كلمتنا

المرجعيات الخرافية في الساحة السياسية الفلسطينية

بقلم:الدكتور محمد البحيصي رئيس جمعية الصداقة الفلسطينية الإيرانية

أكاد أجزم بأنّ (النظام السياسي) الفلسطيني برمّته لم يعد يعرف ما هي مرجعياته السياسية والقانونية والدستورية.. وبات التحاكم إلى المجهول هو الأسلوب السائد في الحياة السياسية الفلسطينية..

وبتنا نسمع عن مرجعيات معطّلة وغائبة ومنسيّة، فإذا بها فجأة تحضر من غيابها الطويل ومن رقدتها الثقيلة مثل الكائن الخرافي متخطية رقاب الجميع ومتربعة على كرسي المرجعية، ومن هذه الكائنات المنقرضة المجلس الوطني.. فمن منّا سمع عن هذا المجلس منذ جلسته الأخيرة في غزة لشطب مواد الميثاق الوطني المتعلقة بالحق الفلسطيني في فلسطين وبحق شعبها في المقاومة..

هذا المجلس وبدون سابق إنذار وبما يشبه نفخة الصور ينسلّ من قبره وإذا به وبقدرة قادر مرجعية مطلوب من الجميع العودة إليها والالتزام بها..

وهذا الأمر ينطبق على الشيء المسمّى “المجلس المركزي” الذي كان يُوصف بالحلقة الوسيطة بين المجلس الوطني والهيئات التنفيذية، وكان من الطبيعي أن يُهال عليه التراب بعد دفن المجلس الوطني وانقسام وتشرذم واحتكار الهيئات التنفيذية وانحصارها في الرئاسة بكل مسمّياتها.

وبصورة أكثر وضوحاً تأتي مرجعية (المجلس التشريعي) المولود المشؤوم لاتفاق أوسلو وتوابعه وهو المجلس الذي كانت قابِلَته (الاحتلال)، ومرضعته المحاصصة الفصائلية، والذي أُعلن عن موته السريري منذ العام 2007، وتمّ الاحتفاظ به دون تحنيط بدنا للعبرة، ومن يجادلني في هذا ما عليه إلّا أن يقدّم لي دليلاً واحداً على حياته وعلى ممارسة دوره التشريعي والرّقابي منذ ولد الانقسام المشؤوم..

ومن الكائنات الخرافية في حياة الفلسطيني السياسية ذلك الشيء المسمّى “محكمة دستورية عُليا” ولست أدري كم من الشعب الفلسطيني وحتّى من مثقفيه والعاملين في شأنه العام سمع بهذه المحكمة، متى وكيف ولماذا ولأي شيء تعمل، وماهي اختصاصاتها.. الخ.

فجأة وإذا بهذه المحكمة تُصدر  قرارها بحل (المجلس التشريعي)، ولا أحد يدري كيف ومتى تم مناقشة هذا الأمر، ومن هو صاحب الدعوى، وهل أنّ ذلك من اختصاصها، وهل يتوافق هذا القرار مع ما يُسمّى القانون الأساسي… هكذا وبكل استخفاف بكل ما هو فلسطيني يتم الإعلان من قبل رئيس السلطة عن حكم المحكمة، ولا أدري لماذا لم تعلن المحكمة نفسها هذا القرار، بل لربما هي نفسها لم تعلم به إلّا من خلال الإعلام… وينقسم الفلسطينيون على هذا القرار، وفجأة نكتشف أنّه قرار متأخّر جداً، وكان ينبغي أن يُتّخذ قبل 11 سنة، وأنّه قرار مصيري وضروري ويصبُّ في مصلحة القضية.. الخ من هذا التسحيج والتطبيل، وفريق يقيم حائطاً للبكاء على المجلس التشريعي الذي أُعلن عن وفاته وهو حيٌّ يُرزق، وقائمٌ بواجباته ووظائفه، وهو الشرعية الدستورية الآتية من الصندوق، وهو تابوت العهد المقدّس الذي نستنصر ونرزق به.. فوضى وخراب، وهروب من الاستحقاق الذي سيظل يلاحق النظام السياسي الفلسطيني تجاه الشعب والقضية، بعد أن بات هذا النظام أحد أسباب نكباتها..

مقالات ذات صلة