الأخبار البارزةمقالات وآراء

لا حاجة إلى صفقة شاملة مع إيران.

أودي إفنطال – عقيد (احتياط) وباحث زميل كبير في معهد السياسات والاستراتيجيا في المركز المتعدد المجالات في هرتسليا هآرتس 30/7/2019 يجدر بصناع القرار في إسرائيل التحرر من الوهم بأن إدارة ترامب قادرة على فرض “صفقة شاملة” مع إيران، توفر حلولاً للتهديد النووي الإيراني وللتحديات الإقليمية الأُخرى التي تشكلها. فمثل هذه الصفقة ليس خياراً واقعياً والسياسة التي تتشبث بهذه الأهداف القصوى تُبعد إسرائيل عن تحقيق هدفها الأساسي ـ كبح المشروع النووي الإيراني. ثمة أهمية خاصة الآن للموقف الإسرائيلي، في ضوء ما يبدو أنه جدل بين الرئيس ترامب ومستشاريه. فبينما يعود الرئيس إلى التركيز على تصريحاته بشأن ضرورة منع إيران من امتلاك “سلاح نووي”، يوضح مستشاره لشؤون الأمن القومي جون بولتون أن الضغط على إيران سيُكثَّف باستمرار إلى أن تتخلى عن سياسات العنف والإرهاب. وقد عاد وزير الخارجية، مايك بومبيو مؤخراً، إلى الحديث عن حرمان إيران من حقها في تخصيب اليورانيوم، في أي مستوى كان. والنقاش في داخل الإدارة الأميركية ينعكس على خارجها أيضاً. فقد دعا دينيس روس، الذي عمل مستشاراً للرئيس السابق باراك أوباما، مؤخراً، إلى الاكتفاء بصفقة ضيقة، محدودة، تتمحور حول تمديد البنود الخاصة بصلاحية الاتفاق النووي، وقال إن “الصفقة الشاملة” غير ممكنة. في مؤتمر هرتسليا الأخير، أشرفت نخبة من كبار المسؤولين في معاهد أبحاث في واشنطن وفي إدارات أميركية سابقة أدّت دور الطرف الأميركي على إدارة “لعبة حرب” فيها محاكاة لمفاوضات مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، بينما أدى خبراء إسرائيليون دور نظرائهم الإيرانيين. توضح النتائج المستخلصة من هذه “اللعبة” أن الإصرار على التوصل إلى اتفاقية واسعة، تعالج الجوانب الإقليمية وكذلك مسألة الصواريخ، هو بمثابة “من طمع في الكل فاته الكل”، وقد يؤدي إلى توسيع المشروع النووي الإيراني حصراً، وهذا هو التهديد المركزي الأكبر على إسرائيل. كان تقدير المشاركين في اللعبة أن الرئيس ترامب قد يكتفي بتحسين الاتفاق النووي، بحيث يصبح “أفضل مما حققه أوباما”. في القضية الجوهرية الخاصة ببنود الـ “غروب”، ظهر خلاف جدي حقاً، حين أبدت “إيران” استعداداً لتمديد صلاحية الاتفاق في مجال التخصيب بضع سنوات أُخرى، بينما طالبت “الولايات المتحدة” بالتمديد مدة 50 سنة. لكن كلا الجانبين لم يرفض، رفضاً قطعياً، أفكاراً أُخرى مثل عقد اتفاق من دون بنود الـ”غروب”، يتجدد ويتم تمديده كل بضع سنوات، ويتيح لكل من الطرفين الانسحاب منه بعد سنة من إنذار الطرف الآخر. وعلى الرغم من الفرص الكامنة التي بدت خلال “اللعبة”، إلّا إن ثمة سيرورات محددة أفضت إلى انهيار المحادثات، ويبدو أن هذا ما قد يحدث في العالم الحقيقي أيضاً. كانت تقديرات كل من الولايات المتحدة وإيران أن الوقت يعمل لمصلحته. كانت إيران تعتقد أن الولايات المتحدة تخطئ في تقدير طول النفس الذي يتمتع به نظامها، وفي قدرته على مواجهة العقوبات. وترى إيران أنه كلما مر وقت أطول، كلما استجمعت قدراً أكبر من الأوراق للمفاوضات وأن في استطاعتها زعزعة سوق النفط، بينما يبدي الرئيس ترامب تلهفاً لاستئناف المفاوضات، ويخشى من اندلاع حرب تعود عليه بالضرر في حملته الانتخابية المقبلة. وفي صوة معكوسة، كان تقدير الولايات المتحدة أن الضغط على النظام الإيراني آخذ في الازدياد وأن هذا الضغط كفيل بردعه ولجمه في المنطقة. وجد الطرفان في اللعبة صعوبة في التفاوض تحت الضغط. في الرد على الإجراءات الإيرانية في الخليج، تبنى الطاقم الأميركي توجهاً عدائياً، خلال المفاوضات أيضاً. في المقابل، اتخذ الإيرانيون خطوات ميدانية لزعزعة الثقة الأميركية. وقد جسدت “اللعبة” حقيقة أن القدرة على ترجمة خطوات تعتمد على القوة (العسكرية) إلى أوراق تفاوضية هي قدرة محدودة، بل قد تفضي إلى نتائج عكسية. برزت الفجوة بين تفضيل إيران محورة المفاوضات حول المسألة النووية وبين إصرار الولايات المتحدة على التوصل إلى اتفاقية شاملة. قرر الطاقم الإيراني أنه إذا ما تم فرض المفاوضات الشاملة على إيران، فستبدي استعداداً للتقليل من العنف، بغية صد مطالبتها بتقديم تنازلات في المجال النووي، إلّا إنها لن تقدم أي تنازل بشأن وجودها في الشرق الأوسط. وكانت الأطراف القوية في النظام الإيراني موحدة في تصميمها على موقفها ضد المطالب التي مثلت، في نظرها، إهانة قومية، بينما ظهر ترامب، في المقابل، أنه “ورقة مجنونة” قد يقفز على أية فرصة للتسوية، حتى لو اضطر إلى فرضها عنوة على كبار المسؤولين في إدارته. جسدت هذه “اللعبة”، في خلاصتها النهائية، حقيقة أن فرص التقدم في أية مفاوضات مستقبلية بين إيران والولايات المتحدة منوطة، إلى حد كبير، بقدرتهما على محورتها حول موضوع المشروع النووي وعزلها عن التصريحات والإشارات العدوانية في القضايا الإقليمية. ثمة احتمال للتوصل إلى اتفاق نووي معدَّل، على الرغم من أنه ليس احتمالاً كبيراً. أمّا احتمال التوصل إلى اتفاقية شاملة فهو احتمال مآله إلى الصفر. وسيبدو في إيران بمثابة ستار لتغيير النظام وسيكون من الصعب، أصلاً، تطبيق مكوّناته الإقليمية. لن يكون من السهل على إسرائيل والولايات المتحدة التخلي عن السياسة غير الواقعية الرامية إلى تحقيق الحد الأقصى من المكاسب. أحد الادعاءات المركزية التي يستخدمها رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، في موقفه الهجومي ضد الاتفاق النووي هو أن هذا الاتفاق لا يعالج مسألة التحدي الإقليمي الذي تشكله إيران، ويتيح ضخ موارد كبيرة إلى تنظيماتها الإرهابية. يبدو اليوم أن إسرائيل والولايات المتحدة أصبحتا “محصنتين” في هذا الموقف، إلى درجة جعله أيديولوجيا تقريباً. لا تزال إسرائيل قادرة على جني الفائدة والربح من تفاهمات ضيقة تتمحور حول تعديل الاتفاق النووي، شريطة أن تعالج أيضاً الخلل المركزي فيه، أي تاريخ انتهاء الصلاحية. تستطيع إسرائيل مواجهة التحديات الإقليمية والصاروخية التي تشكلها إيران مثلما فعلت وتفعل في سورية بنجاح. وليس من نافل القول التذكير بأن إسرائيل والولايات المتحدة كانتا قد عارضتا، قبل الاتفاق النووي، مطلب إيران بشأن التوصل إلى “صفقة شاملة”، خوفاً من أن إيران تريد “ربح الوقت” لتوسيع مشروعها النووي، خلال فترة المفاوضات. تفعل إسرائيل حسناً إن هي عادت إلى هذه السياسة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى