مقالات وآراء

مناهضة التطبيع هي حرب الشعب بين حرب بنادق وأخرى

خاص: د. عادل سمارة

إقترن التطبيع مع بدايات المشروع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين بمعنى اصطفاف النقيضين وتخندقهما في مواجهة احدهما الآخر:

  • مقاومة العدو بعدة أدوات ومواقف
  • أو مساومة العدو بعدة أشكال

وهذا يعني أن كل فلسطيني او عربي لم يقف ضد وجود الكيان الصهيوني فهو بالضرورة، وبغض النظر عن طبيعة أو درجة المساومة التي اعتمدها ،هو في معسكر التطبيع. ونقصد بالعودة إلى بدايات المشروع الصهيوني لفت النظر إلى قِدَم التطبيع بمعنى أنه أسبق من صياغة الحركة الوطنية المصرية لشعار وموقف مناهضة التطبيع إثر اتفاقات كامب ديفيد دون التقليل من أهمية هذه المبادرة وهذا الموقف.

وبما أن الصراع العربي الصهيوني هو صراع التناقض التناحري، فإن مصطلح التطبيع، رغم أنه دارج، إلا أنه لا يكفي للدخول إلى جوهر هذا السقوط. لذا، نعتقد أن الوصف الأصح للتطبيع هو : إستدخال الهزيمة.

ونقصد بهذا المصطلح أن يفكر المرء ويتصرف ويواصل التفكير والتصرف كمهزوم ومستسلم. وبهذا المعنى، فإن المهزوم، قد لا يكون عميلاً بالمعنى الخياني ، ولكن تصرفه يصب في الخانة نفسها. وهذا يمكن ان يوصلنا إلىى تقسيم المطبعين فريقين:

  • الخيانة المنهجية أي التطبيع بوعي وقرار ومصلحة وحتى تنظيراً للتطبيع والدفاع عنه من مدخل الشعور الدوني تجاه الذات الفردية والجمْعية
  • والخيانة بالمعنى المادي اي دون وعي ومقصد ولكن مع تقديم الخدمات للعدو دون تحفظ وإن لم يكن ذلك بوعي ومنهجية.

وإذا صح هذا الوصف والتقسيم من جهة ووصف طبيعة التناقض بأنها تناحرية من جهة ثانية، فإن التخندق والاصطفاف من جانب قوى المقاومة والعروبة يعني أن رفض التطبيع هو معركة واسعة مستدامة توجب دخول الصراع ضد التطبيع على أربع جبهات:

  • مواجهة التطبيع مع الكيان الصهيوني بمختلف مستوياته، التطبيع السياسي والاقتصادي والثقافي والنفسي والديني شاملاً الجنسين بنفس المستوى.
  • مواجهة التطبيع مع الأنظمة العربية التي تعترف بالكيان الصهيوني وهذا يعني أن تقوم الحركة الوطنية في كل قطر عربي برفض سياسات التطبيع التي تمارسها سلطة ذلك القطر وضمن ذلك مقاطعة كل ما يمت للكيان الصهيوني بصلة.
  • مواجهة التطبيع الذي تمارسه دول إسلامية متغطية بالدين بمقاطعة منتجاتها ومصالحها في الوطن العربي، وهنا تركيا مثالاً.
  • مواجهة مختلف دول العالم وخاصة الغرب الراسمالي التي دعمت وتدعم الكيان الصهيوني ومقاطعة منتجاتها المادية والثقافية .

بناء على ما سلف، فإن التنبه لخطورة التطبيع قد تأخر كثيرا وطويلاً، وهذا يرتد إلى الضعف الفكري والاستراتيجي لحركة التحرر العربي وخاصة شقها الفلسطيني بينما كان الصهاينة على وعي قديم وعميق لأهمية مقاطعتهم للمنتجات الفلسطينية حيث كان أعضاء ماباي منذ عام 1918 يلاحقون النسوة اليهوديات العائدات من السوق في الأزقة ويكسرون البيض الذي في سلالهن  ويوصون النساء اليهوديات بتقليب التفاح الفلسطيني وغرس أظافرهن فيه. أنظر كتاب  (  (The Other Israel, ed Arie Bober 1972

لقد تواصل هذا الجهل بمخاطر التطبيع سواء منذ تواطؤ آل سعود وآل رشيد مع الصهاينة1918، ودخول فلسطينيين عضوية الكنيست إثر اغتصاب فلسطين 1948 رغم أن شرط العضوية الأساس هو قسم يمين الولاء للدولة اليهودية وصولا إلى اتفاق كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة والتطبيع الخليجي الجاري حالياً. ورغم تبني الحركة الوطنية المصرية للموقف ضد التطبيع إثر اتفاق كامب ديفيد إلا أن رفض التطبيع لم يصبح شعارا وموقفا شعبياً عاما في الوطن العربي ولا في الأرض المحتلة نفسها. بل لم يتوقف الجدل حول وجوب رفضه بعد!

الشعبي هو الأساس لا النخبوي ولا السلطوي:

لسنا بصدد التقليل من أهمية وعي نخبة من المثقفين في نشاطهم ضد التطبيع، فهم على الأقل ابقوا جذوة الرفض مشتعلة رغم فيضان التطبيع الرسمي خاصة الذي وصل حد تقديمه مجانيا للكيان الصهيوني كما يتم الآن من حكام الخليج العربي . وهنا لا بد من التذكير بأن أنظمة سايكس-بيكو يربطها حبل سُرِّيٍ في وجودها وبقائها مع الكيان الصهيوني بما أن الطرفين  توليد استعماري/إمبريالي من جهة وفي تواقت وتزامن واحد من جهة ثانية.

وبالمقابل، فإن التطبيع الرسمي على يد أنظمة سايكس-بيكو لم يتمكن من اجتياز الجدار الشعبي العربي الرافض للتطبيع. صحيح ان الصراع يقف الآن على حافة اختراق القاعدة الشعبية العربية، جدار الشعب،  بعد أن تمكن من اختراق أنظمة عربية وفلسطينية وحتى أحزابا. وصحيح ايضا بأن التطبيع أصبح فلسطينياً إثر أوسلو خاصة ، ولكن:

  • لم ينجح التطبيع الرسمي في اختراق الشعب
  • ولم ينجح التطبيع الرسمي في فتواه الخبيثة بأن التطبيع كونه صار فلسطينيا، فقد اصبح التطبيع الرسمي العربي حلالاً.

وهذا يضع المطبعين الفلسطينيين قيد التحدي والاستهداف وخاصة السلطة الفلسطينية التي التزمت بكل من اتفاقات أوسلو وبروتوكل باريس الاقتصادي.

وفي هذا الصدد لا بد من التنبيه بان الإعلام يلعب دورا خطيرا فيما يخص التطبيع الفلسطيني خاصة. ونقصد هنا نقد الإعلام المحسوب على المقاومة لأن إعلام التسوية والتطبيع والتبعية محسوم في خدمة الأعداء وبالتالي هو خارج نقاشنا.

إن التحليلات والحوارات والمناظرات بين فلسطينيين من هذا الاتجاه أو ذاك وعلى الفضائيات وخاصة التي تدور حول اتفاقيات أوسلو حيث تقدم تلكم الفضائيات مساحة زمن واسعة لمن يدافعون عن أوسلو ويطلونها بالمساحيق إلى حد تبدو معه وكأنها إنجاز وطني، هذا بحد ذاته دعوة غير مباشرة للتطبيع من جانب المشاهد العربي.

إن هذه الدفوقات الإعلامية هي تعميق في وعي المواطن العربي بأن التطبيع هو على الأقل محط نقاش مجرد مسألة خلافية فيها قَوَلان!. هذا من جهة، ولأن السلطة الفلسطينية تتمسك به، فهذا يعني إعفاء المواطن العربي من الشعور بالمعصية حينما يمارس التطبيع من جهة ثانية.

ويكون دور الإعلام في التثقيف بالتطبيع شديد الخطورة حينما نتذكر بأن الفضائية خاصة تحل محل الحزب السياسي الثوري، ويحل مديرها محل المفكر ويحل مذيعها محل المثقف المشتبك، الأمر الذي يحصر المواطن العربي في خانة النضال المشاهداتي والاستماعي لا غير. وهذا يزيد من فقداننا للشارع العربي الذي أصبحت استعادته مسألة حياة أو موت.

لا يجب ان يغيب عن قوى المقاومة حقيقة مُرَّة جديدة في السنوات الثماني الأخيرة وهي احتلال الشارع العربي من انظمة وقوى الدين السياسي التي لديها ماكينة إعلام هائلة تخطط لها وتدعمها الإمبريالية والصهيونية. هذه القوى والأنظمة التي تمارس التطبيع العلني عبر الأنظمة والتطبيع غير المباشر من قبل قوى الإرهاب التي تقوم بتدمير الجيوش والجمهوريات العربية في حرب ضد محور المقاومة بأكمله وفي خدمة الكيان الصهيوني خاصة وحتى قبيل كون ذلك بتخطيط ولخدمة الإمبريالية.

نقصد أننا أما هجمة حربية من جهة وإعلامية من جهة  ثانية كلتيهما في خدمة العدو مما يجعل استعادة الشارع أمراً صعبا ولكن لا بد منه.

من هنا وجوب التثقيف المتواصل ضد التطبيع بدل الانحصار في حالات موسمية للحديث العابر والمؤقت عن التطبيع ومن ثم ليعود المواطن بعد ذلك للتسمُّر أمام شاشات عبثية سواء تجارية أو للتسلية أو حتى للجنس دون أن ينتبه أن تمويل هذه الشبكة الكبرى من الفضائيات هو من أنظمة النفط العربية، وأن الأمر ليس محض صدفة بل مشروع تضييع الوعي.

مركزية مناهضة التطبيع ما بين حرب وحرب:

قد يجوز لنا التأريخ للصراع في وعلى الوطن العربي بأن نرد ذلك على الأقل  إلى القرن السابع عشر أي دخول اوروبا مرحلة الراسمالية التجارية حيث بدأ الاستهداف الغربي الراسمالي للوطن العربي ولم يتوقف. يرى البعض أن هذا جزء من نظرية المؤامرة، وهذا البعض لا يرى الوقائع إن لم نقل لا يفهم التاريخ.

ما يهمنا في هذا السياق هو ان هذه الحروب أو العدوان المتواصل ضد الوطن العربي كثيرا، إن لم نقل دائماً، كان يتم تغييب الشعب عنه لتدخل الحكومات حروبا لم تكسبها رغم انها في حالة دفاع وذلك لأن هذه الأنظمة لم تكن منبثقة من ثقة الشعب وضميره.

ليس من السهولة بمكان حتى على أنظمة ثورية مخلصة أن تكسب الحروب بمعزل عن الشعوب. وفي الحالة العربية وخاصة الفلسطينية، ولأنها تتعرض إلى سلسلة من الحروب اي العدوانات، فإن مناهضة التطبيع هي تجنيد الشعب نفسه وبأكبر عدد ممكن منه للقيام بحرب الشعب ضد التطبيع ومن أجل المقاطعة طوال الفترة الفاصلة بين حرب وحرب.

لكن انخراط الشعب ضد التطبيع أمر لا يعود إلى السجية والنقاء الشعبي الفطرية ولا إلى طاقة الشعب الكامنة التي تتمظهر في المقاومة فقط بل له صلة وثيقة بثقة الشعب بالسلطة وحدود تعبيرها عنه. وفي حالة كونها سلطة تابعة وتطبيعية يصبح هذا مثابة تحدٍّ كبير للقوى السياسية التي ليست ضمن السلطة. وهنا لا يعود معنى للنقاش بين فريق يقول بأن الشعب يعرف ما يريد ويقرر ذاتياً، أو أن الوعي ياتي من خارجه أي من القوى. لأن ما يجب ان يحصل هو المقاومة سواء بالدفع الذاتي أو بالتعبئة والتثقيف من خارج الجماهير البسيطة لكنها النقية.

وهكذا، فإن مناهضة التطبيع أو اجتثاث استدخال الهزيمة هو المهة الأكثر إلحاحاً في وضعنا الفلسطيني والعربي كي تصب طاقات الشعب بأكمله ضد التطبيع.

وبالمناسبة، دعنا نختم بالتذكير بأن مناهضة التطبيع والإلتزام بمقاطعة منتجات الأعداء هو نفسه مشروع تنموي لأنه يفترض وجوب خلق بدائل محلية للمنتجات التي يقرر الشعب مقاطعتها. لماذا نقول يقرر الشعب؟ ذلك لأن كثيرا من الأنظمة لن تقرر مقاطعة منتجات الأعداء، ولكن حين يكون لدى الشعب وعي بالاستهلاك أو ثقافة الاستهلاك الواعي فإنه سيقاطع هذه المنتجات  مما يقطع الطريق على الحاكم ويُسقط في يد شركات وأنظمة العدو. وعليه، فإن مقاطعة منتجات الأعداء تعني عدم توفر تلك المنتجات مما يحفز على إنتاجها محلياً، أي تكون المقاطعة حافز تنمية محلية. وفي حالة عدم القدرة على إنتاج تلكم السلع محلياً، تتم المتاجرة مع دول صديقة مما يوسع نطاق الدول الصديقة وربما يمكن حتى تجنيدها ضد العدو لتقلص متاجرتها مع العدو أو تقاطعه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى