مقالات وآراء

التطبيع مع العدو خيانة للأمة العربية وفلسطين

خاص – محمود فنون رام الله

بداية، يجب تحديد وتحليل مفهوم الخيانة الوطنية وذلك بعد أن هدفت ممارسات شخصيات عامة وقيادية وشخصيات ذوي ماضي نضالي ومريدين للقيادات من مثقفي الدولار إلى تحييد هذا المفهوم وتلطيخه ليخفي السلوك الخياني للخونة. واعتبارها مجرد وجهة نظر.

فالخيانة هي انتقال إلى صف العدو بالقول والعمل من أجل خدمة أهدافه العدوانية ومساعدته في تحقيقها بما فيها إفشال الإهداف الوطنية وضرب القائمين عليها بالوشات والإغتيالات والتخريب  المادي وتخريب الوعي والثقافة الوطنية التحررية ومهاجمة الأهداف الوطنية وتبخيسها بما يخدم توجهات العدو ومصالحه .

هي إذن اصطفافات: فإما في صف الوطن والثورة أو الخيانة بالإنتقال إلى صف العدو وخدمة أهدافه،  ووفق الوظيفة التي يحددها العدو أو بمبادرات تستهدف قبول العدو والتساوق معه .

وحكمت الشعوب على الخيانة الوطنية منذ قديم الزمان وحاسبت الخونة بكل أشكال المحاسبة .

إن تعريف الخيانة هو مقدمة مفتاحية ولا بد منها لتعريف التطبيع. فالتطبيع يندرج في الخيانة الوطنية ويستحق حكم الشعب على المطبيعين من كل شاكلة وطراز بوصفه خيانة. والتطبيع بكل أشكاله هو خيانة واصطفاف مع العدو .

وللخيانة جذور عميقة في التاريخ الفلسطيني: وأولها بيوعات الأراضي، والجواسيس. والتواطؤ مع المشروع الصهيوني من قبل الدولة العثمانية ابتداء، ومن ثم من قبل القيادات التقليدية التي تفاهمت مع الإحتلال البريطاني لفلسطين وطالبت حكومة الإحتلال بالعدالة بين اليهود والعرب، بدلا من إعلان حاسم برفض التهويد ومقاومة الإحتلال البريطاني بهدف طرده وإفشال مشروع التهويد .

وكان تشكيل كتائب السلام في ثلاثينات القرن الماضي أبرز تعبير عن الخيانة المنظمة للثورة الفلسطينية وأهدافها وفي نفس الوقت تصدرت هذه القيادات التقليدية ثورة 1936 -1939 م من أجل إفشالها وليس من أجل تحقيق أهدافها الوطنية .

والوضع تكرر في الثورة المعاصرة التي انتهت إلى الفشل على يد قيادتها المتنفذة، حيث بدأت بالتساوق مع مشروع تهويد فلسطين بأشكال شتى. وكان أبرز تعبيرات هذا التساوق هو طرح برنامج الدولة على 22% من فلسطين التاريخية والذي كان يعني وبالتحديد التسليم بباقي فلسطين للعدو دون ثمن وحتى دون مساومات وفقط بالتعبير عن حسن النية .

وقد غطت هذه القادة هوانها بتاريخ الفدائي وسوقت موقفها فلسطينيا شعبيا ورسميا ودافعت عنه من خلال أدواتها المختلفة  على انه الخير العميم .

لقد كانت القيادة المتنفذه هي أول معبر رسمي وعلني عن الإعتراف يإسرائيل في 78% من الوطن الفلسطيني منذ عام 1973 و 1974م . وهي بهذا فتحت الباب للعرابين والمأجورين.

ومعهم السادات والنظام العربي  ثم تدحرجت كرة الثلج، وأخذت السدود في الإنهيار وأصبحت موجة التطبيع والإعتراف بإسرائيل هي السائدة .

وهذا شمل  منظمة التحرير بما تمثله ومعظم فصائلها ومريديها ومثقفيها  وبتشجيع من “البترودولار” الذي تعهد بمواصلة الإنحراف والإنتقال إلى الصف الآحر. وكان البساط الأحمر هو المستهدف وليس التحرير ولا النضال من أجل التحرير .

من هنا بدأ طابور  مثقفي الدولار والسلطان رحلتهم القذرة وسباقهم المحموم. وبهذا كانت الضربة الأساسية موجهة للوعي والثقافة التحرريتين. وطالت الشعارات والمواقف ورؤية المستقبل بعيون اليهود وتهويد فلسطين؟

لقد برع المتطوعون في ابتداع طرائق ووسائل تزييف الوعي عمدا خدمة لمشروع الاحتلال. وتعاون على تجنيدهم العدو من كل شاكلة وطراز: العدو الصهيوني والرجعية العربية والعرابون الأجانب وأمريكا وبقيادة وتوجيه أمريكي .

سعت  أمريكا بقوة بعد القضاء على الناصرية  وبعد أيلول الأسود وطرد الثورة الفلسطينية من الأردن لتطويع المنطقة العربية وتحويلها إلى مستنقع لها، وكانت حقبة النفط والحقبة السعودية والسادات عوامل مساعدة أتت أكلها تماما .ولكن هذا كله ما كان ليتم لولا تواطؤ القيادة الفلسطينية المتنفذة  وانقلابها على الموقف الوطني واستحسانها للسير في مستنقعات التسوية .

القيادة الفلسطينية هي التي شقت طريق الإعتراف بإسرائيل فلسطينيا  والتطبيع معها  مقابل “العفارم” وتحت عنوان قبولها كقيادة معتدلة .وهذا شجع الكثير من العرابين الفلسطينيين من حضن أمريكا لطرح نظرياتهم وتفضيلاتهم وما سمي بقبول حال المرحلة التي كانت ترفضها الثورة: أساتذة جامعات ( إدوارد سعيد ) واقتصاديين وكتاب وصحفيين أغلبهم من خارج التجمعات الفلسطينية الأساسية ثم لحقهم منظرو الدولتين لشعبين ومنظرو الدولة الواحدة وكرت المسبحة .

من المناسب التذكير مرة أخرى أن إسرائيل هي “الدولة” الوحيدة التي تسعى للحصول على اعتراف الأفراد والجمعيات والنقابات والأحزاب بالإضافة إلى الدول. وتسعى لتجنيد مريدين لها من كل شاكلة وطراز وأشدهم خطرا هم من الكتاب والصحفيين والشخصيات وأساتذة الجامعات النافذة في المجتمع . وهؤلاء شكلوا لها بوقا مدويا في أوساط الوعي والثقافة والمفاهيم والرؤى الفلسطينية وبنجاح كبير، وتصرفوا وكأنهم مبدعين ومفهماتية وشراح ولكن ليس في أوساط العدو بل في أوساطنا .

إن التطبيع خيانة وهو انتقال لصف العدو. والأشد سوءا أن التطبيع يسعى لقبول العدو ليس فقط كهيمنة وقوة كما حال الموقف من أمريكا مثلا. فقبول إسرائيل يعني قبول تهويد فلسطين وإزاحة الشعب الفلسطيني عن وطنه  والتجاوز عن حقوقه.

كان برنامج القيادة المتنفذة لـ م.ت.ف ذو النقاط العشر هو دقة إسفين في الرؤيا الوطنية الفلسطينية ثم نشط عصام سرطاوي وسعيد حمامي وأضرابهم في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات وتسلق عليهم إدوارد سعيد وأضرابه وكرايسكي رئيس وزراء النمسا ورئيس وزراء رومانيا وكل هؤلاء تحت عنوان السلام وهو في الحقيقة سلام لإسرائيل وليس للشعب الفلسطيني ، وقدمت أمريكا طعمها مرة ومرات إلى أن وصل الحال لأوسلو وترتيباته .وأوسلو هو ثمرة هجوم ( السلام) وهذا سقفه كما هو .وفي ظل أوسلو نمت وتكاثرت أعشاب ضارة كثيرة، وتحول كثيرون من الإصطفاف مع الوطن إلى الإصطفاف مع العدو. وقد نجح العدو في استقطاب الكثيرين وجوسستهم في أقبية التحقيق ونجح في استقطاب الكثير من اليائسين وجوعى الدولار والجاه، والكثير ممن ملأ الخوف قلوبهم والكثير من المجندين سرا وعلانية، وأخذو يشكلون جوقة وجوقات ويعجبون بكتاب وصحفيين صهاينة  مجندين لخدمة العدو، ويبدون شيئا من النقد ضد حكومتهم ويسربون أفكارا عن سلام وهمي، ويلتقطها المثقفون المكلفون ويتباهون بأنهم آبائها ويجهدوا لنشرها في الأوساط الفلسطينية .

وتتصدر اليوم فكرة “الدولة الواحدة” مشهد هؤلاء ويدافعون عنها ويروجونها في الأوساط الفلسطينية مع أن جوهرها لا يزيد عن إعطاء الشرعية على السنتهم لتهويد فلسطين .إن طرح جميع هؤلاء هو طرح مشبوه.

قلنا أن قاطرة التطبيع انطلقت فلسطينية أي القيادة الرسمية المتنفذة في المنظمة وخلافا لكل مواثيق وقرارات المنظمة التي اتخذت في وقت سابق. ثم تبعتها فئات أخرى من توابع الأنظمة الرجعية وعملائها إلى ان انكشف المشهد عن تسابق حكومات ودول عربية إلى الاعتراف بإسرائيل والارتماء في أحضانها على حساب العروبة وقضايا العروبة .لقد نجحت أمريكا وعملائها وعرابيها في المنطقة بجعل الوصول إلى قلبها يمر عبر الإعتراف بإسرائيل وخدمتها  والإعتراف بها واستغلت التمويل والسفريات والإمتيازات لكبار رجال منظمات الأنجزة وجعلت منهم مطايا لها ولإسرائيل .وتم تعميم هذا في كل أنحاء الوطن العربي. لذلك أخذنا نرى شعراء وكتاب وفنانين يتسابقون لزيارة الأرض المحتلة .إن كتاب ومنظمات وهيئات ضد التطبيع تحتاج إلى جهود كبيرة لمقاومة آفة التطبيع وسرطانها.

مقالات ذات صلة