مقالات وآراء

الأونروا والتجاوز المؤقت للمحنة المالية

خاص: علي بدوان

انتهت اجتماعات اللجنة الإستشارية لوكالة هيئة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين العرب الفلسطينيين في الشرق الأدنى والمعروفة اختصاراً بــ وكالة (الأونروا) في العاصمة الأردنية عمان، حيث القى المفوض العام للوكالة (بيير كرينبول) كلمة ختامية، خاطب فيها موفدي الحكومات والجهات المُضيفة للاجئين الفلسطينيين (سوريا + لبنان + الأردن + قطاع غزة + القدس والضفة الغربية) وكبار الجهات الدولية المانحة إلى اجتماع اللجنة الاستشارية للوكالة، أشاد فيها بالعزيمة والإرادة اللتين تحلّت بهما الوكالة والمجتمع الدولي لدى معالجة “أكبر مأزق مالي للوكالة على الإطلاق” منذ قيامها عام 1949. فقدم المفوض العام للوكالة التحية لشركاء الوكالة العديدين الذين “ارتقوا إلى مستوى الحدث” للمساعدة في تقليل العجز الخانق بمبلغ 446 مليون دولار والذي كان عليه في بداية هذا العام ليتقلص العجز المالي الى نحو إلى مبلغ 21 مليون دولار”.

وانطلاقاً من ذلك استطاعت الوكالة، افتتاح مدارسها للعام الدراسي الجديدة قبل عدة أشهر، والبالغ عددها (711) مدرسة تابعة لها في الوقت المُحدد، وهي المدارس التي تُقدم التعليم لأبناء نحو خمس ملايين ونصف مليون لاجىء فلسطيني مُسجّل على قيود الوكالة من حلب شمال سوريا حيث يقع مخيم حندرات للاجئين الفلسطينيين إلى مخيم رفح جنوب قطاع غزة.

حقيقة، إنَّ تجاوز الوكالة لأزمتها المالية للعام الجاري، تم بفعل الحركة النشطة والتنسيق المشترك بين الاطراف المعنية والاتصالات التي قادتها القيادة الفلسطينية والجامعة العربية والدول العربية المضيفة للاجئين الفلسطينيين، والاتصالات التي قادها مفوض عام الوكالة السيد (بيير كرينبول) وتواصله مع الأمين العام للأمم المتحدة والدول المانحة والمنظمات الدولية، حيث أدّت الى تجاوز الازمة المالية وتغطية العجز المالي الناجم عن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقطع مساهمة الادارة الامريكية وتمويلها للأونروا للعام المالي الجاري.

في هذا السياق، إنَّ المرحلة القادمة، تتطلب من المجتمع الدولي، والجامعة العربية، ومجموع الدول المانحة، ضرورة  مساعدة وكالة الأونروا على عدم تكرار الأزمات المالية  من خلال تخصيص مصادر ثابتة ودائمة للميزانية العامة للوكالة، وتأمين مصدر تمويل مستدام ثابت، وهي مسؤولية المجتمع الدولي بكل الحالات، كما من خلال مساهمة أكبر من الميزانية العامة للأمم المتحدة لتثبيت وإدامة مواردها المالية حتى لا تكون التبرعات الطوعية التي لا تُشكّل التزاماً قانونياً على أحد، سيفاً مسلطاً عليها، وان لا يكون مصير هذه المؤسسة الأممية التي تقدم خدماتها الى ملايين اللاجئين الفلسطينيين مرتبطاً بأهواء ورغبات بعض الدول، خاصة في ظل استمرار المساعي الامريكية و “الاسرائيلية” لإنهاء وتفكيك الوكالة واحالتها على التقاعد، كمدخل لتصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين واهالة التراب على حق العودة المحفوظ والمُصان بالقرار الدولي 194.

ونُشير في هذا الجانب، إلا أنَّ ضعف استجابة الدول المانحة للمناشدات الطارئة التي اطلقتها وكالة الأونروا في مطلع العام الحالي  2018، لجمع 800 مليون دولار لتقديم المساعدات الطارئة للاجئين الفلسطينيين في سوريا والأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية والقطاع والقدس يضاف لها خمسين ألف لاجئ فلسطيني من سوريا كانوا قد نزحوا إلى لبنان والأردن، قد اثَّرَ على طبيعة الخدمات الطارئة المُقدمة للاجئين الفلسطينيين، وضاعفت من مأساتهم الحياتية في مخيمات الخيام على الحدود، أو في مراكز الإيواء، واثَّرَ ايضاً في الوقت ذاته امام تحرك وكالة الغوث الدولية لإعادة ترميم منشآتها للقيام بمهامها في تقديم خدماتها للاجئين في المخيمات الفلسطينية في سوريا وفق ما أشار اليه عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ورئيس دائرة اللاجئين الدكتور أشرف أبو هولي في كلمته الموثقة أمام اجتماعات اللجنة الإستشارية في العاصمة الأردنية عمان.

لذلك، إنَّ الدول المانحة والمجتمع الدولي ومؤسساته، مدعوة  للمزيد من تحمّل المسؤولية تجاه وكالة الأونروا لوضع حد لمعاناة اللاجئين الفلسطينيين وإعادة اعمار المخيمات في سوريا ولبنان وخاصة مخيمي نهر البارد واليرموك واعادة تأهيل مرافق الخدمات وبنيتها التحتية المدمرة، وخاصة مدارس الوكالة، واتخاذ خطوات فورية لمنع المزيد من التدهور في جميع حقول عمل الأونروا إلى ان يتم الوصول الى حل نهائي وناجز لقضية اللاجئين الفلسطينيين من خلال عودتهم إلى ديارهم وأراضيهم التي هجّروا منها عام 1948 وفقاً للقرار الأممي الرقم 194 لعام 1948.

إنَّ إعلان المفوض العام لوكالة الأونروا (بير كرينبول) خلال مؤتمر اللجنة الاستشارية في الأردن أنه تم تجاوز أزمة التمويل الخانقة التي نجمت عن قرار الإدارة الأمريكية وقف تمويلها للأونروا، يجب أن يكون حافزاً لها لسرعة التراجع عن إجراءاتها التقشفية الأخيرة، فلا يوجد الآن أي سبب يمنع استمرارها، والتي فرضتها تحت مُبرر الأزمة المالية من تقليصات في الخدمات، وخاصة المساعدات العينية والمالية للاجئي فلسطين في سوريا وقطاع غزة، وإنهاء تعاقد مئات الموظفين، وذلك بعد تجاوز الأونروا أزمتها المالية. وعليه، إنَّ على وكالة الأونروا العدول عن كافة القرارات والاجراءات التقشفية التي اتخذتها في حزيران/يونيو 2018 من العام الجاري، كأحد التدابير للخروج من ازمتها المالية.

أخيراً، إنَّ المرجعية القانونية والسياسية التي تُحدد عمل ومهام وكالة الأونروا هي قرارات الامم المتحدة، وبخاصة قرار قيام وانشاء الوكالة الرقم (302) لعام 1949 والذي يُحدد ولايتها، وهنا يتوجب الحذر من محاولات انهاء دور الوكالة من خلال تجفيف مواردها المالية ونقل صلاحيتها لأي منظمة دولية كالمفوضية العليا للاجئين. وهذا يفترض على الدول الاعضاء في الامم المتحدة، وخاصة العربية والإسلامية، احباط المسعى الامريكي “الاسرائيلي” الداعي لتغيير التفويض الممنوح للأونروا الذي ينتهي في أيلول/سبتمبر 2019 والذي يُشكّل تحدياً للجميع من خلال اعادة تجديد التفويض الممنوح لها بالقرار 302، حيث ينظر اللاجئون الفلسطينيون إلى عمل وكالة الغوث كجزء من وفاء المجتمع الدولي تجاههم، وعنوانا لاستمرار قضيتهم في جانبها السياسي، الى حين عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم التي هجروا منها عام النكبة طبقاً لما ورد في القرار الأممي الرقم 194 للعام 1948.

 

مقالات ذات صلة