كلمتنا

العامل الغيبي في الثورة الإسلامية في إيران

بقلم :د.محمد البحيصي رئيس جمعية الصداقة الفلسطينية الإيرانية

بداية لا يمكن تفسير كل ما حدث في الثورة الإسلامية بالإمداد الغيبي فهذا على خلاف ما جرت عليه سنن الله في الكون، وفي المقابل فإنّ إنكار هذا العامل يتعارض مع حقيقة الإيمان بالغيب، وأنّ الله سبحانه وعد المؤمنين بالنصر المشروط { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} محمد7، وأنّ الله أراد من المؤمنين أن لا يهنوا ولا يحزنوا وقال لهم :{ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ} آل عمران139، ولفت أنظارهم إلى عدم السقوط حين التعرّض للأذى وللقرح، ذلك أنّ عدوّهم هو أيضاً يتعرّض لذلك ويألم كما تألّمون، لكن الفرق أنّ المؤمنين يرجون من الله ما لا يرجوه أعداؤهم..

ومع هذا فإنّ الألطاف الإلهية الخفية لم تكن أبداً غائبة بل حاضرة بقوة في وعي وإدراك ومسيرة الإمام الخميني (رضوان الله عليه) بحيث حفظت حياته في مواقع الخطر، وحفظت الثورة من أعدائها الكثر، ومن يتفكّر في سيرة الإمام ومسيرة الثورة ومن ثم الجمهورية لا يجد عناءً في العثور على هذه الحقيقة، ولعلّ هذا الاعتقاد هو أحد أهم ما تميّز به الإمام عن سائر علماء عصره وغير عصره، وما تميّزت به الثورة عن سائر الحركات الإسلامية لقرون خلت، فقد استطاع الإمام الموازنة بين الواقعين الغيبي والمادي، وبهذا المعنى كان يتحدّث عن الانتظام والإعداد والتضحية والثبات في الساحات في ذات الوقت الذي كان يمارس دوره كفقيه وكمرجع مجتهد وعارف في ربط ووصل الناس بالله من خلال تثقيفهم على أنّ كل شيء إنما هو من الله فهو سبحانه من له وحده الخلق والأمر، وأنّ دورنا هو القيام بالواجب والتكليف وتنفيذ الإرادة الإلهية وصولاً إلى الأهداف والتي هي الأخرى بيد الله وحده..

وهذا الاعتقاد الحق والتوجيه السّديد يقول لنا بأنّ الطاقة الروحية التي يختزنها القرآن الكريم والسنّة الشريفة ضرورية ولازمة لكل حركات الصراع والمواجهة مع الطواغيت ومع برامج التغيير السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والعلمي، لاسيّما عندما لا يكون هناك توازن بين المستضعفين والمستكبرين والحال كذلك..

وهنا ينبغي التأكيد على نقطة مهمّة وهي أنّ اعتبار الأشياء المادية (الأسباب) هي الأساس في كل شيء هي نظرة خاطئة على المستويين الواقعي والإيماني، كما أنّ اعتبار الغيب هو السبب المباشر لكل شيء بحيث يجعلنا نغفل ونستغني عن دراسة الواقع والتخطيط والأخذ بالأسباب نظرة خاطئة أيضاً، والصحيح هو أن نزاوج بين انفتاحنا على السنن التي أودعها الله في الكون وفي حركة الإنسان { فَأَتْبَعَ سَبَبًا} الكهف85، وبين الفيوضات الإلهية التي تمثّل الإمداد الغيبي في ساعات العسر أو المواجهة.

ولقد استطاع الإمام توظيف هذين العاملين أفضل توظيف، مع ملاحظة تركيزه على الجانب الرّوحي لحاجة السّاحة الإسلامية لهذا العنصر الذي سعى الاستكبار وأدواته المحليّة لتغييبه لاستدخال الهزيمة واليأس في نفوس شعوب هذه البلاد، وساعدهم في هذا بعض المثقفين المتغرّبين المنسلخين عن أوطانهم والساقطين أمام أفكار الغرب المادية، فكانت دعوة الإمام لتقوية الجانب الإيماني الروحاني في الثقة بالله واللجوء إليه حتى يستطيع الناس أن يتماسكوا ويثبتوا ويدحروا كل تلك الثقافة التي ركّزت على الجانب المادي واستبعدت الحضور الإلهي.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى