ثقافةفلسطين الجغرافيا والتاريخ

الفلسطيني الراحل كمال بطرس ناصر: ربيع في الذاكرة 1924-1973

كمال ناصر من قياديي الثورة الفلسطينية. ولد في بير زيت التابعة الآن لمحافظة رام الله والبيرة عام 1924، وتوفي في بيروت عام 1973 في عملية عسكرية إسرائيلية استهدفته وقائدين فلسطينين آخرين هما كمال عدوان ومحمد يوسف النجار.

وُلد كمال بطرس ابراهيم يعقوب ناصر في العاشر من نيسان عام 1924. ومع أنه ينتمي إلى إحدى أشهر أسر بير زيت في الضفة الفلسطينية، إلا أنه ولد في مدينة غزة حيث كان يعمل أبوه. واستشهد كمال في العاشر من نيسان عام 1973، برصاصات أطلقها عليه إيهود باراك شخصياً ضمن ما سمي بمجزرة الفردان التي استشهد فيها أيضاً كمال عدوان ومحمد يوسف النجار وأم يوسف النجار.

أن يكون تاريخ الرحيل مطابقاً لتاريخ المولد، هو أمر يتجاوز المصادفة عندما يتعلق الأمر بشاعر ممسوس بفكرة البعث ويحمل قضية الاستشهاد في شعره ورؤياه. وقد حمل كمال عبء القضية مختاراً، بمزيج من الوعي والاندفاع، لا كردة فعل بل بوحي من هاجس النبوءة والفداء، حتى ليصعب حصر إشاراته إلى الاستشهاد والبعث والشعب في قصائده:

شاعر فلسطيني

ويشهد الله هذا الدرب لا طمعا

ولا ادعاء ولا زهواً مشيناه

وإنما هزنا في بعث أمتنا

جرح على صدرها الدامي لثمناه

قوموا انظروا الشعب يحدو في مسيرتنا

ثالوثنا القلب والدنيا جناحاه

درس كمال ناصر في الجامعة الأمريكية. وتخرج منها في بيروت بإجازة العلوم السياسية عام 1945. شجعته أمه، السيدة وديعة ناصر، وهي مثقفة بدورها وتجيد الإنكليزية، على دراسة المحاماة. إلا أن طبيعته النزقة لم تحتمل قضاء سنوات إضافية في كنف الجامعة. ولكنه اشتغل في حقل التعليم فترة من عمره، فقام بتدريس اللغة الإنكليزية مع أنه لم يجد نفسه إلا في الصحافة ليعبر عن أفكاره السياسية ويلبي بعض طموحه الثقافي. ولم يلبث أن تعاون مع هشام النشاشيبي وعصام حماد على إصدار صحيفة “الجيل الجديد” عام 1949 في القدس. وكأن نيسان الذي ولد واستشهد فيه على موعد دائم معه فقد صدرت هذه الجريدة في الرابع من الشهر الرابع الربيعي. وفي العام التالي وجد نفسه يشارك في تأسيس حزب البعث العربي الاشتراكي في رام الله لتبدأ مرحلة جديدة في حياته تنتقل به من السجن إلى المجلس النيابي حيث انتخب نائباً عن دائرة رام الله عام 1956، ولا يمكن إغفال دوره في جريدة “البعث” وهي غير الجريدة الشهيرة التي تحمل هذا الاسم وتصدر في دمشق. فقد أصدر عبد الله الريماوي هذه الجريدة في الضفة الفلسطينية ناطقة باسم التنظيم الفلسطيني للحزب هناك. وكان كمال من أركانها. وقد واصل جهوده الصحفية من خلال صحيفة “فلسطين” التي كانت تصدر في القدس.

بعد انتكاس التجربة الديمقراطية في تلك المرحلة من تاريخ الأردن، توجه إلى دمشق. ليشهد الوحدة العربية الوحيدة التي ولدت في القرن العشرين وانتهت بعد سبعة أشهر وثلاث سنوات من ولادتها. وهي الجمهورية العربية المتحدة برئاسة جمال عبد الناصر. بعد انفصال الوحدة بين سورية ومصر توجه إلى القاهرة حيث تلقى وساماً تقديرياً من الرئيس عبد الناصر. وما إن تسلم حزب البعث مقاليد السلطة إثر ثورة 8 مارس 1963م حتى وجد مكانه الطبيعي في دمشق. بذل جهوداً شخصية لتضييق شقة الخلاف بين حزبه الحاكم في سورية وبين الرئيس جمال عبد الناصر الذي يكن له كل تقدير، إلا أن رياح السياسة جرت بغير ما شاءت سفينة أحلام كمال ناصر. لم تقف خيبته عند هذا الحد، بل سرعان ما برزت الخلافات داخل بيته الحزبي. وكان كمال واضحاً حاسماً في هذا الأمر، فقد أخذ جانب القيادة الشرعية التي يمثلها الأمين العام للحزب، ميشيل عفلق، بل إن المراقبين السياسيين استدلوا على عمق الخلافات، من قصيدة عاصفة ألقاها كمال ناصر في أحد أعياد آذار، وقال فيها:

ما علينا لو كل يوم غزانا

عابر وانتمى إلينا دخيل

فبذور الحياة تكمن فينا

وسيبقى البعث الأصيل الأصيل

حين وصل إلى الشطر الأخير، أشار بيده إلى جهة ما، وتابعت كاميرات التلفزيون تلك الحركة فإذا بإشارته تنتهي إلى وجه “الأستاذ” ـ وهي التسمية المحببة لميشيل عفلق عند مريديه الحزبيين ـ.

يوم 23/2/1966 تحركت الدبابات في دمشق لتحسم الخلاف لصالح القيادة القطرية. وقد قرأت شخصياً بيتاً من الشعر كتبه كمال في بيت السيدة الروائية كوليت الخوري قبل أن يعتقله رفاق الأمس، ولا تزال كوليت تحتفظ بخطه:

لم يبق للبعث عندي ما أغنيه شيعته وسأبقى العمر أبكيه

ومن مفارقات الحياة السياسية في الوطن العربي، أن يسمع كمال ناصر من خلال مذياع السيارة التي تقتاده إلى المعتقل، ومن إذاعة دمشق، صوت المطربة دلال الشمالي تشدو بكلمات كمال ناصر التي قالها في عز زهوه بثورة آذار:

عشرين عاماً نضيء الليل من دمنا في كل نجم لنا جرح أضأناه

فالبعث وعي وإيمان وتضحية والبعث هم كبير قد حملناه

وقد كان اعتقال كمال ناصر أمراً محرجاً لسجانيه. لهذا نستطيع أن نتفهم سهولة فراره من سجن دمشق إلى بيروت، ومن هناك إلى باريس حيث عاش فترة قصيرة تركت أثراً واضحاً في شعره الذي ظهر من خلاله مغترباً مشدوداً إلى وطن يناديه. وهكذا وجد نفسه في الضفة الفلسطينية من جديد. وحين تمت هزيمة حزيران 1967 بدأ في البحث عن وسائل وأشكال لمقاومة الاحتلال، فاعتُقِل وأُبعد هو وأحد أصدقائه المقربين، المحامي المرحوم ابراهيم بكر. وتتسع ظاهرة الثورة الفلسطينية التي كانت رصاصتها الأولى قد انطلقت في 1/1/1965. وتحتل الاهتمام الأول عند شاعرنا الملتزم ـ وهو المناضل المزمن ـ وحين انتهى الأمر بفصائل المقاومة إلى قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، كان كمال ناصر عضواً في أول لجنة تنفيذية بقيادة ياسر عرفات، وذلك في شتاء 1969 وسرعان ما أسس كمال ناصر دائرة التوجيه والإعلام في م.ت.ف. ومع أنه أتى على كلمة “الضمير” كصفة له في إطار الجماعة، إلا أنني أستطيع التأكيد أن من أطلق عليه اسم “الضمير” في الثورة الفلسطينية، وكان يناديه بهذا الاسم دائماً هو الشهيد أبو إياد، وسرعان ما أصبح زملاؤه في القيادة الفلسطينية ينادونه بهذا الاسم وكأنه اسمه الشخصي. وبصفته رئيساً لدائرة الإعلام الفلسطيني وبفضل قوة حضوره الشخصي والثقافي، أصبح “الضمير” رئيساً للجنة الإعلام العربي الدائمة المنبثقة عن الجامعة العربية. وحين تلبدت سماء العاصمة الأردنية بالقلق والتوتر بين القصر والمقاومة، كان كمال في الصف الأول من القيادات التي وقفت إلى جانب ياسر عرفات مع جورج حبش ونايف حواتمة ومنيف الرزاز وعصام السرطاوي وغيرهم ممن كانوا يديرون المفاوضات ويشرفون على التعبئة وإدارة شؤون المنظمة. كان كمال مكلفاً بمهمة لدى لجنة الإعلام العربية الدائمة في القاهرة حين انفجرت الأوضاع. وبدأت أحداث أيلول 1970. وتولى المحامي ابراهيم بكر، نظراً لغياب كمال ناصر، مهمة مسؤول الإعلام الفلسطيني الأول. وهي فترة أثارت بعض الالتباس كان يغطيها كمال بجواب مازح ليخفي ألمه حين يسأله أصدقاؤه عن سبب عدم وجوده في عمان أثناء المجزرة، فيقول: أنظروا إلى بطاقتي الشخصية. أنا كمال بن بطرس ووديعة ولست عنترة بن شداد وزبيبة. وقد مر هذا المزاح على بعض المتربصين بمنظمة التحرير فظنوا بمسؤولها الإعلامي شيئاً من الخوف. والواقع كان غير ذلك فقد قدم كمال ناصر استقالته من اللجنة التنفيذية في آذار 1971، ورفضها أبو عمار رفضاً قاطعاً مؤكداً حاجة المنظمة إلى تطوير جريدتها المركزية وهي المهمة المفصلة على قياس “الضمير”. وفي ذلك العام عقد الكمالان ناصر وعدوان مؤتمراً صحفياً أعلنا فيه عن تأسيس الإعلام الفلسطيني الموحد ناطقاً باسم فصائل المنظمة ومنظماتها الشعبية وشخصياتها الوطنية. ولتأكيد استبعاد الصبغة الحزبية قام كمال ناصر بتحويل اسم مجلة “فتح” إلى “فلسطين الثورة”. ومن حقه وحق من يلي ذكره في هذا الفصل من الرواية الفلسطينية أن نسجل رغبة كمال ناصر في أن يتولى غسان كنفاني رئاسة تحرير فلسطين الثورة. إلا أن أبا فايز ـ رحم الله الشهيدين ـ قال له بلهجته العكاوية المحببة:” العين ما بتعلى على الحاجب” ثم أكد انهماكه في تطوير مجلة “الهدف” الناطقة باسم الجبهة الشعبية وكان غسان مؤسسها ورئيس تحريرها. إلا أنه وعد بإيفاد كاتب وإعلامي كفؤ يمثل الجبهة الشعبية في هيئة الإعلام الموحد. وقد كان.

كان طبيعياً أن ينجح كمال ناصر في تحويل “فلسطين الثورة” إلى صوت متقدم صارخ النجاح في التعبير عن جوهر الوحدة الوطنية، إضافة إلى تقديم الأجوبة عن أسئلة الشعب الفلسطيني. كان يكتب الافتتاحية بتوقيع “فلسطين الثورة” إلا مرة واحدة كتب فيها الافتتاحية بتوقيع “رئيس التحرير”، ولم تكن تلك مصادفة. فقد تضمنت تلك الافتتاحية حنينه إلى مشروع البعث الوحدوي وأحب أن يتحمل مسؤولية تلك الأفكار من جهة أولى. ومن جهة ثانية كان يريد للبعد الديمقراطي أن يأخذ مداه. فحتى رئيس التحرير مؤسس الإعلام الموحد عضو اللجنة التنفيذية لا يمرر أفكاره الخاصة في المجلة المركزية للمنظمة إلا في حالة استثنائية مشار إليها.

في الثامن من تموز “يوليو” 1972، أقدمت المخابرات الصهيونية على اغتيال غسان كنفاني في بيروت. وكان موعد صدور أول عدد لفلسطين الثورة بعد استشهاده، قريباً من الثالث عشر من الشهر. وهو اليوم الذي يصادف ذكرى مرور سنة على استشهاد أبي علي إياد. ويومها خرجت المجلة بصورة كبيرة على الغلاف للشهيد أبي علي. وفي مكان ما كانت ثمة صورة صغيرة جداً للشهيد غسان كنفاني، يومها جن جنون كمال ناصر، وشتم العاملين في المجلة عموماً. وانفجرت الدموع في وجهه وهو يصيح: “لو تعرفون من فقدتم لبكيتم دماً. ثم إن هذا الشهيد هو الذي رفض أن يكون رئيسكم في المجلة. هل نحن في مباراة بين الشهداء؟..” إنني أنقل كلماته بالحرف تقريباً. وغني عن القول أن العدد التالي صدر بصورة لائقة للشهيد غسان كنفاني تتصدر الغلاف الأول.

كطفل كبير “غار” كمال ناصر من جنازة غسان: “يا سلام. هكذا يكون عرس الكاتب الشهيد..” وتساءل: ترى هل ستتاح لي هذه الجنازة يوماً؟ وفي العاشر من نيسان 1973. اهتزت الدنيا على وقع قلب بيروت وهي تشهد استشهاد القادة الثلاثة. وكان لكمال ناصر جنازة تغص بعشرات آلاف المشيعيين كالتي اشتهاها، مع إضافة تليق به. فقد تبين أنه أوصى منذ استشهاد غسان بأن يدفنوه إلى جانبه. وهكذا دفن كمال ناصر المسيحي البروتستانتي في مقبرة الشهداء الإسلامية. ولعل الشهيدين يؤنس أحدهما الآخر بعد أن خرج المقاتلون الفلسطينيون من بيروت عام 1982.

<!– if (window.showTocToggle) { var tocShowText = “اعرض”; var tocHideText = “أخف”; showTocToggle(); } // –>

[كانت فكرة النبوءة والاستشهاد والبعث، هي الدائرة التي ملكت على كمال ناصر حياته خلال الأعوام القليلة نسبياً ـ 49 عاماً ـ التي عاشها في دنيانا. ويمكن إجمال هذه الدائرة النضالية في ثلاث ساحات: الأردنية، والبعثية، والفلسطينية.

حين ألمت نكبة فلسطين بشعبها وبالعرب عموماً. كان لكمال ناصر من العمر أربعة وعشرون عاماً. وقد تفتحت موهبته الشعرية مبكرة. وكان على ثقافته التراثية من جهة والأنكلوسكسونية من جهة، على خلفية تزاوج بين البيئة الإسلامية والديانة المسيحية، أن تمده بأواصر إشراقية روحية تجعل من الفداء فكرة مركزية في وعيه. وإذا أضفنا إلى الفكرة المجردة واقعاً وطنياً أليماً فإن الفداء يتنزل من النظرية إلى الميدان السياسي اليومي. فيكون الشاعر شاهداً على المرحلة:

إنها قصة شعب ضللوه

ورموه في متاهات السنين

فتحدى وصمد

وتعرى واتحد

ومضى يشعل ما بين الخيام

ثورة العودة في دنيا الظلام

وشعب هكذا حاله، لا وبد أن يبرز من داخله من يفتديه. وهكذا يتحد البطل الفادي بالشاعر الحادي. وفي المقاربة السياسية للسنوات التي تلت النكبة نرى الشاعر يعيش في الضفة التي أصبحت جزءاً من مملكة الأردن إدارياً. ويرى أن للنضال مستويين. فهو يعترض ويكتب ويقاوم ويدخل السجون، وهو أيضاً يخوض المعركة النيابية فيفوز بمقعد رام الله. وما كان له أن يكسب ثقة الشعب ما لم يكن أباً له وابناً وأخاً:

فإني أبوك وإني أخوك

كبرت على لوعة اللاجئين

وأخرست في جنباتي الأنين

ولكن لهذا الموقف ثمناً. والشاعر ـ الفادي جاهز لدفع الثمن. فهو يدخل السجن بالأنفة والعنفوان. وحين تخاطبه فدوى طوقان بقصيدة “المغرد السجين” يجيبها بقصيدة “من الأعماق” ـ والقصيدتان موجودتان في الأعمال الكاملة لكل من فدوى وكمال ـ واللافت في قصيدة كمال الجوابية أنه يفترض السجن نوعاً من الموت الذي يرضاه الشاعر مختاراً لخلاص شعبه. وأن الحرية هي الحياة. والشعب هو الكفيل بهذه الحياة:

فلا بد من عودتي للحياة ولا بد لي في العلى من إياب

إذا هتف الشعب يوماً بروحي أطلت له من حنايا التراب

وعلى عمق إيمان كمال ناصر بالشعب، ظل الجذر الرومانتيكي في شخصيته يفسح مجالاً للمواجع والإحساس بالخذلان. وهي اللحظة التي تمهد لحلقة البعث النخبوية القائمة على فكرة الطليعة التي تضحي من أجل شعب لم ينضج تماماً للثورة، وإلا فأي خذلان هذا:

الشعب أقوى.. والتفت فلم أجد حولي سواي

وإذا كانت هذه الصرخة العميقة صدى لخيبة عابرة، فإنه حين تتغلغل فكرة البعث في دمه سيكشف نزعته النخبوية من غير مواربة:

وذنبنا إن حكى التاريخ قصتنا

والشعب ضل على التاريخ مسراه

بأننا قد بحثنا العمر عن بطل

فلم نجده ولكنا خلقناه

إذن فالخلاصة، أن”الشعب” كائن اعتباري عظيم. لكنه بفعل تعقيدات تاريخية، ضل مسراه التاريخي. ومهمة الطليعة، أو النخبة التي يمثلها البعث، أن تقوّم المسار. باختيارات ديمقراطية لا تتناسب مع طبيعة هذه النخبة. ولهذا لا يملك الشاعر إلا أن يسهب في تأكيد انتماء النخبة إلى الشعب. كأنما يدفع تهمة غير منظورة أو مسموعة بأنها أعلى من عامة الناس، فهي “من غضبة الشعب، من تمرده، من جرحه، من تطلعه، من دموعه، من أمانيه، من كادحيه، من فلاحيه” أما كيف نحلّ المعادلة بعد هذا المدح الذي لا ينفي أن نخبة البعث متقدمة على مجموع الشعب، فباختزال الشاعر للمشهد بأن “البعث للجميع، كلنا فداه ” أما الشعب فهو ضمير النخبة التي تؤكد “لم نعلُ يوماً عليه، بل رفعناه” ولا يتوفر ذلك إلا بتعميق معنى الفداء حتى ليصعب إحصاء مفردات الجرح والصليب والسجن والفداء في شعر كمال:

إنا حملنا عن المصلوب رايته

وقد نحتنا من الصلبان صلبانا

وثمة ملاحظة ضرورية، فالصليب عنده ليس مستمداً من ديانته مع أنه كان مسيحياً مؤمناً. ولكنه كان رمزاً متأصلاً في ثقافته ووجدانه كعنوان للتضحية. وسنراه في أماكن كثيرة يوظف الرموز الإسلامية في شعره، ولا سيما تجربة النبي محمد مباشرة. إلا أنه لا يهوم في فضاء التجريد، فللبعث رسالة متصلة بوحدة العرب وتحرير أفكارهم. وسيخص كمال ناصر فلسطين والأردن والجزائر وبغداد ومصر ولبنان ودمشق بقصائد تؤكد أن هذه الأقطار، لا فلسطين وحدها، هي عناوين تفصيلية لعنوان كبير هو الوطن العربي الذي قدم قوافل من الشهداء مثل عبد القادر الحسيني وعدنان المالكي وفؤاد نعواس ورجاء أبي عماشة والمهدي بن بركة وغيرهم ممن كان لهم حضور في شعره، إضافة إلى أشعار التحدي في السجون والغربة. ويبقى الأمل معقوداً على الأطفال، عنوان المستقبل الذين يصفهم كمال بأنبيائنا الصغار:

لا لن يموت أنبياؤنا الصغار

ولن يذل أنبياؤنا الصغار ولن يهون أنبياؤنا الصغار

وليس الأطفال عنوان رهان المستقبل وحسب. بل إنهم وديعة لدى جيل الآباء والأمهات الذين يستشهد منهم أو يسجن فريق ويبقى فريق ليرعى الأمانة. إذن فالأنبياء الصغار ليسوا فكرة معلقة في الفضاء. بل هم مسؤولية وأمل في آن:

حبيبي إذا ما أتاك الخبر

وكنت وحيداً

تداعب بين يديك وحيدي

وتهفو لموعدنا المنتظر

فلا تبكني.. إنني لن أعود

فقد هان عبر بلادي الوجود

ورن بأذني نداء الخطر

هذا التحالف مع الخطر، سيحمله كمال ناصر من مرحلة البعث، إلى المرحلة الفلسطينية. أي مرحلة منظمة التحرير. وطبيعي ألا تحدث هذه المرحلة تحولاً نوعياً في شعر كمال. لأن فلسطين كانت حاضرة فيه منذ البدايات عندما كان يناضل على الساحة الأردنية، وعندما انتقل إلى الساحة السورية عبر البعث. وعندما أصبح قائداً في منظمة التحرير الفلسطينية حتى لحظة استشهاده مع رفيقيه محمد يوسف النجار وكمال عدوان.

على أن هذا التشكيل الجغرافي لرحلة الشاعر في ساحات العمل الوطني، سيظل ناقصاً ما لم نضع في اعتبارنا ذلك الجانب الحميم، الإنساني المحض، من شخصيته. فقد أحب مرتين على الأقل كما نستدل من مذكراته وشهادات معارفه. وكانت لديه تأملات وتطلعات في الوجود. وقد كتب في هذا كله. ومما لا شك فيه أن المشاعر ليست مرتبطة بالجغرافيا. وإذا كان ملحوظاً أن الفترة التي قضاها في باريس قد أعطته فرصة لإنتاج أجمل شعره الوجداني، فليس معنى هذا أنه لم يكتب هذا النوع من الشعر إلا هناك.

لم يكن كمال ناصر شاعراً مقلاً كما يتبادر إلى الذهن. ولكنه لم يصدر إلا مجموعة شعرية واحدة في حياته، هي “جراح تغني” وقد أصدرتها دار الطليعة في بيروت عام 1960، أما بقية نتاجه فكانت تنشر في الصحف والمجلات فضلاً عما كان يحتفظ به كمخطوطات. وبعد استشهاده أشرف المفكر والشاعر ناجي علوش ـ وتربطه صلة قربى وصداقة حميمة بالشاعر ـ على نشر أعمال كمال ناصر في مجلدين يضم أحدهما أشعاره ويضم الثاني مقالاته وأفكاره. كما صدرت له بعد ذلك مسرحية ذهنية بعنوان “الصح والخطأ”. والمدقق في المسار الشعري لكمال ناصر يستطيع أن يسجل ملاحظتين واضحتين: الأولى أنه من طليعة الجيل الثاني لرواد الشعر الحديث الذي يسمى أحياناً شعر التفعيلة. فقد ظهرت قصائد له على هذا النسق منذ أواسط الخمسينات. أما الملاحظة الثانية فهو أن مجمل شعره قد تحرك وفق ثلاثة مدارات في تطور طبيعي.

المدار الأول هو الكلاسيكية. فقد كان مفتوناً، كما أشرت، بالتراث العربي. وكانت روحه الوثابة منسجمة مع الشعر الإنشادي المتميز برنين القافية وفخامة الأسلوب. ولعلنا لاحظنا، من معظم الشواهد الواردة في هذه المتابعة، أن لديه نزعة منبرية لا تخفى. وقد كان مشروعه السياسي من معارض متحفز إلى ممثل للشعب في مجلس النواب إلى منافح عن قضايا حزبه، يتلاءم مع هذا التيار الكلاسيكي الذي تزيده فكرة النخبة حماسة. وكأن الشاعر ما كان ليكتفي بالمناسبات التي تملي عليه قصائده فذهب إلى استخلاص رؤيته للوطن والوجود. وأكاد أقول تخليد هذه الرؤية مستعيراً أداءه البلاغي، في نص مفرط الطول يصل حتى ألفيْ بيت من الشعر بعنوان “ملحمة الحقد”وهي تنقسم بدورها إلى قصائد ذات عناوين فرعية مثل “صلاة الحقد” و”اسكندرون” و”في رحاب الجزائر” و”بور سعيد” و”في فلسطين”. ومن عيون شعره الكلاسيكي، إضافة إلى الهائية التي أوردنا بعض أبياتها، قصيدة “العودة الكبرى” وهي قصيدة وطنية فلسطينية بكل معنى الكلمة لكننا نلمح فيها قوة حضور التاريخ، فالشاعر يستلهم هجرة النبي محمد من مكة إلى المدينة، ويتوسم بالعودة النبوية تفاؤلاً بعودة الفلسطيني إلى الوطن، وسنلاحظ بسهولة أن الشعراء العرب القوميين، ولا سيما البعثيين منهم: كمال، يوسف الخطيب، سليمان العيسى، وغيرهم، كثيراً ما يستنطقون النص الغائب ويعيدون إنتاج التاريخ الإسلامي في إسقاط على الأحداث المعاصرة، يقول كمال:

تهيأت إذ هاجرت للعودة الكبرى

وعدت فراح النصر ينتزع النصرا

تهاديت والإيمان سرٌّ وللهدى

بصدرك آيات تتمتمها طهرا

على حلم للمجد في ظل راية

موحدة الآمال تستنهض الفخرا

أما التيار الثاني الذي جاراه كمال في شعره، فهو الرومانتيكي، وعلى كثرة ما للرومانتيكية من تعريفات حتى تكاد تكون هناك رومانتيكيات بعدد الرومانتيكيين، إلا أننا نستخلص منها في حالة كمال، تلك النزعة إلى التمرد، ووعي البطولة الفردي ـ والفرد عنده، حسب فكرة نخبة البعث، منذور للجماعة ـ إلا أنها بطولة مغتربة. ولأن هذا التيار يمسّ الذات عميقاً، فقد كان طبيعياً ومتوقعاً أن تأتي قصائده في سياق الشعر الحديث، حيث يكون الخطاب الشعري مهموساً على حد تعبير الناقد د.محمد مندور، ولن يغيب عنا بطبيعة الحال أن هذا التيار يحمل في اندفاعه مستوى عاطفياً لم يكن كمال ناصر ليصرح به دائماً. وللعاطفة عنده مستويات. المرأة الحبيبة، المرأة الأم، الغربة، والأطفال. وبعد ذلك يبقى للطبيعة حضورها الذي يعمق رومانتيكية الشاعر. ويسهل علينا أن نربط بين طهرانية المناضل، النخبوي، البعثي وتعالي المرأة عنده عن الحسية المباشرة، فهو يقف “بعيداً عن اللذة الفانية” أو يخاطبها قائلاً: “حلوة أنت فابعدي عن خيالي” وهو يريدها بعيدة حتى تبقى في منطقة الحلم المجرد “قطرة للندى على أوراقي”. لكننا سرعان ما نلاحظ أن هذه المرأة التي يريد أن يبعدها عن جسده ليست امرأة بل فكرة أو قيمة تمثل كل ما يعيق طموحه ونضاله. لأنه في لحظة الشفافية يعترف للمرأة الحقيقية باشتعال حواسه بها:

أمد أنفي باحثاً عن عطرك الذي أحب

عن صدرك الشهي بالمجون

وعن لهاثك المسعور بالجنون

وعندما يتوجه الشاعر إلى أمه، تسبقنا إليها شخصيته التي باتت واضحة لدينا. فهو المناضل المنذور للصعاب وهو يشفق على حنان أمه من أن يعيقه عن اختياره. ففكرة الفداء المسيحية متأصلة فيه. التجربة تناديه وخوف أمه يؤلمه، وما الذي يفعل من كان قدره أن يقول:

ولدت أحمل جثماني على كتفي

ولدتُ وا أسفي

وكما توقع الفادي الأول أن يقتاده الجناة إلى بيلاطس ليقرر حكماً مسبقاً عليه، فإن جلاوزة العصر سيقتادون الشاعر:

غداً يشهق الحق في المحكمة

ويتلى القرار الأخير

وفي شفتيه يطل مصيري

كأني أبالي بهذا المصير

ولما كان لا يبالي بهذا المصير فإنه يشد من أزر أمه، بل يستأذنها في أن ينسى وجهها حتى لا يضعف أمام الطغاة: فوجهك هذا الحزين ـ سأنساه في فرحة المعركة. ومن المفارق أن كمالاً لم يتزوج، وبالتالي فلا أطفال له. ومع ذلك فهو كثيراً ما يحن إلى الأطفال ويكتب لهم كما لو كانوا ينتظرونه في البيت. ويتساوى أطفال كمال ناصر الشعريون بين أن يكونوا رموزاً للمستقبل ـ كما في قصيدة الأنبياء الصغار مثلاً ـ وبين أن يكونوا أطفالاً عاديين يقلق عليهم الآباء والأمهات. وحين ننتقل إلى التيار الرمزي الذي بدأ كمال ينشغل به جدياً خلال سنواته الباريسية في أواسط الستينات، نرى أن رمزيته لم تفارق الرومانتيكية ولم تبتعد عن الكلاسيكية دائماً. فهذا شاعر لا يتغير بقرار. ولكنه، شأن البشر، ينفعل ويتطور وتتأثر حساسيته بالمعطيات الجديدة. ففي باريس شعر بالضياع والغربة والخيبة. في ذاكرته خذلان ومرارة. وعلى مرأى عينيه حضارة يتخلف عنها شعبه الذي نذر عمره له، فضلاً عما كان لهذا الشعب من دور حضاري. وشعور كمال بالفقدان في هذه المرحلة جعله يتخفف من الكلمات الكبيرة. فهنا لا تاريخ ولا مجد، بل مظلة تضيع فإذا بها تتحول إلى رمز لكل ما ضاع منه. ويعبر أمامه القطار فإذا به رمز للزمن المهدور والفرص الضائعة. وتتألق باريس بأضوائها فإذا بها تجاذبه الحوار. بل إن الغربة تتكثف في روحه بحيث تعاوده النوستالجيا إلى الحب والمرأة والحياة اليومية.

كتب كمال ناصر مقالات سياسية وتأملية كثيرة، كما كتب القصة القصيرة. وقد أشرنا إلى أن له مسرحية منشورة. فقد كان حريصاً على أن يعبر عن نفسه بأشكال وأجناس أدبية شتى. لكنه ظل شاعراً في الأحوال كلها. لا بما يكتب وحسب. بل بحياته وأدائه وعنفوانه وطفولته التي لم تفارقه أبداً.

لقد شكل كمال ناصر وصديق عمره الشاعر يوسف الخطيب ثنائياً في تجربة البعث. وكان لهما دور ريادي في الشعر الحديث. والأكيد أن كمالاً في مرحلته الرمزية حقق نجاحاً يتجاوز الدور الريادي التاريخي.. فهو شاعر من قمة رأسه حتى أخمص قدميه. وحسبه أنه حقق يوم العاشر من نيسان 1973 نبوءته يوم خاطب “اخت روحه” فدوى طوقان، مؤكداً:

إذا هتف الشعب يوماً بروحي

أطلت له من وراء التراب

وها نحن نهتف بروحه. فانظروا إليه.. إنه بيننا، وليس لي أن أودعه إلا بكلمات محمود درويش الذي ربطته به صداقة عميقة: لقد مشى كمال ناصر على حبل الخطر.. انقطع الحبل ولا يزال كمال يمشي

مقالات ذات صلة

إغلاق