مقالات وآراء

السيناريو الإسرائيلي واستراتيجية محور المقاومة.. نُظم الردع..

أمجد إسماعيل الآغا .. كاتب سوري

تتوضّح يوماً بعد يوم الأبعاد الاستراتيجية التي فرضها حزب الله في حرب تموز 2006، بوصفها مِفصلاً تاريخياً في طبيعة الصِراع بين محور المقاومة والكيان الإسرائيلي، خاصة وأن انتصار تموز قد أسَّس أرضية صُلبة لمُعادلات وموازنات كبحت بمضامينها مُبادرات إسرائيل الهجومية، لتكون نتائج الحرب على سوريا تعزيزاً لهذه المُعادلات، وامتداداً في الأهداف والمضمون لما عجز عنه الكيان الصهيوني من تحقيقه في حرب تموز.

من هنا قد يبدو الحديث عن المُعادلات الإقليمية والدولية التي أسَّس لها الجيش السوري وحزب الله، يدخل في سياقٍ استراتيجي رادِعٍ لأيّ سيناريو صهيوني، وعليه فقد بات صُنَّاع القرار العسكري في دولة الاحتلال، في سعي حثيثٍ إزاء البحث عن أية خيارات تُحقّق تغيّراً في موازين القوى، والحد من مفاعيل تعاظُم قوّة محور المقاومة، وخلق استراتيجيات دفاعية جديدة تعتمد كُلياً على سيناريوهات تُحجِّم قُدرات محور المقاومة، وبناء منظومات ردع عبر توسيع نطاق العمليات الإسرائيلية في ظلّ المساحة الجغرافية الصغيرة التي تقع عليها إسرائيل، ما يُوسِّع عُمقها الاستراتيجي.

وعليه بات الهجوم هو السبيل الوحيد أمام تل أبيب لتحقيق خيار الدفاع الأمثل، وامتداداً لهذا النهج تعتمد إسرائيل على حرب الحركة السريعة، في ما يتعلّق بالهجوم أو سرعة إنهاء الحرب، قبل أن يتمّ التدخّل من جانب القوى الدولية، خاصة وأن الاستراتيجيات السابقة التي اعتمدت على توظيف الفصائل الإرهابية في سوريا ولبنان والعراق، قد أخفقت إسرائيلياً، وعزَّزت قوّة محور المقاومة.

المُعضِلة الاستراتيجية للكيان الإسرائيلي لا تقتصر على فشل المُراهنات على الفصائل الإرهابية، لجهة قُدرتها على فرض مشهدٍ إقليمي يتناسب وتطلّعات إسرائيل، بل لهذا الفشل تداعيات استراتيجية جمَّة، تتعلَّق مباشرة بتعاظُم قوَّة محور المقاومة.

بناء على ذلك جاء الفشل الإسرائيلي المُتعلِّق بقراءة المسارات السياسية والعسكرية في الساحة السورية والإقليمية عموماً، مدوياً.

هنا يكمُن جوهر المُشكلة الإسرائيلية، فالكيان لم يعد قادِراً على وضع قيودٍ ناظِمةٍ لقواعد ردعٍ جديدة، ولا فرض مُعادلات مُؤسّسة لقواعد اشتباك في المنطقة، وبالتالي لم يجد الكيان الصهيوني أمامه سوى التعايُش القَهْري مع انتصارات محور المقاومة، وبذات التوقيت محاولة توظيف هذا التعايُش في سياق خيارات استراتيجية جديدة، بُغية احتواء مفاعيل وتداعيات انتصارات محور المقاومة، خاصة وأن الانتصار السوري قد هيَّأ الأرضية الاستراتيجية لقوَّة ردعٍ لا يُمكن لأيّ سيناريو إسرائيلي تفكيك مُعادلاتها. فالمعالِم التي كرَّسها انتصار سوريا وحلفائها أسقط كافة الرِهانات، لا سيما المُراهنات على الوكلاء.

هذا الأمر أجبر الأُصلاء على الدخول مباشرة على خط الصراع. ونتيجة لذلك فإن سيناريوهات المواجهة تنطلق من بُعدين لكن وفق منظور استراتيجي، فإما الدخول بمواجهاتٍ عسكريةٍ شاملةٍ تُدرِك إسرائيل أنها تُشكِّل خطراً على بنيوية الكيان، وإما تجنّب المواجهة حِرصاً على عُمقها الاستراتيجي، وكل من الخيارين لن يُحقِّق لها قوّة ردع في مواجهة محور المقاومة.

ضمن السيناريوهات المُتعدِّدة والتي تنطلق من أبعادٍ استراتيجية، الواضح أن إسرائيل لا تريد الحرب بقدر ما تسعى جاهِدة إلى إعادة ترميم صورتها الردعية في المنطقة، وإعادة فرض قواعد اشتباك جديدة، وتفعيل منظومات دفاعية اقليمية تعتمد على المسار السياسي وتفاهُماته الضامِنة، لتهدئة المُحيط الإقليمي بالكيان الإسرائيلي.

هذا الموقف يتطابق جُملة وتفصيلاً مع الموقف الأميركي، فالمنطق العسكري الذي فُرِض عبر الميدان السوري وتجاذُباته، قد أسَّس اقليمياً  لمشاهد كارثية لمحور واشنطن.

وبالتالي من المنطقي أن واشنطن لا ترغب بحربٍ في هذا التوقيت السياسي، كما أنها ورغم تصريحاتها ذات الأسقف المُرتفِعة سياسياً وعسكرياً، إنما تحاول الدخول في منظومة التسويات، وهَنْدَسة واقع حيثيّاته افتراضية، لأن العقل الاستخباراتي لواشنطن يُدرِك بأن حجم الخبراتومُراكمة الانتصارات لمحور المقاومة، قد وصل إلى مستوياتٍ استراتيجيةٍ لا يُمكن تعديلها او تغيير مسارها.

وعليه فإن أية حرب بين الكيان الإسرائيلي ومحور المقاومة في أية بقعة جغرافية تمتد من طهران إلى بغداد مروراً بدمشق وصولاً إلى حزب الله، ستمتد حُكماً إلى باقي مناطق الإقليم، وستغدو القواعد الأميركية في مرمى صواريخ المقاومة عالية الدقَّة كارثيّة التدمير.

هذا ما ترجمه وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في اتصاله مع رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري، عقب قيام إسرائيل بالعَبَث في حال الهدوء والاستقرار التي جاءت عبر قواعد اشتباك فرضها حزب الله، داعياً إلى عدم التصعيد.

وهنا لا بد من الإضاءة على جُزئيّةٍ تأتي في سياق الهواجِس من اندلاع حربٍ كارثيةٍ في المنطقة. روسيا وما أسَّسته من مُنجزاتٍ بأبعادٍ إقليميةٍ ودوليةٍ وعبر البوابة السورية، لا تُريد بَعْثَرة هذه المُنجزات ووضعها في سياق المساومة أو التفضيل، خاصة وأن أية حرب في المنطقة ستكون سبباً في ضعضعة كل التحالفات، وروسيا ذات الحضور السياسي والعسكري في سوريا ليس في صالحها أو صالح شركائها الاقتصاديين في الصين وأوروبا، قيام أية حرب تُطيح بالعناوين العريضة لكافة المشاهِد السياسية والعسكرية والاقتصادية، في سوريا وباقي الإقليم.

في جانبٍ موازٍ، فإنه من الواضح أن انتصارات الجيش السوري في ريفيّ حماه الشمالي وإدلب الجنوبي تُزعِج الكيان الإسرائيلي، لكن إسرائيل تعمل لصالحها ووفق استراتيجيتها، ولا تُقدِّم خدمات لتركيا في سوريا، أو للسعودية في لبنان، أو تقوم بربط سياستها بأية مُستجدات تفرضها تطوّرات المنطقة، خاصة مُستجدات الشأن السوري وتداعياته على تركيا. كما أن دولة الكيان لا تُقيم اعتباراً أو وَزناً لزيارة رئيس الوزراء اللبناني إلى الولايات المتحدة.

كل هذا السياق السياسي والعسكري لا يعني الاحتلال الإسرائيلي بالمعنى الظرفي، بل يعمل على تأسيس قاعدة بيانات يُمكن من خلالها بناء استراتيجية دفاعية في إطارٍ هجومي، وبالتالي لا علاقة بين الاستهدافات الإسرائيلية لدمشق والضاحية الجنوبية بتحرير ريف حماه الشمالي، والوصول إلى ريف إدلب الجنوبي. وما بينهما من مُنجزاتٍ استراتيجيةٍ ذات مفاعيل وتداعيات إقليمية، تُعزِّز من حضور قوى المقاومة على امتداد ساحات الصِراع، عطفاً على قلق وهواجِس النظام التركي، أو زيارة الحريري إلى واشنطن، أو حتى حسابات داخلية تتعلَّق بالانتخابات الإسرائيلية المُقبلة.

الواضح أن الاستهدافات الإسرائيلية في سوريا ولبنان والعراق تأتي ضمن إطارين:

الأول- صِراع المحاور، حيث تحاول إسرائيل إحداث تغيير جوهري في سياسة المواجهة مع محور المقاومة، خاصة وأن تراكُم المُنجزات العسكرية التي حقَّقها محور المقاومة ككل، تُشكِّل عامِل ضغطٍ على الكيان الإسرائيلي، الأمر الذي من المُمكن أن تترجمه الاستهدافات المُتكرِّرة بُغية دَفْع واشنطن إلى تكثيف ضغوطها السياسية والعسكرية على سوريا وإيران والعراق.

الثاني- استراتيجية التصعيد التكتيكي بُغية إعادة خَلْط الأوراق التي أنجزها محور المقاومة ككل، وإجبار دوله على الردّ بعد عمليات استفزاز مُتعمَّدة. لكن في مقابل ذلك، فإن محور المقاومة أذكى من الانجرار إلى التوقيت الإسرائيلي، وجاء ردّ المقاومة وفق توقيته ورؤيته ومحدداته لطبيعة وظروف المرحلة، والذي تفرضه طبيعة المرحلة السياسية والعسكرية في المنطقة.

الكثير من التساؤلات قد لا نجد لها إجابات في الوقت الراهِن، فالصمت الاستراتيجي الذي يُتقنه محور المقاومة ككل، خاصة حزب الله، ستكون له تداعيات كثيرة على مَن وصفهم سماحته، بـ “أوْهَن من بيت العنكبوت”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى