مقالات وآراء

معركة الكرامة.. صفحة عز…. وملحمة فداء انعطافه نوعية في تاريخ الصراع العربي _ الصهيوني

خاص -موسى مراغة

بعد حرب حزيران عام 1967، والتي أدت في نتائجها إلى نكسة أصابت الأمة في كيانها وفي جيوشها، والتي أدت أيضاً إلى احتلال ما تبقى من أرض فلسطين… وقتها كانت المؤسسة العسكرية الصهيونية تعيش أقصى درجات العنجهية.

وكان الجندي الصهيوني يرى في نفسه الجندي الخارق الذي لا يهزم، وخاصة أن تلك الحرب لم تكلفه شيئا من الخسائر، بل أنه لم يشاهد سوى فلول الجيوش العربية وهي تهزم وتولي الأدبار وفي الحادي والعشرين من شهر آذار عام 1968، قرر الجيش الصهيوني اجتياح منطقة الأغوار الأردنية، ومهاجمة مواقع الفدائيين الفلسطينيين والقضاء عليها في مهدها، في تلك الفترة بدأت طلائع من أبناء الشعب الفلسطيني وثواره المقاتلين تشكل وتبني القواعد العسكرية في تلك المنطقة القريبة والمحاذية للأراضي الفلسطينية، وبدأت المجموعات الفدائية تقطع النهر الفاصل بين الضفتين، وتقوم بعمليات فدائية جرئية أنزلت بالعدو وجنوده خسائر كبيرة، إضافة إلى عمليات القصف الصاروخي التي كانت تدك المستوطنات والمعسكرات والتجمعات الصهيونية وكان هذا التواجد الفدائي يحظى بدعم ومساندة من القيادة الوطنية في الجيش الأردني، ومن العديد من جنوده وضباطه، ولطالما قُدمت المساعدات لدوريات الفدائية المتجهة صوب فلسطين، وكان هناك شبه تنسيق غير معلن بين جنود الجيش الأردني والفدائيين في معركتهم الواحدة.

لقد حشد العدو الصهيوني لتلك المعركة، ثلاثة ألوية مدرعة، ونحو أثني عشرة الف من الجنود المشاة، انطلقت هذه الأرتال باتجاه الشونة الشمالية قرب جسر المندسة وجسر الملك حسين في الوسط والجنوب، وأنزل جنوده المظليين على الجبال الواقعة شرقي منطقة الأغوار والمحيطة بالمنطقة، فيما كانت الطائرات الحربية المقاتلة لا تتوقف طيلة الوقت عن قصف مواقع الفدائيين في المنطقة، وتشكل غطاءاً لتقدم القوات على الأرض.

أمام هذا الهجوم الشرس جواً وبراً من قبل الجيش الصهيوني، خاض مقاتلوا الثورة الفلسطينية من أبناء حركة فتح وبعض الفصائل الفلسطينية، والى جانبهم الشرفاء والأحرار من جنود وضباط الجيش الأردني، وجسدوا بصمودهم وإرادتهم وفدائهم أروع صوّر الانتصار، واستطاعوا مواجهة وهزيمة جحافل القوات الصهيونية التي كانت تفوقهم عدداً وعدة وكبدوها خسائر فادحة في الجنود والآليات.

وبعد انجلاء غبار المعركة والتي تكشفت عن هزيمة للجيش الصهيوني في مهمته بعد أن تكبد _ 250 قتيل و 450 جريحاً، وتدمير 88 آلية عسكرية، في حين استشهد 88 فدائياً وجرح 110 منهم.

وكما أستشهد عدد من جنود وضباط الجيش الأردني، الذي أبلوا بلاءاً حسناً في المعركة، وقد كانت هذه الموقعة فرصة لقادة وجنود الجيش الأردني لإعادة الاعتبار للشرف العسكري الذي أهين في حرب حزيران عام 1967، لأنهم شعروا حينها بمرارة الهزيمة التي وقعت، واستشعروا حجم الأهانة التي لحقت بهم، فجاءت هذه المعركة فرصة سائحة لرد الهيبة العسكرية لهم.

بهذه الروحية استطاعت قوات الثورة الفلسطينية مع الجيش الأردني من تحقيق انتصار عسكري كامل ومدوي سمع صداه بين صفوف الجماهير العربية من محيطها إلى خليجها، تبعه انتصار سياسي تأكد بوجوب انتهاج المقاومة والكفاح المسلح طريقاً وأسلوبا لمواجهة العدو الصهيوني وعلى المستوى الشعبي برزت المقاومة كقوة استقطاب جماهيرية كبيرة، حيث تقاطرت جموع كبيرة من أبناء الشعب الفلسطيني، وأبناء الشعب العربي وعدد من الأحرار والمناصرين من دول العالم، للانخراط في قوات الثورة الفلسطينية، وخرجت المظاهرات العارمة في معظم الأقطار العربية دعماً وتأييداً للمقاومة، وشهدت ساحة أمانة العاصمة عمان معرضاً لبعض الآليات والدبابات الصهيونية التي خلفّها جيش الاحتلال في أرض المعركة، وخلقت تلك الأجواء فرصة للثورة الفلسطينية لتجديد انطلاقها الأولى والتي كانت في الفاتح من كانون الثاني من عام 1965.

لقد شكلت معركة الكرامة ملحمة فداء، وانعطافة نوعية في تاريخ الصراع العربي الصهيوني، ولقد كان قرار المواجهة، قراراً شجاعاً وحكيماً ليؤكد على أن الجماهير والقوى الحية في الأمة إذا ما امتلكت زمام المبادرة، وتسلحت بالإرادة، وحملت السلاح، ستكون قادرة على تغيير موازين القوى، وتحقيق الانتصار، وقادرة على قلب المفاهيم التي سادت طويلاً على أن الجيش الصهيوني قوة لا تقُهر ولقد تأكد بعد تلك المعركة أن حاجز الرعب الذي سعت إليه المؤسسة العسكرية الصهيونية المتسلحة بترسانتها المتفوقة وبالتكنولوجيا والعتاد العسكري المتطور، ذلك الحاجز سقط عند أقدام ثلة من الفدائيين المقاتلين المؤمنين بحتمية النصر، لامتلاكهم منطق الحق، مدعوماُ بالإرادة والشجاعة واليقين والإيمان بالانتصار.

ونحن اليوم حين نستذكر معركة الكرامة، وبعد كل تلك السنوات الطويلة، وعلى مدى الأحداث التي مرت بها قضية الشعب الفلسطيني، تقول … أ، لأخبار إمام شعبنا وامتنا الأخيار المقاومة والمواجهة والكفاح المسلح، أن صراعنا مع عدونا الغاشم هو صراع وجود، وليس صراع حدود، وكما تستدعي تلك الذكرى، الخروج من أوهام اللهاث وراء سراب التعايش مع ذلك المغتصب، والخروج من أوهام التسويات المذلة، الرهان على خطط ومشاريع وحلول لسلام مزعوم، أن عدونا يثبت كل يوم أنه عدو فاشي عنصري إجلائي إحلالي، يقتل ويذبح ويعتقل ويشرد لأن هذه طبيعية وهذا مشروعه، وعلى ذلك قام وتأسس، وخائب من يتصور عكس ما ذُكر.

أن مجمل الانتصارات التي تحققت في تاريخ النضال الفلسطيني ومنها معركة الكرامة، وكل الشهداء الذين رووا بدمائهم الزكية الأرض الطيبة، وضحوا بحياتهم من أجل أن تبقى شعلة الثورة متقدة. كل ذلك يدفعنا جميعاً للتمسك بالراية مرفوعة خفاقة، وبالبندقية المشرعة في وجه العدو، متيقنين وعازمين على مواصلة الدرب، درب الشهداء، حتى تحقيق التحرير والنصر، رغم التضحيات الجسام التي ستورق يومياً وتزهر نصراً يعم فلسطين.. كل فلسطين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى