الأخبار البارزةمقالات وآراء

فلسطين والشخصية الفلسطينية

خاص - محمود موسى

يقر التاريخ لشعب فلسطين أنه حلقة التلاقي وهمزة الوصل والأداة المحركة لكل أعمال التجميع والتوحيد في تاريخ العرب والمسلمين. ولا يتناول التاريخ حادثة واحدة سعى فيها الفلسطينيون إلى الانعزال وبناء كيانهم الذاتي بعيدا عن كيان الأمة فهم في غابر التاريخ يابوسيون موحدون وكنعانيون متصلون ومسلمون محاربون وعرب معتصمون بعروبتهم. ولما يأت التاريخ لمرة واحدة على فلسطين إلا من بوابة أن شعبها كان محاربا ومتحديا وصادقا مع الولاء والانتماء. فهو جيش عقبة في مصر والمغرب، وهو قوام جيش صلاح الدين والظاهر بيبرس، وهو أول الشعوب التي تمردت على التسلط التركي ومن بعده الاستعمار البريطاني.. ويندر جدا أن نرى تحركا فلسطينيا لم يكن له ارتباطه بواقعه العربي فحين هزم نابليون على أبواب عكا وقبلها في يافا عسقلان وغزة إنما كان يرد كيد الغزاة عن العمق العربي في بغداد ودمشق ومكة والمدينة.

وهذا شأن شعب فلسطين الذي فتح ذراعيه لجيوش عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة وأبو عبيدة بن الجراح بانضمامه للجيوش العربية الفاتحة ضد جيوش الروم الغاصبة. شعب فلسطين لم يكن في يوم من الأيام أنانيا ولا طامعا، ولا انعزاليا ولا كان متقاعسا. شعب فلسطين هذا درسه المستعمرون جيدا ودرسوا تاريخه وحاربوه بمعرفتهم الحقة به وله.. والانتقام منه هو انتقام من بابل نبوخذ نصر وآسر حدون، حين لبى البابليون دعوة الفلسطينيين من أهل جلدتهم لتخليصهم من فساد اليهود وتسلطهم الغجري.

هذا هو شعب فلسطين الذي امتزج تاريخه بتاريخ الآل العربي والإسلامي، وما كان يوما طامعا في سلطة محلية أو دولة إقليمية تخصه وحده دون أبناء جلدته. ولعل هذه الصفة هي التي حملت عز الدين القسام وسعيد العاص وفوزي القاوقجي وغيرهم من أبناء العروبة الذين امتزجت دماؤهم بالثرى الفلسطيني والذين تسلموا القيادة انطلاقا من إيمان شعب فلسطين بأن العروبة هي الرابطة الأقوى، وأن الإقليمية لا تشكل رابطة إلا على المستوى القبلي، وليس على مستوى أمة أو وطن. وهكذا يتصرف وسيبقى لا يفصل بين نفسه وقضايا أمته، الأمر الذي جعل الخطر على فلسطين خطرا على العرب والمسلمين، وازدهار فلسطين ازدهارا للعرب والمسلمين.

لقد أدرك الأعداء خطورة قومية الانتماء الفلسطيني فتضافرت كل الجهود المعربدة لعزل شعب فلسطين ونضاله، ولتقزيم تضحيات هذا الشعب بحيث لا تصل إلى المستوى المسموح به من قبل أمريكا والكيان الصهيوني ودول الغرب ومعهم بعض الأنظمة العربية المتخاذلة. فلقد سعوا إلى محاصرة الشعب الفلسطيني من خلال عزله عن محيطه العربي ومن ثم اقناع هذا الشعب بأنه وحيد في معركته وأنه لا صدى لتضحياته، وأنه لا جدوى من تمسكه بالانتماء للأمة العربية والوطن العربي.
كل ما نلمسه ونلحظه ونستطيع استكشافه يفيد بأن البحث عن عزل الشعب الفلسطيني يمثل استراتيجة ثابثة لدى الغرب والكيان الصهيوني وبعض العرب المتخاذلين. فحين يترك الشعب الفلسطيني وحيدا في كل معاركه من حروب وحصار وتهجير وقتل يكون القصد تبرئته من الانتماء، وارغامه على التقوقع والانعزال وتحويل الموت والجوع إلى سلاح بفتك بعواطف ومشاعر شعب فلسطين.
على كل حال لا نرى مايشير إلى أن الشعب الفلسطيني يئس لأنه أدرك أن العرب بواقعهم الراهن ليسوا سادة قرارهم لأنهم يعيشون في التيه الذي تمكنت الصهيونية عن طريق حلفائها الغربيين من خلق المتاهة التي تاه فيها العرب، ويصعب عليهم الخروج منها في زمن هو ليس بالزمن العربي. إن ماتشهده اليوم فلسطين خلال مسيرات العودة دليل على معرفتها بأنها ستبقى وحيدة في المعركة القومية تدافع عن الآمال القومية والاتجاهات الداعمة لهذه الآمال.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق