مقالات وآراء

الصُهيونية تخطيط وتسويق.. هل تعلّمنا؟

كيف اِستطاعت الحركة الصُهيونية مِن خِلال اِستراتيجيات التفكير بعيدة المدى إقامة الوطن القومي اليهوديّ؟

لقد اِستطاعت الحركة الصُهيونية اِستِغلال التاريخ جيّداً، وكذلِك الكثير مِن المواقِف الدوليّة السياسية لِصالِحِها، مِن خِلال اِستراتيجية التفكير السليم والبعيد المدى، واِستِغلال الماضي في فَهْم الحاضِر ورَسْم المُستقبل.
وبِالعودة إلى التاريخ نجِد أنّ الصهاينة عِندما تَحدَّثوا قبل 200 عام عن قيام وطن يهوديّ من دون تحديد أرضّ لإقامته، اِستطاعوا اِستغلال المواقِف الدوليّة بشكلٍ جيّد، فكانت اُولى الدعوات التي سَمَحت بِفرصة ترويج فِكرة الدولة اليهوديّة عِندما دَعا نابِليون بونابرت والإمبِراطوريّة الفرنسية، إلى ِإقامة مشروع وطن يهوديّ في أرض الشام، على الأجزاء التي تقع فيها أُرض فِلسطين وذلك عام 1799م، ومُنذ ذلِك الحين بدأت المُحاولات في اِستِغلال المواقِف الدوليّة، واِستِغلال التاريخ جيّداً في ترويج فِكرة إقامة الدولة.

فقد تَحدَّثت الصُهيونيّة كَفِكرٍ جديدٍ، عن دولةٍ يهوديةٍ في الكثير مِن المَحَافِل الدوليّة، فكان أول المُؤتمرات الصُهيونيّة، الذي أُقيم في مدينة شيكاغو بِمُباركةٍ أميركيّةٍ عام 1890م، ثُم تبعه الكثير مِن المُحاولات لِإقامة وطن يهوديّ من دون تحديد الأرض التي يُمكِن أن يقوم عليها.
لقد سَبق وَعد بِلفور حدث تاريخي عام 1897م، عِندما جرى الحديث عن إِقامة وطن يهوديّ إما على أرض فِلسطين، أو الأرجنتين، أو أوغندا، وكان يَعلَم الصهاينة جيّداً أَطمَاع الْقُوى الدولِية فِي فِلَسْطِينَ، وَلِذَلِكَ كان الطَرح اِختِيارياً حَتى لَا يتعرّضوا لِلْمُعارضة الدولِيّة، وَكانت فِلَسطِين آن ذَاكَ تَحتَ حُكمِ الدولة الْعُثمَانِية.
فقد اِستطاع الصهاينة اِستِغلال جميع المواقِف الدوليّة على مدار التاريخ لِلحُصول على فُرصة إِقامة دولتِهُم، وقبل 50 عاماً مِن إِقامة الكيان الإسرائيلي. اِستطاعت زمرة اليهود هؤلاء قراءة التاريخ جيّداً، واِستطاعت اِستِغلال المواقِف السياسية الدوليّة، والأحداث التاريخيّة، لِبِناء المُستقبل، وتنفيذ مُخطّطهُم، بِتوقيع بريطانيّ على ورِقة لا تتعدّى العشرة أَسطِّر بِكثير، سُميت بِوَعد بلفور صدِرت عام 1917م، تمكّن عبرها، من إِقامة دولة يهوديّة في فِلسطين عام 1948م.

لقد كانت “الهولوكوست” من أهم أسباب تطوّر الحركة الصُهيونية كَنهجٍ وفِكرٍ سياسي في ما بعد، فاِستطاعت الصُهيونية اِستغلال تلك الحادثة جيّداً، في الترويج لضرورة قيام وطن قومي، وتحقيق ذلك، وهو بمثابة دليل واضح على التفكير الاِستراتيجي لليهود في طرح قضيّتهم أمام العالم، والبحث عن بَديِلٍ لِلشتات اليهودي في القارة الأوروبية.

واليوم تنفذ “إسرائيل” سياسات مُشابِهة لما تَعرَّضَ له اليهود على مدار التاريخ من الاِضطهاد الأوروبي، ولكن المُفارَقة تظهر في عدم قدرة العرب على اِستغلال المواقف لِصالح القضية العربية الأمّ، وهي قضية فلسطين، والتي تُمثّل الجزء الأكبر من مَلف الصِراع العربي الإسرائيلي.
ما زالت الحركة الصُهيونية تقدِّم نموذجاً فكرياً، يحمل في طيَّاته الكثير من التضليل والمُراوَغة، وتشويه الحقائق التاريخية، وما زال العرب عموماً لا يَحمِلون في جُعبتهم أيّ نموذج فِكري اِستراتيجي، يستطيع أن يتصدَّى لكل مُخطّطات الحركة الصهيوني تُجاه العرب والفلسطينيين.
لقد تحدّثت الصُهيونية الحديثة كما رسمها هرتزل، عن السيطرة على العالم تدريجاً والبدء من فلسطين، والتي أسماها الصهاينة “أرض الميعاد”، وكان الأَسر البابلي وهَدمِ الهيكل المَزعُوم سبباً في تلك التسمية.
إن فِكرة الصُهيونية تقوم على اُسُس دَمْج الدين اليهودي والنصُوص التوراتية المُحرّفة، بالفكر السياسي، والأحداث التاريخية التي تعرَّض لها اليهود.
وأصل التسمية للصُهيونية، يَقع على المكان الجغرافي الواقع في القُدس المُسمَّى بِجبل صُهيون كما وَرَد في سفر “أشعياء”.
إن الحركة الصُهيونية تعتمد على قَرْصَنة وتزييف الحقائق الدينية والتاريخية للوصُول إلى الهدف الرئيسي الذي تقوم عليه الحركة الصُهيونية، وهو إقامة وطن قومي في فلسطين، ومن ثم السيطرة على العالم تدريجاً.
في حقيقة الأمر عِند التدقيق جيّداً في ما يدور من حولِنا، سوف نُدرِك أن الصُهيونية كَحركةِ وفِكرٍ سياسي قد تُسيطر على العالم فِعلياً، وإن كان الأمر غير ظاهر للبعض، ولكن عند النظر جيّداً لما يدور في هذا العالم المُرتبط بمنظومةٍ سياسيةٍ واِقتصاديةٍ، تتبع قواعد وخُطوط حمراء لا يمكن تجاوزها، نُدرِك جيّداً مَدى نفوذ الصُهيونية على هذا العالم اِقتصادياً، ومن ثم سياسياً.
فـ”إسرائيل” اليوم ككيان مُتحَصّنةٍ بالفِكر الصُهيوني، الداعِم لها من الخارج والداخل، تُسيطر على أكبر عشر شركات في العالم تَختصّ في جميع المجالات، وتمتلك مِليارات الدولارات، منها شركة تشيك بوينت أكبر شركة في العالم مُتخصِّصة بأمن المعلومات، وشركات اُخرى تختصّ في الصناعات الإلكترونيات، ومجالات النقل والريّ، كَما وتمتلك اِستثمارات في شركات مثل إنتل، ومايكروسوفت، وأبل، والقائمة تَطُول في هذا المجال عند التدقيق في حَجِم الاِستثمارات والتعامُلات التجارية الإسرائيلية في العالم.
كما وتُصنَّف إسرائيل في المرتبة 16 من بين 187 دولة وفقاً لِمُؤشّر التنمية البشرية في الأُمَمِ المتحدة، وهي مُصنَّفة ضِمن فئة “متطوِّر للغاية”، كما أنها اِنضمَّت في العام 2010م إلى مُنظمة التعاون الاِقتصادي والتنمية، ووَقَّعت اِتفاقية للتجارة الحُرَّة مع الولايات المتحدة الأميركية والاِتِحاد الأوروبي، وعدد كبير من الدول منها دول عربية، إَضافة إلى الدولة التركية.

استطاعت الصُهيونية العالمية إلغاء القرار الأُمَمِي “3379” عام 1975م والذي اِتهم الصُهيونية بأنها شكل من أشكال التمييز العُنصري، وتم إلغاء القرار في العام1991.
أيضاً بالعودة إلى الوراء سوف نستطيع فَهْم مَدى القُدرة الصُهيونية على اِستغلال القرار الأُمَمِي.
فقد اِستطاعت الصُهيونية الحصول على الشرعية الدولية في إقامة وطن يهودي في فلسطين، من خِلال صُدور القرار الأُمَمِي لتقسيم فلسطين عام 1947م، وبالتالي التأثير على الأُمَمِ المتحدة والحصول على اِعترافٍ أُمَمِي بِالدولة اليهودية في فلسطين، وصُدور القرار الأُمَمِي الذي سَمح بِعضوية إسرائيل في الأُمَمِ المتحدة، وذلك بقرارٍ صَدر عن الجمعية العامة لِلأُمَمِ المتحدة رقم “273” والذي تمّ تَمريرةُ بِتبني مجلس الأمن عِضوية إسرائيل من خلال القرار رقم”69″ في العام 1949م، وما سبق ذلك من اِعترافٍ لِعُصبة الأُمَم بوعد بلفور المشؤوم.

لم تكن تلك الاِعترافات الأُمَمِية مَحْض صُدفة، فمن خِلال تأثير الحركة الصُهيونية على المجتمع الدوليّ، نتج الاِعتراف الدوليّ بالكيان الصُهيوني الذي بِدوره أنتج الدولة اليهودية والوطن القومي.
إن “إسرائيل” والحركة الصُهيونية يُقدّمان نموذجاً عِلمياً في التفكير الاِستراتيجي يعتمد على آلاف المُفكّرين والعُلماء في مختلف المجالات النفسية والعسكرية والسياسية والاِقتصادية والتكنولوجية وغيرها، يُنتج هؤلاء عشرات الآلاف من الدراسات والأبحاث العلمية المُتخصِّصة في شؤون البشرية وخاصة ما يتعلّق بالشعوب العربية وكيفية التعامُل معها.
لقد اِستطاعت إسرائيل والحركة الصُهيونية أن تُقدِّم نفسها في إفريقيا مؤخّراً وفي دولٍ عربية، على أنها رقم وجزء لا يتجزّأ من النظام العالمي، لا يمكن لأحد أن يتخطّاه.
أمام هذه المُعادلة المُعقَّدة التي تحتاج لِلعقلية القوية لِفَهْمِها، يصعب على العرب قراءة الواقع والأحداث من حولِهم واِستغلالها، والظهور كقوّةٍ موحَّدةٍ وكيانٍ مُتكامِلٍ يأخذ حيَّزاً في النظام العالمي.
وبالعودة إلى التاريخ مرة اُخرى، يُمكننا أن نترك عنواناً قد يعطي تفسيراً على مَدى قُدرة الحركة الصُهيونية على تحقيق الكثير من الأهداف وهو ليس مَحض صُدفة، وإنما نموذج للتفكير الاِستراتيجي بعيد المدى.


فِكرة تتحوَّل إلى قضيةٍ ثم إلى وطنٍ

إنّ التفكير الاِستراتيجي لِليهود الصهاينة في طرح القضية والفِكرة، واِستِغلال المواقِف السياسية والتاريخية جيّداً، كان بِحد ذَاته هزيمة لِلرفض العُثمانيّ، لِطلِب اليهود بِإقامة وطنٍ في فِلسطين، عن طريق التدخّل الألماني، وقُدرة اليهود على قِراءة التاريخ والسياسة، وفَهْم جِدّية رُدود الأفعال مِن هشاشتِها، جعِل الطريق الى إِقامة دولة يهودية مُمَهّداً، ينتظر فقط التنفيذ على يَد القُوى الدُوليِّة.
وعِند مُراجعة الأحداث التاريخية، نرى أنّ بين وعد بلفور والقرار الأُمَمِي لِلتقسيم الى دولتين فِلسطينيّة وإسرائيلية عام 1947م وإقامة دولة إِسرائيل عام 1948 م ثلاثون عاماً تقريباً، وبين المُؤتمر الصهيونيّ الأول ووَعد بلفور عِشرون عاماً اُخرى، أيّ بِمجموع خمسين عاماً على تحقيق الهدف الأساسيّ، وهو الفِكرة في إِقامة الدولة اليهوديّة في فِلسطين، بِما يعني أنّ الترويج لِلدعايَة اليهودية قبل 50 عاماً على إِقامة الدولة الصهيونيّة سبقها مائة وخمسون عاماً في مُحاولات عدّه لِترويج فِكرة إقامة الوطن اليهوديّ ومِن ثم إِعلان بلفور المشؤوم عام 1917م وتنفيذه على يد الاِنتِداب البريطانيّ، وخمسون عاماً اُخرى مازالت لا تكفي الحركة الصهيونيّة لِلحُصول على مكاسِب جديدة، قد تمنحهم مزيداً مِن الأرض العربية.
هذا نِتاج لمجموع الأفكار والأحداث التاريخية والمواقف السياسية التي استغلّتها الحركة الصهيونية على مدار مائة وخمسين عاماً.
إِن التفكير على المدى البعيد والتحليل لِلأحداث التاريخية واِستغلاها، جعل اليهود يرفعون عَلمَهُم الخاص لِأول مرّةٍ في فِلسطين عندما وقعت تحت الاِنتِداب البريطانيّ، وبِمُساعدة المندوب السامي البريطانيّ، بدأ تطبيق الفِكرة اليهوديّة وتحويلها إلى واقِعٍ نشهدُه اليوم ولا يُمكِن لِأحد إنكاره.
في حقيقة الأمر يُمكِن أن أضع وصفاً لِليهود، بِأنّ تشريدهُم تاريخياً، جعل مِنهُم أكثر الأقوام عِشقاً وتمسُّكاً بِالأرض.
ولا بُدّ من الفَهْم، بأنّ دَمْج الحقائِق التّاريخيّة بِالحاضِر واِستِخلاص العِبَر، واِستِغلال المواقِف جيّداً يُقدِّم خلاصة لِلمُستقبل المُشرِق سياسيّاً، واِقتِصاديّاً، واِجتِماعيّاً، واِلتمسّك بِالماضي من دون أخذ العِبرة سَوفَ يَجعل المُستقبل أكثر غُموضاً .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى