الأخبار البارزةتقارير

الفارس يترجّل

عامان مرّا على آخرِ مرةٍ وطأت فيها قدمٌ منزلَ الحاجّةِ ريّا عبيد، والدة الأسير فارس بارود بعدَ رحيلها. المنزل الوحيد وسطَ شارعٍ يكتظ بمارّته في مخيم الشاطئ غربَ مدينة غزة، كانَ خاويًا منذ اُعتقلَ فارس، قبل 28 عامًا، إلّا من أنفاسِ الأمّ الوحيدة.

منذ اعتقاله بالعام 1991، لم تتوقف الأمّ عن الحلم بعودة ابنها، ليضمّها ويتقاسمان معًا فطور الصباح، ثمّ تُعدّ له غداءً شهيًا، تُتبعُه بكأسي شاي دافئين، لكنّ موتها قبل عامٍ وضع حدًا لهذه الأمنيات، لترحل الأمّ من دون ولدها.

في باحة المنزل غير المسقوفة، كانَت تتجهز شقيقة فارس الكبرى لاستقبال المُعزّين، فايزة التي كانت تتقاسم مع أمها الأملَ بعودة الابن المُعتقل، تضاعفَ اشتياقُها له بعد وفاة والدتها، ولا تزال تحاول استيعاب “كيفَ صرع الموتُ أملهما بالضربة القاضية”.

“كانَ الابن الغائب والمُحبب للخالة ريّا”، قالَ حرب بارود، الأخ غير الشقيق لفارس، مستذكراً لقاءهما الأخير بالعام 1986، الذي قضيا فيه شهرًا مترافقين، وكانت تلكَ آخر مرةٍ تجمعهما.

وتابع “اُعتقلَ فارس في الوقت الذي لم يكن فيه الاتصال الدولي متاحاً كاليوم، وكُنا نتبادل الخطابات مع العائلة، نسأل عنه بعدَ أن عرفنا أنه اعتقلَ فيخبروننا بأنه حُكمَ بالسجن المؤبد”، مضيفاً ” 100 عامٍ كانَ على فارس والخالة ريّا انتظار انقضائها كي يلتقيا!، لذا كانت تضع كل أملها بصفقات تبادل الأسرى”.

أم فارس بارود والتي عرفتها عائلات الأسرى من غزة؛ لحرصها الدائم على التواجد في كل اعتصامٍ مطالبٍ بحماية الأسرى، حُرمت من زيارة ابنها طيلة 18 سنةً متواصلة، حتى توفيت، وكانت تحاول تعويض رؤية ابنها بأن تُسمعه صوتها، فشاركت بلا انقطاعٍ في البرامج التي تبث رسائل أهالي الأسرى عبر الإذاعات المحلية، وكانت تخبر فارس بأنها تشتاق له، وأنها تدعو الله أن يكونَ معه.

في النصف الأخير من نوفمبر 2009، كانت أم فارس كعادتها أول الواصلات لاجتماعٍ ضم أهالي المعتقلين في مقر وزارة الأسرى بمدينة غزة، وكانَ وفدٌ من الفنانين السوريين بين الحضور، فتكلّمت أم فارس عن ابنها وأطالت الحديث حتى أسكتها أحد المنظمين للّقاء بصوتٍ عالٍ، وحِدةٍ جعلت الأمّ- التي كانت ترى بعينيها ذلك الوقت- تبكي وتغادر اللقاء.

رافقناها ذلك اليوم حتى منزلها البارد، كانَ الجو ماطرًا وأرض المنزلِ وبعض الأشجار على أطراف الحائط تسبحُ في ماء المطر، إلى جانب سريرها كانت تُجلس صورةٌ قديمة لفارس، أهدتها إياها جمعية (واعد) للأسرى.

“هيك يمّا بعاملوني؟!، بفكروا إنّي رح أزهق، همّ لو بس بيخلوني أرجع أشوفه، ببطّل أحكي كتير عنه، بس يخلّوني أزوره” قالت هذا أمّ فارس، ذاك اليوم، وبعدها أخذَنا حديثٌ طويل عن العائلة التي نتشارك في بعض أطرافها.

على مدار أربعِ سنوات من عمر عملي الصحفي في نقل معاناة الأسرى، كُنت أقابل أم فارس، فتحكي لي عن معاناة بعض عائلات المعتقلين، وعن الأسرى القُدامى، وتخبرني أنّها زارت أسرى أفرج الاحتلال عنهم بعدَ إتمامهم محكومياتهم، علّها تعرف أيّ أخبارٍ منهم عن ابنها.

في الأول من أكتوبر عام 2011 نقلَ صحفيون أخبارًا لأم فارس، بأن ابنها سيكون ضمن المُفرَج عنهم في صفقة شاليط. انتظرت أن يعود ابنها للمنزل، لكنّ هذا لم يتحقق، فلم يكُن فارس ضمن أسرى الصفقة، وقالت الأم في حينها “خيّبوني، ضليت استنا فارس بس ما دقّ باب الدار”.

عام 2013 تلقّت أم فارس صدمةً جديدة، فلم يطلق الاحتلال سراح ابنها، الذي يُعد من الأسرى القدامى، وهو ما ضاعف حزنها حتى فقدت بصرها.

فارس الذي استشهدَ البارحة 6 فبراير 2019، إثرَ إهمالٍ طبيّ متواصل، مارسته سلطات الاحتلال خلال سنوات اعتقاله، باتَ الشبه بين الأم ووالدته كبيرًا جدًا، إذ نحفَ الوجه وبرزت عظامُ الوجنتينِ، وشقّت التجاعيد طريقها على حافتيْ العينين وفي الجبين.

نادي الأسير الفلسطيني أكدّ أن فارس تعرضَ لإهمالٍ طبي متعمّد منذ اعتقاله في السجون “الإسرائيلية”، ناهيكَ عن عزله انفراديًا لسنواتٍ طويلة إمعانًا في تعذيبه وقهره.

الأسير المحرر مصعب تلاحمة، كتبَ في منشورٍ على صفحته في (فيسبوك) إنّ فارس عام 2012 خرجَ من عزله الانفرادي الذي استمرَ 18 سنةً، مندهشًا من كل شيء، غير أنه عندما سُئل عن اشتياقه للحرية قالَ “إنه لا يملك إلّا والدته، والتي ربما إن أفرجَ عنه ستكون قد فارقت الحياة”.

رحلت أم فارس، تاركةً المنزل موصدًا، ومفاتيحُه أمانةً خبّأتها لفارس، إن عاد من الأسر يكفيه أن يتبعَ خُطاها في غرف المنزل وعبقَها بين جُدرانه، غير أن الفارس الذي فقدَ بصره في الأسر، ترجّلَ تاركًا البيت وحيدًا وموصَدًا للأبد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى