائيلية” بالضربة القاضية. ويلحظ بدقة القصور العسكري “الإسرائيلي” بالاعتماد على نفسها في أيّ حربٍ محتملة، كما يجزم بانعدام إمكانية التدخل العسكري الأمريكي، ثم يقطع بمحدودية تدخلها الدبلوماسي، وهو مجرد رجاء لدى موسكو مغلف بقالب التهديد لحلفائها، بإمكانية فقدانهم بعض الجغرافيا المستعادة من الإرهاب، ولكن هذا التقرير يتجاهل عجز”اسرائيل” المتأصل عن شنّ الحرب ابتداءً، ولو أنّها تمتلك هذه القدرة لما توانت وهي ترى رقعة “الظلام” تتسع حولها وهي تكتفي بالحديث مع النفس بعالَي الصوت.

يقود نتنياهو حكومة عرجاء بعد فشله في تشكيل حكومةٍ جديدة، ويبدو أنّ عجزه خارجياً انسحب عجزاً داخلياً، وقد وجد في التهويل بالحرب سفينة نجاة. خصوصاً أنّ منافسه بني غانتس أعلن مؤخراً “أنّ التهديد الإيراني هو محل إجماع إسرائيلي”، فيصبح هذا التهويل دافعاً بما يشكله من ضغط على بني غانتس للتنازل عن شروطه للذهاب إلى “حكومة وحدة وطنية”، وبذلك يكون نتنياهو فاز بالحكومة ونجا من هاجس السجن، وإلّا فانتظار العام المقبل لإجراء انتخاباتٍ ثالثة، وإذا حدث هذا فلن تختلف سياسة نتنياهو كثيراً، حيث تسويق التطبيع مع دولٍ عربية باعتباره انتصاراتٍ متلاحقة، مع الإبقاء على الصوت العالي في توتير أجواء المنطقة وتخويف جبهته الداخلية، وهذا أقصى ما يفكر به نتنياهو. أمّا الذهاب إلى حرب إيران فهو أمرٌ لا يساوره حتى في أكثر أحلامه ورديةً، فـ”إسرائيل” كمثل الدول الخليجية في هذا المضمار تماماً، لا يمكنها الذهاب إلى هذه الحرب دون الولايات المتحدة، وترامب يفكر في أسهل الطرق وأسرعها لحلب المال، والحرب حتماً ليست إحداها، ولكن هذا لا يعني أنّ ظروفاً زمانية ومكانية قد تجعل من الخطأ المحتمل خطأً مميتاً، وأكثر من سيحرص على ألّا تكون أخطاؤه مميتة هو نتنياهو.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى