الأخبار البارزةمقالات وآراء

تزايد الاعتداءات الصهيونية ومحاولات تهويد المدينة المقدسة

ابراهيم أبوليل – خاص طريق القدس

منذ ظهور الحركة الصهيونية في العصر الحديث احتلت القدس قلب الصراع العربي الصهيوني، وذلك لما لها من مكانة دينية وحضارية لدى العرب والمسلمين من جهة أولى، ولما يُحدق بها من مخاطر تنطوي عليها الادعاءات الصهيونية الزائفة بوجود (هيكل سليمان) تحت الحرم القدسي الشريف من جهة ثانية. فقد شكلت القدس بؤرة الاستهداف الصهيوني التي بنيت عليها الادعاءات الزائفة والأكاذيب الباطلة، انطلاقاً من المفاهيم العنصرية والأساطير الصهيونية التي تدعو للعودة إلى المدينة المقدسة باعتبارها «أرض الميعاد»، من أجل تبرير الغاية الاستعمارية وإقامة المشروع الصهيوني في فلسطين. وما تتعرض له القدس وما فيها من مقدسات، هو الاستراتيجية الآيديولوجية الاستعمارية المتبعة في الكيان الصهيوني لمصادرة أراضيها وتهويدها تاريخياً وثقافياً.

ومنذ احتلال الأراضي الفلسطينية عام 1967 لم تتوقف محاولات الصهاينة في تهويد المدينة المقدسة ومعالمها الثقافية والحضارية، حيث تركز الاستيطان في الاتجاهات التي تشمل الأحياء العربية القديمة، أي في الجهات الشرقية والشمالية والجنوبية. وبعد أسبوعين فقط من احتلالها قامت سلطات الاحتلال بتوسيع الحدود الشرقية للمدينة بأكثر من عشرة أضعاف مساحتها قبل الاحتلال، من أجل خلق عمق جغرافي وحالة من التواصل مع المدن «الإسرائيلية» الأخرى، مستخدمين قوانين عنصرية لتحقيق استراتيجية التهويد والضم. ويؤكد مدير دائرة الخرائط في بيت الشرق خليل التفكجي من خلال صحيفة الأخبار اللبنانية بتاريخ 20 تشرين الأول 2014  أن سلطات الاحتلال الصهيوني أطلقت منذ احتلال القدس عشرات المشاريع الاستيطانية، أبرزها مشروع «القدس الكبرى 1967 ـ 2020» الذي تم تمديده حتى (2030)، ضمن خطة استراتيجية شاملة تستهدف هوية المدينة وتاريخها. ويهدف المشروع إلى جعل المدينة ذات أقلية عربية لا تتجاوز %12 مقابل أغلبية يهودية مطلقة تصل إلى %88، إضافة إلى ضبط عملية نموها وتحويلها إلى فسيفساء معزولة ومحاطة بالمستوطنات من جميع الجهات، ما يسهّل السيطرة عليها أمنياً واقتصادياً واجتماعياً. فقد بدأت سلطات الاحتلال بتوسيع حدود القدس من 6.5 كلم مربع إلى 72 كلم مربع، وكان غرض ذلك قضم الأراضي ونقلها من ملكية الفلسطينيين إلى «الإسرائيليين».

وتطبيقاً لسياسة الاحتلال تقوم حكومة الكيان الصهيوني بتهويد المواقع التاريخية والأماكن الدينية من خلال مشاريع سياحية تتضمن إجراءات وتغييرات جغرافية وتشويه للمعالم التاريخية العربية، من أجل تثبيت صورة مزيفة في أذهان السياح والمتنزهين وإعطائها وضعاً صهيونياً. وفي هذا السياق، أصدرت وزارة السياحة في الكيان الصهيوني خارطة سياحية جديدة للقدس المحتلة، نشرتها صحيفة هآرتس الإسرائيلية بتاريخ 4 نيسان 2016، تظهر عليها البؤر الاستيطانية في شرقي القدس ومحيطها على أنها «معالم سياحية»، مقابل تغييب المعالم الدينية التاريخية الإسلامية والمسيحية في القدس ونكران واقع المدينة الجغرافي والتعتيم عليه، حيث ضمت الخارطة 57 موقعاً أضفيت عليها صبغة صهيونية، ولم تُظهر سوى معلم إسلامي واحد وخمسة معالم مسيحية فقط، حيث جرى عرض المسجد الأقصى المبارك برسم يُظهر الشكل دون ذكر اسمه، ووضعت له تسمية (جبل الهيكل)، وجرت الإشارة إلى المصلى المرواني في الحرم القدسي الشريف على أنه (اسطبلات سليمان) لربطه بالهيكل المزعوم. وتعرض الوزارة على السياح زيارة هذه المواقع وتوزع الخرائط عليهم مجاناً، في إطار الجهود العبثية التي تبذلها الحكومة «الإسرائيلية» لتهويد القدس. وتقوم الحكومة بتقديم مساعدات تشجيعية للمستثمرين وأصحاب الأعمال التجارية، إضافة إلى حملات إعلامية ودعائية لجذب السياح إلى القدس وتثبيت صورة مزيفة في أذهانهم حول تاريخ المدينة المقدسة. فقد ارتفع عدد زيارات اليهود المتدينين إلى الحرم القدسي بـ%75 عام 2017 مقارنة بالعام 2016، وفقا لمعطيات منظمة «يرئيه» التي تشجع اليهود للحج إلى الحرم القدسي الشريف، وذلك بحسب صحيفة هآرتس الصادرة بتاريخ 2/1/2018.

إضافة إلى ذلك، تعمل منظمات يهودية إستيطانية على نقل ملكية بعض الأراضي إلى شركات «إسرائيلية» عملاقة، من خلال عمليات بيع تتم بأسلوب احترافي بوساطة شركات أوروبية وسيطة، مثل شركة «كورنتي» المملوكة في جزر العذراء البريطانية المعروفة بأنها ملجأ للشركات المتهربة من الضرائب، وشركة أخرى اسمها «أورانيم ليميتد» المسجلة في جزر الكايمن، وتتهرب من الضرائب. وتقوم هذه الشركات بعقد صفقات بيع أراضي وعقارات بين البطريركية اليونانية الأرثوذكسية وجهات «إسرائيلية» رسمية، من بينها (الصندوق القومي الإسرائيلي) و(سلطة أراضي إسرائيل). ويحرص القائمون على عمليات البيع أن يتموا الصفقات بهدوء وصمت، ثم تقوم الحكومة «الإسرائيلية» بعد فترة من الزمن بنقل هذه الملكيات إلى «ملكيات عامة»، حيث أشارت صحيفة هآرتس الإسرائيلية بتاريخ 5/9/2017 إلى أن اليهودية راحيل عزريا العضوة في حزب «كلنا»، تقدمت بمشروع قانون يقضي بنقل كل الأراضي التي كانت تعود للكنائس وبيعت لمستثمرين خاصين إلى السلطات «الإسرائيلية» مقابل تعويضات، وقد نشر رؤساء الكنائس في القدس تصريحاً استثنائياً تضمن رسالة احتجاجية على قرار «المحكمة المركزية الإسرائيلية» الذي يقضي بإقرار صفقات لشراء ثلاثة مبانٍ من البطرياركية اليونانية في القدس لصالح جمعية «عطيرت كوهانيم» المتطرفة، إثنان منها فندقا البتراء وإمبريال المحاذيان لباب الخليل، ويعتبران بسبب حجمهما وموقعهما عقارات استراتيجية ستسمح للجمعية المتطرفة بالتوسع في نشاطها في البلدة القديمة. وقد أثارت الصفقة عاصفة داخلية غير مسبوقة في الكنيسة اليونانية أدت في النهاية الى تنحية البطريارك السابق ايرينيوس.

وفي السياق ذاته، تعمل منظمات يهودية استيطانية يطلق عليها «ائتلاف منظمات الهيكل» على تنظيم حملات متكررة لاقتحام المسجد الأقصى، خلال المناسبات الدينية اليهودية مثل «عيد الفصح العبري»، وتقيم هذه المنظمات قبل الفصح في كل عام مهرجاناً تهويدياً كبيراً يدعى نشاط «قرابين الفصح»، لتدريب اليهود على كيفية تقديم «القرابين داخل الهيكل» بإشراف «معهد الهيكل الثالث». واستبقت محكمة الصلح «الإسرائيلية» الفصح اليهودي للعام الحالي 2018، بإصدار حكم يجيز لليهود الصلاة في باحات المسجد الأقصى، مدعية بأن «حقهم في ذلك لا يقل عن حق العرب». وعليه فقد علّقت «منظمات الهيكل»، بيانات ولافتات تحذيرية على أبواب الأقصى، تطالب أهل القدس بإفراغ المسجد يوم الجمعة 30 آذار2018 لما يسمى يوم «الأبكار التوراتي» اليهودي، الذي يسبق يوم «الفصح العبري»، وذلك لتنفيذ القرابين .وقد سمحت سلطات الاحتلال الإسرائيلي لجماعة «أمناء جبل الهيكل» المتطرفة وللمرة الأولى، بذبح «قربان عيد الفصح» قريباً من مداخل المسجد الأقصى، فيما أقامت الجمعيات اليهودية المتطرفة بمناسبة «عيد الفصح العبري»، احتفالات وطقوس تلمودية في منطقة القصور الأموية المتاخمة لساحة حائط البراق، على بعد أمتار من المسجد الأقصى جنوباً، بحضور مدير معهد «الهيكل الثالث»، وبدعم من الحكومة «الإسرائيلية».

ومن مخاطر استمرار سلطات الاحتلال في التهويد والاستيطان في القدس، إنشاء حركة سياسية جديدة في الكيان الصهيوني، تطلق على نفسها اسم «حركة إنقاذ القدس اليهودية» عن طريق إيجاد حلول لـ«المعضلة الديموغرافية»، أي معضلة القرى والأحياء العربية في القدس وحولها، حيث أدى إنشاء هذه الحركة إلى تسريع مشاريع استيطانية كثيرة شرقي القدس ومحيطها. وترفع هذه الحركة شعار أن «مسألة إنقاذ القدس مسألة يهودية صرفة» لا تتعلق ببرامج الحكومات «الإسرائيلية»، وإنما بمستقبل اليهود في فلسطين. وتلقى هذه السياسات دعماً كبيراً من النخب القيادية في الكيان الصهيوني، الذين يعتبرون القدس «المركز السياسي- الديني الأهم لليهود»، أمثال دوري غولد المدير العام لوزارة الخارجية «الإسرائيلية»، كما تلقى هذه السياسات تأييد الولايات المتحدة في ظل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي أعلن بتاريخ 6/12/2017  عن عزمه نقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى القدس المحتلة، مؤكداً اعترافه بالقدس عاصمة لـ«إسرائيل»، ومطلقاً العنان لسلطات الاحتلال لمواصلة الاستيطان وتمرير مخططات التهويد والضم.

خلاصة القول، أن استمرار سلطات الاحتلال الصهيوني في تنفيذ مخططات التهويد في القدس، يشكل تهديداً لمستقبل المنطقة برمتها. كما أن لافتتاح السفارة الأمريكية في القدس هو نقطة تحول كبرى في الصراع مع المشروع الصهيوني. ذلك أن القدس منذ البداية كانت عنواناً لهذا الصراع وستبقى عنواناً لوحدة الأمة. فهي معيار لكل فعل سياسي عربي وإسلامي، وهي مقياس لمعاداة الظلم ومقاومة الاحتلال الصهيوني الغاشم.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق