كلمتنا

التطبيع… إعلان حرب جديد يوجب الحشد لهزيمته

د. محمد البحيصي رئيس جمعية الصداقة الفلسطينية – الإيرانية

منذ نشأته العدوانية اللاشرعية وزرعه في قلب الأمة، كان الكيان الصهيوني ولا يزال يعاني من أزمة وجودية، وهو يقف أمام السؤال المقلق والمرعب: متى ينتهي وجوده في المنطقة؟ وهو بهذا يختلف عن كل الكيانات والدول الموجودة في القارات الست.. وهذا هو السؤال الجوهري الذي جنّد الكيان كل إمكاناته لأجل أن يؤجّل الوقت المحتوم لتحقّقه، ومنه (أي من السؤال) ذاته تفرّعت تساؤلات كثيرة كلّها تصبّ في معناه مثل السؤال: متى يُعترف بنا؟ ومتى يقبل بنا؟ ومن هو ذاك الذي سيعترف ويقبل، أو يعترف دون أن يقبل؟، وهل بالإمكان ذاتاً وموضوعاً أن نكون جزءاً طبيعياً غير غريب عن المنطقة، وكيف يكون ذلك فيما لو كان ممكناً أصلاً، وما هي طبيعة العلاقة مع الفلسطيني (صاحب البلاد) وهل يمكن قبوله على المدى المتوسط والبعيد في حدود الكيان، وكيف ستكون التركيبة السكانية من حيث الحقوق والواجبات بعد عشرين سنة مثلاً؟ وهل ستظل المنطقة محكومة في العديد من أقطارها للإدارة الأمريكية وسياستها المنحازة للكيان؟ وماذا لو حدث تغيير جذري في بنية ونظم هذه الأقطار مثلما حدث في إيران قبل أربعين سنة، فكان هذا التغيير لصالح الدعوة لاسترداد الحق في فلسطين والعمل على ذلك؟ أسئلة لا تكاد تنتهي تدور في أذهان قادة الكيان وفي أروقة مراكز دراساته وجامعاته …

وفي هذا الوقت الذي يزداد فيه سؤال الوجود حضوراً في الكيان الصهيوني ولا سيّما إزاء الانكسارات والتراجع في المشروع الصهيوني المرعي أمريكياً ومنه مشاريع الحروب التي أُعلنت على الدول المركزية في المنطقة وتحديداً سورية والعراق، إضافة إلى ضرب المشروع في جناحه الجنوبي من خلال كسر العدوان السعودي الإماراتي على اليمن، وتعاظم قوى محور المقاومة الذي تمثّل إيران عموده الفقري الصاعد، في هذا الوقت تأتي بعض الكيانات والأنظمة الوظيفية في المنطقة لتعلن ما كان سرّاً، وتخلع عن وجهها القناع الذي لم يعد قادراً على إخفاء حقيقتها، وتهرول نحو الكيان من موقع الضعف والمهانة، في خطوةٍ تستهدف استدخال الهزيمة والشعور بالضعف وقلّة الحيلة في نفوس الشعوب التي ظلّت رافضة للوجود الصهيوني في فلسطين، مدشّنةً بذلك منهجاً جديداً في مسلسل الخيانة والعمالة والتواطؤ على فلسطين وشعبها وعلى مستقبل الأمة ومشروع تحررها ونهضتها، وهذا هو المراد (إسرائيلياً) من التطبيع بعد أن فشلت منذ كامب ديفيد في تعميمه في أوساط جماهير المنطقة وبقي أسير الأنظمة الدائرة في الفلك الأمريكي، ناهيك من أنّ التطبيع يأتي كحلقة من حلقات ما يُسمّى بـ (صفقة القرن) التي تستهدف طي صفحة القضية الفلسطينية وحسم الصراع لصالح (إسرائيل) ومن ثم الاستدارة لمواجهة الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي تقود محور المقاومة عبر التحالف الذي سيكون فيه لإسرائيل دوراً محورياً..

وبهذا المعنى، فإنّ التطبيع يمثّل إعلان حرب متجدد لا على فلسطين فحسب ولكن على مستقبل الأمة، ممّا يُحمّل مكونات محور المقاومة مسؤوليات إضافية نحو المزيد من التوحّد والاستعداد لمواجهته حتى هزيمته، وهي ممكنة ومتاحة بإذن الله، ويوجب على القوى الفلسطينية إعادة النظر في تجربتها وتجربة نظامها السياسي وبرامجها التي استنزفت نضالات الشعب الفلسطيني، وساهمت في اندفاعة بعض الأنظمة باتجاه الاعتراف والتطبيع مع العدو، وأساءت لتضحيات هذا الشعب العظيم.

 

بقلم : د. محمد البحيصي رئيس جمعية الصداقة الفلسطينية – الإيرانية

مقالات ذات صلة