كلمتنا

الانتخابات الفلسطينية بين الوهم والحقيقة..

د. محمد البحيصي

رئيس جمعية الصداقة الفلسطينية الإيرانية

 

الانتخابات بشكل عام من الابتكارات الإنسانية التي مرّت في قناة التجارب والتطوير، قبل أن تصبح إجراءً وحقّاً وتشريعاً قانونيّاً واستحقاقاً سياسياً، لاختيار فرد أو مجموعة لشغل منصب معيّن بناءً على رأي أفراد الشعب مباشرة، وبهذا فهي حقٌّ من حقوق الناس، وواجب عليهم تطبيقه لضمان تفعيل دورهم الإيجابي في الحياة السياسية في مجتمعهم ودولهم.. وهذا كله صحيح ومتّبع في الأنظمة الديموقراطية، وفي الدول المستقلّة المستقرّة التي يُضمن فيها حرية الانتخابات، وحريّة الترشيح، وحرية التجمّع، وحرية التعبير، والاستفادة المتساوية في الإعلام، وتجنّب كل أشكال الإكراه التي يقف على رأسها الاستغلال الوظيفي.. وهذا كلّه له علاقة بآلية ونزاهة العملية الانتخابية، ومن البديهي أن يتم التسليم بنتائج الانتخابات أيّاً كانت هذه النتائج، وأن لا يتم الانقلاب عليها من هذا الفريق أو ذاك تحت أيّة ذريعة..

وهنا في الحالة الفلسطينية، وإذا ما تجاوزنا انعدام الشرعيّات القائمة رئاسةً وتشريعاً ومجلساً وطنيّاً، وكلّها مارست انتهاك القانون الأساسي، واعتدت على حق الشعب في التجديد لممثليه، وغيّبت هذا الحق مستفيدة من أجواء الانقسام وسلطات الأمر الواقع في غزة والضفة.. وتجاوزنا غياب التوافق الوطني على قانون الانتخاب وعلى ماهيّة الانتخابات وما إذا ما كانت تشريعية فقط ورئاسية بعد ذلك؟ وماذا عن المجلس الوطني وانتخاباته؟ وماذا عن القدس؟ وماذا لو لم يتم الوفاق والاتفاق على الانتخابات كأن ترفض حماس مثلاً الانتخابات؟ وماذا عن قانون الانتخابات؟ أسئلة واستفهامات كثيرة لا تجد لها جواباً على الأقل في المدى الراهن والمنظور، طالما بقيت الأمور تُدار بالطريقة التي يريدها طرفي الهيمنة على الموقف الفلسطيني..

ثمّ إنّ السؤال الأهم والملح في هذه العملية (الانتخابات) هو:  ما هو مطلب الشعب من هذه الانتخابات؟؟

وهل هذا المطلوب أيّاً كان يمكن أن يستقيم وطنيّاً مع ارتباطات السلطة القائمة بقوة وفعل اتفاقات أوسلو؟ وهل القوى المتنفذة الجاهزة بحكم بنيتها لإعطاء عمر إضافي لهذه الاتفاقات، قادرة على تبنّي مشروعاً وطنيّاً تحرريّاً يضع القضية الفلسطينية في إطارها وسياقها الحقيقي كقضية تحرّر تعتمد أسلوب المقاومة المشروعة كأي مقاومة تحت الاحتلال؟ أم أنّ هذه الانتخابات ستخرج هذه القوى من أزمتها السياسية ومن أزمة الشرعية الشكلية التي تسمح لها باستمرار جثومها على صدر الشعب، ويداً بيد الاحتلال لقمع مقاومته..؟

إنّنا كشعب يرزح تحت احتلال إحلالي عنصري إلغائي ينفي وينكر أي حق لنا في الأرض، ويتعاطى معنا كمجموعات بشرية مجرّدة من كافة حقوقها السياسية والوطنية، ويسعى لتعميق هذا المعطى يوماً بعد يوم من خلال الحصار وتهويد الأرض، ويقطع أوصالها من خلال المستوطنات بكافة مسمياتها تمهيداً لفصلها الكامل عن بعضها، والتعامل مع كل جزء بنحو مستقل بحيث يقتل فكرة المشروع الوطني بعد قتل فكرة الجماعة الوطنية أو الشعب الواحد، وهذه هي إحدى خيارات العدو، ناهيك عن خيار الترحيل الجماعي وإخلاء الأرض…

أقول: إنّنا كشعب يتعرّض لكل هذا وأكثر، لن تكون الانتخابات كما أنها لم تكن فيما سبق خياراً صحيحاً، وقد دفعنا ثمنه من إرادتنا ووحدتنا ووطنيتنا، وليس صحيحاً أن نستمر في ذات الطريق الذي أكّدت الوقائع أنّه الطريق الخاطئ، وعليه فليس أمام هذا الشعب إلّا أن يعود للتعاطي مع الاحتلال من موقع الرفض المطلق، والمقاومة الشاملة المفتوحة، وإعادة الاعتبار إلى العنوان الصحيح للصراع باعتباره صراعاً وجودياً، وأنّ كل مسعىً للتعايش أو التكيّف معه إنّما يصب في مصلحة العدو، ويتناقض مع المصلحة الوطنية العليا ويباعد عنها …

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى