كلمتنا

تجزئة الحق الفلسطيني ودوره في غياب المشروع الوطني

الدكتور محمد البحيصي رئيس جمعية الصداقة الفلسطينية الإيرانية

الصّراع مع العدو الصهيوني مفتوح على كل شيء، فهو صراع على التاريخ والجغرافيا والذاكرة وصراع على الأرض، والإنسان والهواء والماء، صراع وجودي بكل ما تعنيه الكلمة وظّف له أعداؤنا كل إمكاناتهم، وكلّ قوتهم وحتى كل ضعفنا وخلافاتنا ونجح في زرع بذرته السرطانية في أرضنا، هذه البذرة التي سممت حياة المنطقة، والتب لضمان بقائها كان لابد من تفتيت محيطها إلى كيانات عاجزة واهنة متعارضة تتحرك في دائرة الارتهان لسدنة المشروع المعادي، وتستمد وجودها وبقائها هي الأخرى من رضا هذا المشروع عنها…

عقود مرت على أمتنا وهي تعيش حالة الارتهان، وفي كل مرة حاول البعض الإفلات من هذه الظاهرة كان الغرب وربيبته الصهيونية يبادرون للقضاء عليه…

وظلت فلسطين أرضاً وإنساناً المتأثر الاكبر لهذه الحالة اليائسة، ودفع الفلسطيني ثمن كل خيبات الأمة من بدايات القرن الماضي وحتى اليوم.

ومن هنا ندرك حجم البطولة والثبات التي أبداهما الشعب الفلسطيني حين استعصى على الذوبان، وعلى الانكسار أمام كل الظروف التي واجهها.

إنّ أخطر ما يواجهه الفلسطيني اليوم هو الفلسطيني نفسه، وهنا لا أقلل أبداً من خطورة العدو، ولكنني أميل إلى المدرسة التي تشير إلى العدو الداخلي، إذ أن أخطر ما يهدد البيت هو انقسامه وتناقض أفراده وتجزئة مشروعه الوطني، والفلسطيني الذي أعنيه هنا هو ذلك الذي انخدع مرتين.. مرة بوهم إمكانية التعايش مع العدو الصهيوني على ذات الأرض الفلسطينية التي تأبى التجزئة والانقسام، ومرة أخرى بوهم أن تتبنى الولايات المتحدة الأمريكية موقفاً يتعارض مع الرؤية والمصلحة الصهيونية هذا الفريق الفلسطيني وعلى قاعدة القناعة بهذا التوجه والإصرار عليه  ولو على سبيل الاضطرار هو أخطر ما يهدد القضية الفلسطينية راهناً ومستقبلاً…

ومما يُؤسَف له أن ثقافة التجزئة التي آمن بها هذا الفريق وأعني تجزئة القضية أرضاً وإنساناً حيث الأرض الفلسطينية لم تعد فلسطين كلها بل(20%) منها وأقل، وحيث الإنسان الفلسطيني صار منقسماً بين الداخل والخارج، والداخل بين غزة والضفة والقدس وال48…

أقول مما يؤسف له أن هذه الثقافة باتت رؤية تتبناها قوى وشرائح وفئات فلسطينية غير تلك  التي انخرطت مباشرة فيها، وهؤلاء كلهم باتوا يتحدثون بلغة متقاربة ظناً منهم أن هذا يمثل خطاب الواقعية والممكن، وصار هؤلاء أسرى لهذا النهج الخاطئ… ودائماً كانت فلسطين والفلسطيني هما الضحية ونجح العدو في استغلال هذا النهج التجزيئي للقضية، فصار يهدم ويقتل وبتعسف في القدس دون أن تنفعل الضفة، و يشن الحروب ويرتكب المجازر في غزة دون أن تعبأ أو تتحرك الضفة وهكذا يتعرض اللاجئون الفلسطينيون في دول اللجوء لأسوء الظروف الحياتية ومصادرة الحقوق المدنية كما في لبنان دون أن يكترث الداخل، ويهدم الإرهابيون مخيمات سوريا وكأنّ شيئاً لم يكن، وفي ظل سياسة التجزئة والانقسام المدمر يغيب دور المؤسسات المرجعية عن الشعب الفلسطيني، فلا وجود لمنظمة التحرير، ودور السلطة مغيب لدرجة باتت معها بلا سلطة… وهكذا بات غياب المشروع الوطني سمة هذه المرحلة وعلى الرغم من كل ما سبق فإنّ الفلسطيني لا يزال صامداً قابضاً على جمر قضيته، ويحاول بشكل فردي، ومن خلال حراك مسيرات العودة، والإعداد للمواجهات القادمة أنّ يفتح أبواب ساحات الاشتباك مع العدو التي أوصدها أوسلو والتي يبدأ خلاص شعبنا بالخلاص منها وإلى الأبد، ومراجعة الجميع للنهج الذي قاد شعبنا طيلة هذه العقود، وأوصله إلى هذه الحالة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى