دراسات

الجبهة الداخلية ومكونات المناعة القومية

عوزي روبين: باحث في مركز بيغن – السادات للدراسات الإستراتيجية، وهو متخصص في المنظومات المضادة للصواريخ.

 

الجبهة الأمامية والجبهة الداخلية في حروب العصر الحديث

في نظرية الحرب على النحو الذي تمت بلورته في أوروبا منذ صلح وستفاليا (1648) تم الفصل بشكل واضح بين القوات المقاتلة وبين السكان المدنيين. وخلال الحروب بين ملوك أوروبا منذ صلح وستفاليا وحتى الثورة الفرنسية، كانت القوات العسكرية التابعة للحكام تعتمد على جنود متطوعين كانت الحرب مهنتهم ومصدر رزقهم. وكانت رواتبهم، وعتادهم العسكري ومؤنتهم من الغذاء تأتي جميعها من ميزانية المملكة، وتقدَّم من المتعهدين (المقاولين) والأجهزة البيروقراطية في المملكة. ولم يكن السكان المدنيون على علاقة بالحرب (إلا في الحالات التي كانت تجد فيها نفسها متورطة في ذلك رغماً عنها، مثل سكان مدينة ما كانت تتعرض للحصار). وقد رأت نظرية الحرب، في الفترة نفسها، أنه طالما لم يكن السكان المدنيون متورطين في الحرب فإنهم يتمتعون بالحصانة من أي ضرر قد يلحق بأرواحهم أو بممتلكاتهم من جانب الجيش المعادي. وعلى الرغم من الخروقات الكثيرة لمبدأ الفصل هذا فقد سُجلت العديد من الحالات التي تمت فيها معاقبة جنود بشكل قاسٍ جداً، وحتى أنه تم إعدام بعضهم وذلك لقيامهم بمهاجمة ونهب السكان المدنيين.

 

وقد كان مبدأ الفصل نفعياً بما لا يقل عن كونه أخلاقياً. فمن جهة أولى كان السكان المدنيون (الذين كانت غالبيتهم العظمى مكونة من الفلاحين) كانوا مصدر غنى الدولة، ومن جهة ثانية هم لم يشكلوا مكوناً في الحرب باستثناء بيع مستلزمات الغذاء لمتعهدي التموين للجيوش المتحاربة – وحتى لتلك التابعة للعدو. وبذلك فقد كانت مصلحة الطرفين هي في الامتناع عن إلحاق الضرر بالقطاع المنتج للغذاء حتى خلال الحرب.

 

هذه الرؤية تغيرت إلى درجة كبيرة خلال الثورة الفرنسية (1789)، وفي سلسلة الحروب الأوروبية التي أتت في أعقابها. وكان التجديد الأبرز في تلك الفترة هو “الأمة المسلحة” (Nation in arms)، أي الانتقال إلى الجيوش الكبيرة التي تعتمد على التجنيد الإجباري. وأصبح السكان المدنيون الذين كانوا حتى ذلك الوقت، كما سبق القول، مصدراً لتزويد الغذاء فقط أصبحوا مصدراً للقوة البشرية العسكرية. وعلاوة على ذلك: حرب العصابات التي شنها الأسبان ضد الفرنسي الغازي (1807) وضعت السكان المدنيين، للمرة الأولى منذ حروب العالم القديم، في مواجهة عسكرية مباشرة ضد الجيوش النظامية. وبدأت بذلك مسيرة تحطيم مبدأ الفصل بين الجيش وبين السكان المدنيين. وقد تسارعت هذه المسيرة في أعقاب الثورة الصناعية وحروب العصر الصناعي، وبشكل خاص، الحرب العالمية الأولى. وقد تطلبت مكننة الحرب الإنتاج الضخم للأسلحة المعقدة والتي تم تقديمها من خطوط إنتاج تتطلب وجود عمال مدنيين في مصانع الطرفين المتحاربين. وتطلب الصمود في المعركة، هذا دون الحديث عن الانتصار فيها، إمداداً مستمراً بالعتاد الحربي من خطوط الإنتاج إلى الجبهة – أي الارتباط بالآلات وبالمدنيين الذين ينتجون كل “سلسلة الغذاء” للتسليح الحديث: التعدين وتضيع المواد الخام ونقلها إلى المصانع، وتشغيل خطوط الإنتاج في المصانع، ونقل المنتجات الجاهزة من المصانع في عمق الدولة إلى جبهات القتال. وتحولت الحرب بذلك إلى “حرب شاملة”، و”سلسلة الغذاء” التسليحية بكل ما فيها من منشآت صناعية، وآليات النقل ومعاملها المدنية، تحولت إلى أهداف مناسبة يمكن أن يمنح استهدافها فائدة عسكرية. وبالفعل، بدأت في الحرب العالمية الأولى الهجمات المباشرة الأولى التي قام بها الطرفان ضد السكان المدنيين في عمق الطرف الآخر، وذلك بواسطة القوات الجوية التي كانت قد تم اختراعها للتو. وأصبح السكان المدنيون في الجبهة الداخلية، الذين كانوا حتى ذلك الوقت محصنين في وجه الهجمات المباشرة، أصبحوا منذ الآن مشاركين سلبيين في النشاط الحربي نفسه.

 

وبالإضافة إلى جبهة القتال (الأمامية) التي تصادمت فيها القوات العسكرية بشكل مباشر مقابل بعضها البعض، ظهرت جبهة جديدة قامت فيها القوات العسكرية بمهاجمة السكان والبنى التحتية المدنية بعيداً على ساحات المعارك. وتسمى هذه الجبهة الجديدة اليوم “الجبهة المدنية” أو “الجبهة الخلفية” (وهي ترجمة غير موفقة جداً للمصطلح الإنكليزي The home front). وإذا ما كان الانتصار في المعركة، حتى العصر الحديث، يتطلب بالضرورة هزيمة القوة العسكرية المعادية في جبهة القتال، فإنه أصبح من الممكن الآن التفكير بالانتصار على العدو ليس فقط عن طريق هزيمته في جبهات القتال بل أيضاً في “الجبهة المدنية” الموجودة في عمق أراضيه[1].

 

وكان أحد الفلاسفة الأوائل الذين رفعوا راية هزيمة العدو عن طريق ضرب وهزيمة الجبهة المدنية، كان الجنرال الإيطالي جيليو دوهيه (Giulio Douhet). ففي كتابه “القصف الإستراتيجي” الذي ألفه عام 1921 ونُشر بعد الحرب العالمية الأولى فوراً، والتي سقط فيها ملايين الشهداء، والدمار الاجتماعي والاقتصادي الذي تسببت به لغالبية الدول التي شاركت فيها، قال الجنرال جيليو دوهيه إن قصف السكان المدنيين التابعين للعدو تمت ترجمته إلى إنهيار في الروح المعنوية، وإلى ذعر بين الناس، وإلى إنهيار النظام الاجتماعي، وإلى ضغط شعبي على الحكومة للاستسلام بسرعة من أجل وقف القصف. وبهذا الشكل يكون بالإمكان، حسب رأي دوهيه، تحقيق النصر بسرعة بحيث يكون “موفراً” لكلا الطرفين، ويحول دون وقوع الكارثة الإنسانية والاقتصادية المرتبطة بالحرب الشاملة في العصر الصناعي.

 

لقد تردد صدى أقوال الجنرال دوهيه في عدد من الدول الغربية، وبخاصة في ألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية. وتم في الدولتين الأخيرتين استخدام نظرية دوهيه كأساس فكري لإقامة قوة من القاذفات الإستراتيجية الحقيقية التي كان يجب أن تسم الحرب بقواها الذاتية (كما أن ألمانيا النازية قد أقامت قوة من القاذفات، إلا أنها اكتفت بالقاذفات قصيرة المدى نسبياً لأن هتلر وقيادة جيشه اعتقدوا أن المهمة الرئيسية لسلاح الجو هي تقديم الدعم في المعركة البرية).

 

وقد اتضح منذ الحرب الأهلية في أسبانيا، وفي المراحل الأولى من الحرب العالمية الثانية، أن مهاجمة المدن من الجو لا تؤدي إلى النتائج التي توقعها الجنرال دوهيه، ولا تخلق الذعر بين السكان والضغط من أجل الاستسلام – ليس بشكل فوري على الأقل – وأن مهاجمة الجبهة المدنية لا تشكل وصفه لحرب “موفرة”. ومع ذلك فإن دول الغرب كانت تؤمن بأن الهجمات ضد السكان المدنيين وضد البنى التحتية الصناعية في ألمانيا النازية واليابان ستؤدي إلى تعطيل قدرة الجبهة الداخلية – المدنية على رفد المعركة في الجبهات الأمامية العسكرية. وعليه تبنت تلك الدول (وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية) نهج الغارات الإستراتيجية المكثفة والتي أدت إلى خراب المدن والبنى التحتية الصناعية في كل من ألمانيا واليابان، بما في ذلك استخدام السلاح النووي (في اليابان). ومع ذلك، لم تكن النتائج حاسمة، ولا زال السؤال حول ما إذا كانت المعركة الجوية الإستراتيجية هي التي أدت إلى هزيمة ألمانيا واليابان، لا زال موضع خلاف إلى يومنا هذا. وعلاوة على ذلك فإن الهجوم المتعمد ضد السكان المدنيين تعارض مع المعايير الغربية التي يبلغ عمرها مئات السنين والتي تقوم على الفصل بين المحاربين والسكان المدنيين ومنح الحصانة للمدنيين غير المتورطين (في المعارك)، وأدى إلى ارتباك في أوساط الزعامات القومية في كل من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية. وقد وصلت هذه المعضلة المبدئية لتجد تعبيراً علنياً عنها بعد قصف مدينة درسدن في مراحل الحرب الأخيرة، وبشكل أكبر من ذلك بعد قصف هيروشيما وناغازاكي بالسلاح النووي. وتم في أعقاب ذلك، عام 1949، التوقيع على معاهدة جنيف الرابعة (انضمت إسرائيل إلى هذه المعاهدة في عام 1951). ولم تَحُل قواعد وقوانين الحرب هذه دون قيام كل الأطراف المتحاربة، منذ ذلك الوقت، بتوجيه ضربات متعمدة للسكان المدنيين غير المتورطين في الحرب، إلا أن فعاليتها زادت مع مرور الوقت في مجال النظرة العامة وفي مجال القانون الدولي، وبخاصة عندما يدور الحديث عن الدول الغربية، وهي قد  اُرسيت بشكل صريح في معاهدة روما وفي التفويض الذي مُنح لمحكمة العدل الدولية الجزائية في لاهاي.

 

لقد كان الأمل الرئيسي الذي عقده واضعو مهاجمة السكان المدنيين والبنى التحتية كجهد حربي رئيسي، كان ينصب على المجال النفسي، أي توجيه ضربة إلى إرادة القتال لدى العدو. وعندما لم يتناسب الواقع مع أملهم هذا، تم حرف الهدف من المجال النفسي إلى المجال المادي، وقام كل واحد من الطرفين بمهاجمة الطرف الآخر بهدف ضرب قدرته على القتال. وفي حروب إسرائيل أيضاً، تراوحت الأهداف بين المجال النفسي والمجال المادي، كما سنرى ذلك في مايلي.

 

الجبهة الداخلية في حروب إسرائيل

لقد بدأت حرب التحرير في أواخر عام 1947 وذلك كصراع بين مجموعتين سكانيتين، ودارت أولاً في الجبهة الداخلية فقط، وذلك على شكل اضطرابات ومذابح وهجمات إرهابية. وتدريجياً، ومع إقامة قوات عسكرية غير رسمية لدى كل من الطرفين، تفاقمت الحرب وأخذت طابع الحرب الشاملة الحديثة الذي تبلور مع ظهور الجيوش النظامية (الجيش الإسرائيلي والجيوش العربية) في ميدان المعركة بعد إعلان الدولة. لقد كان هدف الحرب بالنسبة للجيوش العربية من خلال غزوها لإسرائيل بعد الإعلان عن الاستقلال، كان هزيمة قوة إسرائيل العسكرية واحتلال القسم الذي خصص لها في قرار الأمم المتحدة الصادر في تشرين / نوفمبر 1947، وكذلك إلقضاء على وجود إسرائيل. بين الإعلان عن قيام الدولة عام 1948، وبين اتفاقات وقف إطلاق النار عام 1949، دارت الحرب بشكل رئيسي كحرب بين الجيوش. وقد حدثت خلال هذه الحرب فعلاً هجمات على التجمعات السكنية المدنية، وبخاصة الهجمات المصرية على تل أبيب، إلا أنها شكلت جهداً ثانوياً ذو طابع استعراضي فقط.

 

أما حروب إسرائيل التالية – سيناء وحرب الأيام الستة وحرب الاستنزاف وحرب يوم الغفران فقد كانت بشكل واضح حروباً على الجبهة العسكرية وليست على الجبهة المدنية. وكانت حرب سيناء عملية بادرت إليها إسرائيل من أجل هزيمة الجيش المصري في سيناء وفتح مضائق تيران في وجه الملاحة الإسرائيلية. أما حرب الأيام الستة فقد اندلعت بعد أن قامت مصر بنشر قواتها في سيناء، وكانت أيضاً على وشك نشرها في الأردن، وهو الوضع الذي شكل تهديداً على قدرة الجيش الإسرائيلي في الدفاع عن الدولة في وجه أي هجوم مشترك لجيوش كل من مصر والأردن وأية دولة عربية أخرى كانت ترغب بالانضمام إليهما. وعلى الرغم من أنه كانت هناك عدة هجمات على الجبهة الداخلية الإسرائيلية في بداية الحرب (قصف نتانيا من قبل سلاح الجو العراقي، وقصف القدس وتل أبيب من قبل المدفعية الأردنية)، فقد كانت هذه الحرب في معظمها حرباً بين جيوش، لم تقم خلالها إسرائيل أو الدول العربية بمهاجمة الجبهة الداخلية للطرف الثاني.

 

وكانت حرب الاستنزاف حرب نيران متناظرة بين الجيشين الإسرائيل والمصري، والتي حدث خلالها فاصل زمني قصير نسبياً من الهجمات الإسرائيلية على البنى التحتية في عمق الأراضي المصرية، والتي توقفت في أعقاب خسائر كبيرة بين صفوف المدنيين إثر الهجوم الذي استهدف مصنع في أبو زعبل. أما حرب يوم الغفران قد بدأت بمحاولة مصرية، لم تكلل بالنجاح، لمهاجمة تل أبيب بصواريخ مجنحة، إلا أن هذه الحرب أيضاً، دارت في معظمها كحرب بين جيوش ولم تشتمل على هجمات جدية على الجبهة الداخلية المدنية. وكذلك الحال، فإن ما نُظر إليه في بداية الحرب على أنه هجوم صاروخي سوري ضد التجمعات المدنية الإسرائيلية في “عيمك يزراعيل” (مرج ابن عامر) كان عملياً هجوماً على هدف عسكري واضح (قاعدة سلاح الجو في رامات دافيد). وقد استهدف الرد الإسرائيلي والانتقامي أهدافاً عسكرية في دمشق، ولم يتسبب بخسائر كبيرة في أوساط السكان المدنيين.

 

وفي موازاة حرب إسرائيل الرئيسية، التي دارت على الجبهة العسكرية، تطورت حرب متواصلة على الجبهة المدنية على شكل هجمات إرهابية ضد الجبهة الداخلية الإسرائيلية. وقد بدأت هذه الحرب فور انتهاء حرب الاستقلال على شكل عمليات إرهابية متفرقة ضد بعض المستوطنات وضد المواصلات العامة (مثل مذبحة معاليه عكرافيم في آذار / مارس 1954)، وتعززت لتصبح حرباً إرهابية متواصلة من قطاع غزة، ومن الأردن، والتي استهدفت المستوطنات المدنية في عمق الدولة وحتى ضواحي تل أبيب وسميت “هجمات الفدائيين”. وقد أعلنت حركة فتح، التي أقيمت عام 1957، ومنظمات فلسطينية أخرى، عن “الكفاح المسلح” ضد إسرائيل الذي تجلى في علميات في المستوطنات وخلّف عشرات المصابين بين السكان المدنيين. وقد ارتقى “الكفاح المسلح” مرحلة أخرى وذلك بعد إقامة “منظمة التحرير الفلسطينية” عام 1964، الأمر الذي حفز حركة فتح (وهي المنظمة العسكرية الفلسطينية الرئيسية) للبدء بمعركة إرهابية خاصة بها ضد المدنيين والبنى التحتية (كانت العملية الأولى التي قامت بها الحركة محاولة تفجير محطة ضخ المياه الخاصة بخط نقل المياه القُطري). وبعد حرب الأيام الستة تمركزت منظمة فتح، بالإضافة إلى منظمات فلسطينية أخرى في الأردن، وبدأت بحرب استنزاف ضد المستوطنات الإسرائيلية في غور بيسان. وتم في حرب الاستنزاف هذه، للمرة الأولى، إطلاق صواريخ غراد باتجاه المستوطنات المدنية الإسرائيلية. وبعد طرد فتح من الأردن، بعد أحداث أيلول / سبتمبر 1970، تمركزت المنظمة في لبنان وبدأت بهجوم بالصواريخ على مستوطنات الجليل – وردت إسرائيل على ذلك بعمليات عسكرية – عملية الليطاني عام 1978، وعملية سلامة الجليل (التي افتتحت حرب لبنان الأولى) عام 1982. الأولى جاءت بهدف ردع منظمة التحرير الفلسطينية، والأخيرة بهدف السيطرة على المناطق التي تطلق منها الصواريخ (“خط الأربعين كيلومتر”).

 

والهدوء الذي تم تحقيقه بعد طرد منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان وصل إلى نهايته في عام 1985 عندما استأنف حزب الله، وهو ذراع الحرس الثوري الإيراني، الهجمة الصاروخية المدمرة على مستوطنات الجليل. وقد ردت إسرائيل بالقيام بهجومين على جنوب لبنان – عملية “تصفية الحساب” عام 1993، وعملية “عناقيد الغضب” عام 1996- واللتين كان هدفهما خلق ضغط غير مباشر على حزب الله لوقف إطلاق النار. ولم يدفع هذان الهجومان حزب الله إلى النتيجة المرجوة واستمر إطلاق الصواريخ على شمال إسرائيل، بل وازدادت قوته ومداه. وقد هدأت نيران الصواريخ (إلا أنها لم تتوقف بشكل كامل) وذلك بعد انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان. وتم الرد على الهجوم الإسرائيلي، في أعقاب اختطاف جنديين من الجيش الإسرائيلي على يد حزب الله في شهر تموز / يوليو 2006، بإطلاق صواريخ من قبل حزب الله والذي كان هذه المرة غير مسبوق من حيث قوته ومداه واستمراره على مستوطنات وعلى مدن شمال الدولة (حرب لبنان الثانية).

 

كما فُتحت جبهة جديدة لإطلاق الصواريخ على إسرائيل من جنوب الدولة في عام 2001عندما قامت حماس في غزة بتطوير قدرات لإنتاج الصواريخ البدائية وإطلاقها باتجاه المستوطنات المحيطة بالقطاع. وقد تعاظم هجوم الصواريخ على جنوب الدولة، وتعزز، سواء لجهة وتيرة النيران أو لجهة مدى الإطلاق، والتي غطت مستوطنات ومدناً، في جنوب الدولة، بشكل متزايد. وقد بذل الجيش الإسرائيلي جهوداً للقضاء على الرمايات الصاروخية عن طريق القيام بعمليات عسكرية داخل قطاع عزة، وهي الجهود التي لم تؤدِ إلى وقف عمليات الإطلاق. وبعد الانفصال عن غزة عام 2005، وبخاصة بعد أن سيطرت حماس على الحكم في القطاع (2007)، ازدادت الرمايات وتعاظمت. وقد ردت إسرائيل بعمليات هجومية (عملية “الرصاص المصهور” 9 / 2008، وعملة “عامود السحاب” في 2012، وعملية “الجرف الصامد” عام 2014)، بالإضافة إلى خطوة دفاعية عن طريق نشر منظومات صواريخ مضادة للصواريخ والتي صدت القسم الرئيسي من رمايات الصواريخ خلال العمليتين الأخيرتين.

 

ويتضح من هذا الاستعراض أن حرب يوم الغفران شكلت خطاً فاصلاً في خصائص حروب إسرائيل. فحتى حرب يوم الغفران (ضمناً)، كانت حروب إسرائيل بشكل أساسي حروب جيش مقابل جيش، واحتلت مهاجمة الجبهة الداخلية المدنية لدى كل من الطرفين مكاناً هامشياً في الجهد العسكري. وشكلت حرب يوم الغفران، والسلام مع مصر الذي جاء بعد ذلك، علامة بارزة على الانتقال من الحرب بين الجيوش التابعة لدول ضد الجيش الإسرائيلي إلى حرب تنظيمات ليست بدولة ضد الجبهة الداخلية الإسرائيلية. والأسباب الرئيسية لذلك هي التغيرات التي طرأت على المنطقة: السلام مع مصر الذي وضع حداً لتهديد الجيش المصري ومعه تهديد الجبهة الغربية، كما أن حرب الخليج الأولى عام 1991 وحرب العراق الثانية عام 2003 أزالتا تهديد الجبهة الشرقية بقيادة سوريا. وفي الوقت نفسه أدى ظهور الجمهورية الإسلامية الإيرانية كعدو رئيسي لإسرائيل وتأييدها للتنظيمات (التي ليست بدولة) إلى تطور نظرية جديدة للمواجهة غير المباشرة مع المجتمع الإسرائيلي بدلاً من المواجهة المباشرة ضد قوة الجيش الإسرائيلي. وسنتحدث في ما بعد حول أسس هذه النظرية.

 

الجبهة الداخلية كمركز للمعركة ضد إسرائيل

إن الدوافع التي تقف وراء الصراع بين الحركة الصهيونية – وبعد ذلك بين دولة إسرائيل – وبين الدول والمنظمات العربية والإسلامية الذي بدأ بعد وعد بلفور واستمر إلى اليوم (حوالي مائة عام) هي دوافع مركبة، إلا أنه يوجد في أساسها عامل مشترك واحد: رفض قيام دولة إسرائيل بوصفها الدولة القومية للشعب اليهودي[2]. وحتى إقامة الدولة، حاول الجانب الآخر منع إقامة كيان لدولة يهودية في أرض إسرائيل، وهو يتطلع منذ ذلك الوقت إلى إعادة العجلة إلى الوراء وإلغاء إقامة الكيان السياسي اليهودي. وقد مرت الإستراتيجية لتحقيق هذا الهدف بعدة صور: من الصراع بين المجتمعين في عشرينيات وثلاثينيات القرن المنصرم إلى حرب بين جيوش نظامية بالإضافة على معارك إرهابية ضد سكان إسرائيل. ومنذ اللحظة التي اتضح فيها أن الإستراتيجية المباشرة للحرب ضد قوة الجيش الإسرائيلي لم تُفضِ إلى النتيجة المرغوبة توجهت الجهات المعادية في العصر الراهن – إيران والمنظمات التابعة لها – للإستراتيجية غير المباشرة القائمة على المعركة ضد الجبهة الداخلية المدنية وذلك كأداة رئيسية من بين صندوق أدوات الصراع ضد استمرار وجود إسرائيل[3].

 

والمنطق القائم في نظرية الجبهة الداخلية المدنية كجبهة أساسية للمعركة ضد إسرائيل يرد تفصيله في عدد كبير من التصريحات لزعماء الجبهة الراديكالية – إيران وحزب الله وحماس. وحسب رؤيتهم يوجد لإسرائيل نقطتا ضعف:

أ- المجتمع الإسرائيلي (مثل المجتمع الغربي كله) هو مجتمع رخاء ورفاهية، الذي تتعبه الحروب، وعتبة قوة صمود مواطنيه متدنية. كما أن المجتمع الإسرائيلي هو مجتمع مهاجرين منقسم، ويغص بالنزاعات، وعدم متماسك. ومواطنو إسرائيل حساسون لحياة الإنسان وغير مستعدين للحرب وللتضحية بالحياة من أجل الدفاع عن مصالحهم (نظرية “خيوط العنكبوت”).

ب- إن مساحة إسرائيل صغيرة ولا يوجد لها عمق إستراتيجي يمكنه أن يُستخدم كملاذ آمن في زمن الحرب. وما ينجم عن ذلك هو أن كل السكان المدنيين في إسرائيل هم مكشوفون للهجوم  في أي وقت.

 

وعليه فإن الاستغلال الصحيح لنقطتي الضعف هاتين يمكن أن يؤدي، مع مرور الزمن، إلى خبو دولة إسرائيل وإلى انتهاء وجودها ككيان سياسي. وبمصطلحات التحليل الذي أوردناه في بداية المقال، فإن أمل إيران والمنظمات التابعة لها من إستراتيجية مهاجمة العمق هو تحقيق الحسم في مجال الوعي.

 

إن خارطة الطريق للقضاء على وجود دولة إسرائيل قد وُضعت منذ وقت ليس بالبعيد على يد علي خامنئي، الحاكم الأعلى في إيران، وذلك في النسخة المعدلة لكتابة “فلسطين” الذي يضم مجموعة من المختارات لخطبه حول إسرائيل[4]. ويقول خامنئي منذ البداية أن خطته لا تستند إلى العداء للسامية الذي هو “اختراع أوروبي”. والقضاء على وجود إسرائيل لن يكون عن طريق “الحرب الكلاسيكية”، ولا عن طريق مذبحة جماعية، بل عن طريق حرب متواصلة ذات وتيرة متدنية والتي تجعل حياة غالبية اليهود في إسرائيل حياة لا تطاق وتحفّزهم على مغادرة البلاد. وعندما يبدأ اليهود بالمغادرة يتوقف دعم الغرب، وبخاصة دعم الولايات المتحدة الأمريكية لإسرائيل. ويبدأ “الضجر من إسرائيل” بالظهور في المجتمع الدولي، وسيدفع خبو دولة إسرائيل للبحث على حل بديل. وبعد أن تغادر غالبية اليهود إسرائيل (والتي سيبقى فيها فقط أولئك “الذين توجد لهم جذور في الشرق الأوسط”) وتتوقف الدولة عن الوجود، تجري انتخابات برعاية الأمم المتحدة والتي يشارك فيها اليهود الذين يبقون في البلاد، وكذلك الفلسطينيون في كل أماكن تواجدهم، وستعلن الحكومة التي ستُقام عن إنشاء دولة جديدة باسم “فلسطين” يقيم من تبقى من اليهود كأقلية محمية فيها.

 

إن المفتاح لتحقيق نبوءة الخامنئي لا يمكن إذاً في هزيمة الجيش الإسرائيلي بل في كسر إرادة السكان في إسرائيل عن طريق الاستنزاف والحاق الخسائر بهم. ونقطة الانطلاق لهذه النظرية هي، كما سبق القول، الإيمان بأن المجتمع الإسرائيلي ضعيف ولا يمتلك المناعة المدنية، وفق أقوال حسن نصر الله في “خطاب خيوط العنكبوت”، الذي ألقاه في 26 / 5 / 2000، والذي قال فيه إنه يدعو الفلسطينيين ليفرضوا على الغزاة الصهاينة العودة إلى الأماكن التي جاؤوا منها”. وحسب أقواله: “… من أجل تحرير أرضكم، لستم بحاجة إلى دبابات، ولا إلى توازن إستراتيجي، ولا إلى الصواريخ والمدافع، بل على طريقة الإستشهاديين السابقين الذين هزوا الكيان الصهيوني الغاصب. أنتم أيها الفلسطينيون المظلومون والعزل والمحاصرون، يمكنكم أن تفرضوا على الغزاة الصهاينة أن يعودوا من حيث أتوا. فليذهب الفالاشا إلى إثيوبيا، وليعد اليهود الروس إلى روسيا. الخيار عندكم، والنموذج ماثل أمام أعينكم: المقاومة الصادقة والجادة يمكنها أن تصنع لكم فجر الحرية. يا إخواننا وأحبائنا في فلسطين، أقول لكم: إن إسرائيل هذه التي تملك أسلحة نووية وأقوى سلاح جو في المنطقة هي عملياً أوهن من بيت العنكبوت”

 

وبكلمات أخرى: ليست هناك حاجة (ولا يوجد مبرر) للسعي لهزيمة الجيش الإسرائيلي. وكل ماهو مطلوب هو إضعاف السكان في إسرائيل واستنزافهم إلى أن تُكسر قوة إرادتهم. وهذا هو أسلوب مشابه لأسلوب جيليو دوهيه، في إستراتيجية الحسم النفسي وليس الحسم المادي. وعلى الرغم من أن محاولات الحسم النفسي لم تنجح حتى الآن فإنه من المريح للعدو أن يؤمن بها، وهو يستعد بما ينسجم مع ذلك، على النحو الذي سنعرضه في ما يلي.

 

الإستراتيجية الجديدة لهزيمة إسرائيل

كيف يستعد الطرف الثاني لتحقيق نبوءة “خيوط العنكبوت”؟ من أجل توضيح هذه القضية يجب استعراض نظرية الحرب الجديدة التي تم تطويرها من قبل إيران بعد الثورة الإسلامية. هذه النظرية تسمى من قبل العميد ايتاي برون وكرميت فيلنسي بـ “انقلاب في الشؤون العسكرية للمحور الراديكالي”[5]. وجاءت هذه النظرية في الأساس بهدف الرد على التفوق التكنولوجي للجيوش الغربية، ومن أجل تحقيق النصر في المعركة عن طريق استغلال نقاط الضعف لدى العدو الغربي – بما في ذلك الحساسية للخسائر – إلى جانب استغلال تفوق المجتمعات الشرقية (كما يُنظر إلى ذلك من قبلهم) مثل الإصرار والنفس الطويل وعدم حساسيتها للخسائر. والخاصة الرئيسية التي تميز النظرية الجديدة هي الانتقال من إستراتيجية الحسم إلى إستراتيجية الاستنزاف، والتي يوجد فيها وزن حاسم للتسبب بعدد كبير من الخسائر في أوساط قوات الجيش، وفي أوساط المدنيين، لدى العدو.

 

لقد اشتق تنظيم حزب الله، وذهبت التنظيمات الفلسطينية الموجودة في غزة في أثره، اشتق من هذه النظرية إستراتيجية محدودة ضد إسرائيل، والتي توصف من جانب حسن نصر الله على النحو التالي: “إن هذه نظرية قتال جديدة لا يوجد شبيه لها، وهي تجمع ما بين الجيش النظامي وحرب العصابات ” – أو وفق ما يسميها الكثيرون في منطقتنا – “الحرب الهجينة”. وهي التي ذُكرت خصائصها من قبل العميد ايتاي برون في مؤتمر الليطرون الذي انعقد عام 2008، وفي مؤتمرات أخرى، وهي:

1- زيادة الخسائر الإسرائيلية إلى الحد الأعظمي وذلك عن طريق مهاجمة الجبهة الداخلية، وبشكل خاص (ولكن الأمر لا يقتصر على ذلك) بواسطة الصواريخ. ومهاجمة الجبهة الداخلية ستحفز إسرائيل على القيام بعملية برية، والتي ستدخل في مواجهة مع تشكيلات دفاعية كثيفة، حيث ستقع خسائر كبيرة في أوساط الجنود الإسرائيليين – أي زيادة الخسائر المدنية بهدف التسبب بوقوع خسائر عسكرية. وحسب أقوال حسن نصر الله في حرب لبنان الثانية: إن إنجاز حزب الله لا يقاس وفق الكيلومترات المربعة التي حال دون احتلالها بل وفق عدد الجنود الإسرائيليين القتلى.

2- إن مهاجمة الجبهة الداخلية (الإسرائيلية) ستتم من “السكان إلى السكان”، أي إطلاق الصواريخ من قلب التجمعات السكانية في لبنان وغزة إلى التجمعات السكانية في إسرائيل. وبكلمات أخرى: لقد فُرض على السكان المدنيين في الجانب المهاجم دور الدروع البشرية لحماية وسائط الهجوم، وذلك من خلال الافتراض أن الهجمات الإسرائيلية المضادة ستؤدي إلى وقوع إصابات بين المدنيين، وبذلك إلى سحب الشرعية عن العملية العسكرية الإسرائيلية وتقييد يدي الجيش الإسرائيلي بما ينسجم مع ذلك.

3- وحتى تكون هذه الإستراتيجية مجدية فإنه يجب بناء ونشر القوة المهاجمة لتكون قادرة على الصمود أقصى فترة ممكنة في وجه الهجمات المضادة التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي، وإعداد كميات كبيرة من احتياطات الذخائر، وبناء طرق تموين سرية، وقادرة على الصمود، من مستودعات الذخائر إلى نقاط الإطلاق.

4- ليس هناك أهمية بالنسبة لعنصر الزمن من ناحية الطرف المهاجم، وهو لا يتوقع تحقيق النتيجة المأمولة في جولة قتال واحدة. والمهاجم لا يعترف بالسقوط أو بالفشل، وكل عملية عسكرية له يتم وصفها على أنها انتصار بدون علاقة بنتائجها. والانتصار يحدَّد بمجرد القدرة على الاستمرار والقتال بدون علاقة بالإنجازات في الواقع.

 

يعلم العدو جيداً أن هذه الإستراتيجية تتعارض مع المعايير الغربية ومع القانون الدولي (معاهدة جنيف الرابعة وميثاق روما) إلا أنه لا يرى في ذلك عقبة. بل العكس هو الصحيح، ذلك أن جزءاً لا يتجزأ من إستراتيجية الخصم يقوم على استغلال المعايير الغربية بهدف إثارة المصاعب في وجه الجيش الإسرائيلي والرد بالحرب، بهدف دق إسفين بين إسرائيل وبين الجبهة الخلفية السياسية في الغرب.

 

إن بناء قوة العدو وطريقة تشغيلها خلال العقد المنصرم – خلال حرب لبنان وعملية “الرصاص المصهور”، وعملية “عامود السحاب” وعملية “الجرف الصامد” – يتناسبان مع النظرية العسكرية على النحو الذي تم وصفه سابقاً. ومن المرجح أن الأمور ستستمر على ماهو عليه في المستقبل. ومالم تقم جبهة عسكرية تقليدية جدية ضد القوة العسكرية الإسرائيلية فإن كل حروب إسرائيل ستكون ذات خصائص مشابهة لجولات المواجهة الأربع التي جرت خلال العقد الأخيرة. فقد بُني الجيش الإسرائيلي لخوض الحروب ذات الوتيرة العالية ضد جيوش “كلاسيكية”، ويجد مسؤولوه صعوبة في الإقرار بحقيقة أن وجه الحرب قد تغير، وأن مهمته في المستقبل المنظور هي مواجهة جولات من المعارك الهجينة ضد عدو منتشر ومتخفٍ، وأن النتيجة المطلوبة في كل جولة قتال هي ليست حسم القوة العسكرية المعادية، بل حماية السكان المدنيين والبنى التحتية في الجبهة الداخلية[6]. وفي معارك إسرائيل على المدى المنظور ستكون الجبهة الداخلية هي ساحة للمعركة، وسيكون صمودها هو العامل الأساسي في تحديد نتائجها.

 

قدرة صمود الجبهة الداخلية المدنية في العالم وفي إسرائيل

إن قدرة صمود الجبهة الداخلية، أو مناعتها، (وهو مصطلح معتاد في البحث الأكاديمي في الموضوع)[7] هو مصطلح زئبقي يصعب تعريف مكوناته ودور كل واحد منها. وبما ينسجم مع الحاجة في هذا المقال فإننا سنعرف “قدرة الصمود” بوصفها استعداد الجمهور على تحمل الخسائر في الجبهة الأمامية وفي الجبهة الداخلية، وعلى تحمل الأضرار المادية والخسائر الاقتصادية المرتبطة بالمعركة العسكرية. وقدرة الصمود العالية لدى الجبهة الداخلية توفر للمستوى السياسي حرية العمل للاستمرار في الحرب حتى تحقيق الأهداف، بينما قدرة الصمود المتدنية تؤدي إلى نشوء ضغط في جماهيري عام على المستوى السياسي لوقف الحرب حتى بثمن تقديم تنازلات مؤلمة[8].

 

فما الذي يحدد قدرة صمود الجبهة الداخلية؟ من المرجح أنها نتيجة التوازن الحسي لدى الجمهور بين الثمن الذي يدفعه في المعركة العسكرية (في الإصابات وفي الأرواح والخسائر في الممتلكات وخسارة الدخل) وبين الشعور بالتهديد ورؤية الفائدة الشخصية والقومية التي تنبع من الصمود في المعركة العسكرية. ويمكن هنا أن نشير إلى نموذجين تاريخيين لتوضيح هذا التعريف:

ا- في المراحل المتأخرة من حرب فيتنام نُظر إلى الثمن من قبل قسم كبير من الجمهور الأمريكي على أنه ثمن أعلى من اللازم مقارنة بنسبة التهديد الشخصي والقومي، ونتيجة لذلك تمت ممارسة ضغط جماهيري كبير على المستوى السياسي لوقف الحرب بشكل أحادي الجانب، الأمر الذي أدى في نهاية المطاف إلى انتصار فيتنام الشمالية وإلى هزيمة الولايات المتحدة الأمريكية.

ب- في مقابل ذلك، في المراحل الأولية للحرب العالمية الثانية كان الجمهور البريطاني مستعداً لدفع الثمن الباهظ الذي لحق به خلال عمليات قصف المراكز السكانية وذلك جراء المخاوف من النتائج الخطيرة في حال انتصار ألمانيا. وبذلك أعطى الجمهور للمستوى السياسي تفويضاً غير محدود للاستمرار في الحرب (وفي المراحل الأخيرة للحرب برزت ظاهرة مشابهة في ألمانيا، وفاز النظام النازي بدعم السكان له على الرغم من الخراب الذي لحق بألمانيا جراء قصف الحلفاء).

وكما سبق القول، فإن مقياس الصمود، وفق التعريف الذي قدمناه، هو درجة حرية العمل التي يمنحها الجمهور في الجبهة الداخلية للمستوى السياسي في إدارة الحرب[9]. ويكمن التعميم هنا والقول إنه خلال حروب إسرائيل، التي جرت حتى الآن، منح الجمهور الإسرائيلي تفويضاً كاملاً للمستوى السياسي في إدارة الحرب على الوجه الأمثل، وهو بذلك أظهر قدرة صمود رائعة، وبخاصة خلال حرب التحرير، وحرب الأيام الستة، وحرب يوم الغفران. ولكن لوحظ وجود بعض التصدعات في قدرة الصمود لدى الجبهة الداخلية في قسم من الحروب التي تلت ذلك، وبشكل خاص بكل ما يرتبط بالمعارك في لبنان. أما الحادث الأكثر بروزاً للصمود المتدني فقد كان خلال حرب الاستنزاف ضد حزب الله في جنوب لبنان، والتي تعاظمت خلالها المطالبة في أوساط واسعة من الجمهور لتنفيذ انسحاب أحادي الجانب (حركة “أربع أمهات”)[10]. وحدثت في حالتين حركة نزوح كبيرة للمراكز السكانية – في حرب الخليج الأولى جراء هجمات الصواريخ العراقية، وخلال حرب لبنان الثانية نتيجة لهجمات صواريخ حزب الله – إلا أن الأمر لا يدل بالضرورة على خلل في الصمود بل على رد الجمهور حيال السلوك المعيب من جانب الحكومة (وسنتحدث عن ذلك في ما بعد).  وفي مراحل متقدمة من الهجوم بالصواريخ على المنطقة المحيطة بغزة قبل عملية “الرصاص المصهور” كانت هناك حالة نزوح كبيرة للسكان من مدينة سيدروت ومن مستوطنات أخرى. إلا أنه خلال عمليات “الرصاص المصهور” و “عامود السحاب” و “الجرف الصامد”، أظهرت الجبهة الداخلية في جنوب وفي وسط البلاد قدرة صمود رائعة.

 

إننا نفترض أن جانبي المعادلة اللذين يحددان قدرة صمود الجبهة الداخلية هما “الشعور بالتهديد” من جهة ، و”الثمن” من جهة أخرى. ومن المعتقد أن التهديد، في حروب إسرائيل خلال العصر الحالي، التي تشكل فيها الجبهة الداخلية الهدف الرئيسي للضربات، يتحدث عن نفسه، والمعيار المتغير هو “الثمن”. ويظهر من هذا الافتراض أن مفتاح صمود الجبهة الداخلية في المعركة هو تخفيف “الثمن” إلى أقصى درجة ممكنة. ويقاس “الثمن” بمصطلحات ملموسة للخسائر والأضرار والخسائر المالية، وبما لا يقل عن ذلك أيضاً، بمصطلحات نفسية عاطفية، مثل درجة الثقة بالحكم المحلي والقومي سواء لجهة الإصرار وسواء لجهة خطواته لتقليص “الثمن”[11]. ووفق هذا التخمين فإن قدرة صمود الجبهة الداخلية ستكون مشروطه بالخطوات التي ستقوم بها السلطات المحلية والقومية لتخفيف “الثمن” سواء في المجال العملي، وسواء في المجال الحسي – أي إلى أية درجة يثق الجمهور بأن الحكومة تتخذ الإجراءات لحمايته. وقد كانت مغادرة سديروت، ومستوطنات أخرى، في المنطقة المحيطة بغزة في الأعوام 2007 و 2008، كانت على خلفية تجاهل واضح من قبل الحكومة للضائقة التي ظهرت بسبب هجوم الصواريخ الذي قامت به حركة حماس[12]. وكانت مغادرة تل أبيب خلال الليل أثناء حرب الخليج عام 1991، كانت على خلفية غياب أي نوع من الإدارة للجبهة الداخلية (وكإحدى العبر التي تم استخلاصها من هذا الحدث تمت إقامة قيادة الجبهة الداخلية في الجيش الإسرائيلي)، وكذلك مغادرة شمال الدولة خلال حرب لبنان الثانية كانت على خلفية الخلل في أداء السلطات المحلية في قسم من المناطق التي تعرضت للهجوم. ومع ذلك فإنه لم يحدث وأن تطور في أي من تلك الأحداث ضغط جماهيري على الحكومة لوقف الحرب عن طريق تقديم تنازلات سياسية أو عسكرية. وخلال معركة “الجرف الصامد” التي نضحت فيها الترتيبات التنظيمية في مجال حماية المدنيين، والترتيبات الاقتصادية في مجال التعويض عن الأضرار، والترتيبات التكنولوجية والعسكرية في مجال الحماية النشطة – لم يلاحَظ أي ضغط جماهيري على الحكومة لوقف المعركة وذلك على الرغم من مدة استمرارها الخارجة عن المألوف، بل العكس هو الصحيح – فإنه إذا ما كان هناك ضغط جماهيري فإنه كان في اتجاه تصعيد المعركة العسكرية، وخيبة الأمل من وقفها المبكر أكثر من اللازم، وفق رأي الكثيرين.

 

التطور التكنولوجي في العقد الأخير وأثره على الحرب الهجينة

خلال السنوات التي مرت منذ وضع نظرية “خيوط العنكبوت” في عام 2006 طرأ تطوران تكنولوجيان كبيران في الهجوم وفي الدفاع:

أ- قامت إسرائيل بنشر منظومات الدفاع النشط التي تبينت فعاليتها في جولتي القتال الأخيرتين (“عامود السحاب” و “الجرف الصامد”). وكان قد تم توقع هذا التطور من قبل إيران وأتباعها. وكان الرد الرئيسي الذي أعدوه لمواجهة ذلك هو كمي: زيادة كبيرة جداً في مخزون الصواريخ بهدف الحفاظ على إطلاق متواصل للصواريخ، وزيادة قدرات الإطلاق وذلك بهدف إشباع منظومات الدفاع وذلك عن طريق إطلاق رشقات متزايدة.

ب- تم في إيران، عن طريق تصغير منظومات التوجيه والقيادة، تطوير “صواريخ ذكية” ذات قدرة توجيه دقيقة، وهي تتسلح بها منذ بداية سنوات الألفين، وحتى أنها زودت بها كلاً من سوريا وحزب الله. والسلاح الصاروخي، الذي كان حتى الآن سلاحاً غير دقيق، أصبح يساوي في قيمته، من حيث الدقة، الأسلحة المتطورة المستخدمة في الطائرات. وأصبح بمقدور التنظيمات المعادية، بمساعدة سلاح بالغ الدقة كهذا، أصبح بوسعها منذ الآن ضرب أهداف دقيقة في الجبهة الداخلية الإسرائيلية، بما في ذلك المنشآت العسكرية، ومنشآت البنى التحتية القومية، ومراكز الحكم.

 

هذا التطوران يزيدان بشكل كبير جداً من قوة الحرب الهجينة، ويضعان تحدياً إضافياً أمام حكومة إسرائيل والجيش الإسرائيلي: فبالإضافة إلى حماية السكان المدنيين بالذات، أصبح منذ الآن مطلوباً منهما توفير الحماية لمنشآت البنى التحتية المدنية ولمنشآت ولقواعد الجيش الإسرائيلي نفسه. وإذا كان استهداف الجبهة الداخلية حتى الآن يهدف إلى ضرب إرادة الحرب لدى إسرائيل، فإنه منذ الآن سيكون موجهاً لضرب قدراتها القتالية. ومعنى هذا الأمر هو أنه قد أضيفت إلى إستراتيجية حسم إسرائيل على المستوى النفسي، أضيفت الآن قدرة العدو على تبني إستراتيجية الحسم المادي.

 

وإذا ما كان لا يزال يُنظر إلى الحرب الهجينة، إلى الان، بوصفها حرباً ذات وتيرة منخفضة من ناحية الحرب العسكرية بالنسبة لإسرائيل فإن التطورات التي وُصفت أعلاه من شأنها أن تضعها بدرجة الحرب ذات الوتيرة العالية والتي ستُجبر دولة إسرائيل على استخدام غالبية قوتها العسكرية، وربما كلها.

 

 

بدائل للإستراتيجية المضادة الإسرائيلية

إن نظرية الأمن الإسرائيلية القائمة تقول بإستراتيجية الحرب الهجومية التي تهدف إلى هزيمة القوة العسكرية للعدو خلال زمن قصير. وهذه النظرية مشتقة من الافتراض بأن إسرائيل غير مؤهلة للصمود في حرب مديدة. كما أن العدو الراديكالي يفترض افتراضاً مشابهاً، وعليه فهو قد طور نظرية جديدة لهزيمة إسرائيل عن طريق الاستنزاف الطويل لسكانها وليس عن طريق هزيمة جيشها. وبكلمات أخرى فإن إستراتيجية العدو تتطلع إلى إطالة أمد المعركة، بينما تتطلع الإستراتيجية الإسرائيلية إلى تقصير أمدها. فالعدو وإسرائيل يضعان هنا الافتراضات التالية: العدو يفترض أنه يستطيع استنزاف سكان إسرائيل في معركة طويلة، والجيش الإسرائيلي يفترض أنه يستطيع تقصير أمد الحرب. وهذا الافتراضان هم بحاجة إلى تمحيص.

 

هل من الممكن هزيمة إسرائيل عن طريق معركة مديدة؟ إن التجربة حتى الآن لا تدل بالضرورة على حدوث ذلك. ففي نظرة شاملة نرى أن إسرائيل تصمد بشكل جيد أمام حرب استنزاف طويلة منذ حوالي ما يقارب سبعين سنة. وقد دفعت إلى الآن عشرات آلاف الشهداء، وخصصت، ولا زالت تخصص لذلك نسبة عالية من دخلها القومي حتى في أوقات الهدوء، إلا أنه لم تظهر إلى الآن مؤشرات لزوالها، بل إن العكس هو الصحيح. كما أن التجربة في غالبية حروب إسرائيل لا تشير إلى تآكل في إرادة الحرب لدى الإسرائيليين نتيجة لاستمرار المعركة، ويوجد لهذا الأمر الكثير من النماذج بدءاً من هجمات “الفدائيين” خلال خمسينيات القرن المنصرم، مروراً بالصمود القوي للجمهور الإسرائيلي خلال الانتفاضة الثانية، ووصولاً إلى أيام حرب الواحد والخمسين يوماً في علمية “الجرف الصامد” قبل عامين.

 

وهل يستطيع الجيش الإسرائيلي تقصير أمد الحرب؟ من المحتمل أن هذا الأمر كان صحيحاً خلال الحروب “الكلاسيكية” ضد الجيوش النظامية، التي كان يمكن فيها تحقيق حسم عسكري واضح خلال زمن قصير نسبياً. ولكن، هل هذا الأمر ممكن في مواجهة عدو ليس بدولة، ينتشر ويذوب داخل السكان المدنيين؟ وهل يوجد لدى الجيش الإسرائيلي أسلوب عملي لتحقيق الحسم العسكري، الذي يجرد عدواً كهذا من القدرة على مواصلة مهاجمة الجبهة الداخلية المدنية؟ يبدو أنه لا يوجد خلاف على أن جوهر التهديد العسكري على إسرائيل هو منظومة الصواريخ المعادية. وهناك من يعتقد أنه بالإمكان تدمير قدرة الإطلاق لدى العدو وذلك عن طريق مهاجمة وسائل الإطلاق، إلا أن التجربة في العالم، وفي البلاد، تُظهر خلاف ذلك. فالجهود لتدمير الصواريخ بوسائل هجومية قد جرت خلال الحرب العالمية الثانية، وخلال حرب الخليج عام 1991، وفي حروب إسرائيل خلال العقد الأخير، وكانت النتائج ضعيفة جداً. وليس فقط أن الهجمات لم توقف عمليات إطلاق الصواريخ، بل أنها لم تنجح أيضاً في تقليص وتيرة النيران[13]. كما أن تطوير تشكيلات إطلاق الصواريخ لدى الطرف الثاني تطرح شكوكاً جدية حول إذا ما كان بالإمكان تحقيق إنجازات أفضل في المستقبل.

 

وهناك من يعتقد أيضاً أنه يمكن تدمير القوة الصاروخية (لدى العدو) عن طريق شن هجوم بري للسيطرة على مناطق الإطلاق. والتجربة في حرب لبنان الثانية غامضة وهي لا تفسح المجال أمام تبني هذا الاعتقاد. وحتى لو افتراضاً صحة هذا الأمر فإن مدى الصواريخ الآخذ بالازدياد يطرح الشكوك في إمكانية تطبيق هذا الخيار في المستقبل. وحتى لو افترضنا أيضاً أن السيطرة الفعلية على جنوب لبنان ستوقف بشكل كامل إطلاق الصواريخ قصيرة المدى من هناك، فإن ذلك لن يجرد العدو من قدرته على إطلاق صواريخ طويلة المدى، وصواريخ باليستية، إلى قلب الدولة من مناطق أبعد والتي تصبح فيها نظرية احتلال الأرض غير عملية[14]. وحتى إذا نجح الدفاع النشط في تقليل الأضرارالناجمة عن هذه الصواريخ بعيدة المدى، وعن الصواريخ الباليستية، فإن الآثار المرافقة لها من إطلاق لصافرات الإنذار، والأضرار الاقتصادية وربما أيضاً إغلاق الموانئ والمطارات ستستمر طالما استمر إطلاق الصواريخ، حتى في حال توفّر الحماية الجيدة.

 

وعلاوة على ذلك فإن نظرية (احتلال) المناطق تخلق مشاكل صعبة في المجال السياسي وفي المجال الأمني، وذلك لأن الأمر يتطلب احتلال الأرض والسيطرة على سكان مدنيين بثمن اقتصادي وسياسي وعسكري باهظ. وعليه فإن الافتراض بأنه يمكن وقف إطلاق الصواريخ على الجبهة الداخلية – وبذلك وقف الحرب – عن طريق احتلال أراضٍ هو افتراض يشوبه الشك.

 

وما لم تكن هناك ثقة بأنه يمكن تقليص مدة الحرب، عندها يكون مطلوباً إعداد الجبهة الداخلية لمعركة طويلة. فهل تستطيع الجبهة الداخلية الصمود أمام ذلك؟ من المرجح أن الأمر ممكن في الظروف الصحيحة. وإذا ما انطلقنا من الافتراض أن تقصير أمد الحرب هو هدف غير ممكن التحقيق بالضرورة، ومن الافتراض أنه يمكن إعداد الجبهة الداخلية لمعركة طويلة، فإنه يمكن اشتقاق إستراتيجية جديدة تقوم على أن هدف الحرب ليس تحقيق “الحسم الإيجابي”، أي تحقيق الحسم على القوة العسكرية للعدو، بل تحقيق “الحسم السلبي”، أي تجريد العدو من إنجازاته. وعملية “الجرف الصامد” تشكل، عن غير قصد، نموذجاً لذلك: فقد استمرت المعركة طالما كان العدو راغباً في ذلك، إلا أنه طلب في نهاية المطاف وقف النار بدون أن يحقق أي هدف من الأهداف التي حددها في بدايتها.

 

وينصب التركيز، في هذه الإستراتيجية الجديدة، على تعزيز قدرة صمود الجبهة الداخلية المدنية والعسكرية، أي على الاستعداد وعلى الوسائل المطلوبة لذلك. والحاجة هي القيام بحماية منشآت الجيش الإسرائيلي بهدف الحفاظ على قدرته لخوض الحرب. وحماية منشآت البنى التحتية القومية من أجل ضمان الخدمات للجيش وللمدنيين. وكذلك حماية السكان المدنيين بهدف تقليل الخسائر والأضرار. ومن أجل تحقيق هذا الغرض فإن هناك حاجة لتحضيرات مادية وتنظيمية. وفي مجال التحضيرات المادية يمكن أن نذكر، من بين أمور كثيرة، الحماية السلبية ومنظومات الدفاع النشط. وكذلك إعداد الجهات العاملة في الإنقاذ وإخلاء ومعالجة الجرحى، والمساكن المؤقتة للمواطنين الذين تضررت مساكنهم، وتعزير منظومة الإطفاء، ودعمها بمنظومات البنى التحتية القومية للحيلولة دون إنهيار الخدمات (الكهرباء والماء والمواصلات والاتصالات والبنوك) خلال الحرب. وفي المجال التنظيمي يُطلب إكمال الاستعدادات لإدارة الجبهة الداخلية في حالة الطوارئ وذلك لضمان أداء السلطات المحلية والحكومة. ولا يقل الجهاز الإعلامي أهمية عن ذلك، وإقامة العلاقة بين الجمهور وبين الحكومة بهدف الحفاظ على ثقة الجمهور بإجراءاتها.

 

وتجدر الإشارة إلى أن التركيز على تعزيز قدرة الجبهة الداخلية على الصمود لا يلغي أبداً أهمية الهجوم وقدرات الحرب البرية. فالعكس هو الصحيح، إذ أن للهجوم دوراً حيوياً في الإستراتيجية المقترحة. فقبل كل شيء، لا يمكن القبول بوضع يقوم فيه عدو بمهاجمة الجبهة الداخلية المدنية في إسرائيل وأن يكون معفياً من العقاب، وهو يجب أن يدفع ثمناً باهظاً إلى أقصى درجة ممكنة[15]. وبما يتجاوز مبدأ ضرورة الرد فإن الهجوم يجب أن يدمر قدرات العدو إلى أقصى درجة ممكنة أيضاً (مع أنه يجب فعل ذلك بأدنى حد من الخسائر لقواتنا، وذلك لأن العدو يعتبر خسائر الجيش الإسرائيلي  إنجازاً له. ولذلك من المرغوب تفضيل النيران البعيدة على الالتحام القريب). وبما لا يقل أهمية عن ذلك فإن صمود الجبهة الداخلية مشروط، من بين أمور كثيرة، بصلابة الحكومة الإسرائيلية والتعبير الأكبر عن ذلك هو خطوات الجيش الإسرائيلي الهجومية وإلحاق أضرار ملموسة بالعدو.

 

أخيراً يجب الانتباه إلى قدرة انتعاش الجبهة الداخلية بعد انتهاء جولة القتال. فالانتعاش البطيء من الأضرار المادية والاقتصادية التي حدثت خلال الأعمال القتالية يمكن أن يؤثر على قدرة صمود الجبهة الداخلية المدنية في جولة القتال القادمة.

 

الموجز

إن السؤال حول ما إذا كانت إسرائيل تواجه خطراً وجودياً هو موضع جدل، إلا أنه لا يوجد جدل حول أن منكري وجود إسرائيل يواصلون معركتهم لإنهاء هذا الوجود. والتطورات في الشرق الأوسط، والأبرز من بينها صعود إيران إلى موقع الدولة الإقليمية العظمى، ربما تبشر بتصعيد هذه المعركة. وفي هذه المرحلة، العدو الأساسي هو المحور المتطرف المكون من إيران، وأتباعها الذين لا يرقون إلى مستوى الدولة (إلى الآن – ويمكن أن تنضم روسيا إلى هذا المحور في المستقبل غير البعيد). والإستراتيجية الحالية للمحور الراديكالي هي هزيمة إسرائيل بالاستنزاف وليس بالحسم. وبؤرة العمليات العدائية هي ليست الجيش الإسرائيلي بل السكان المدنيين. وعليه فإن صمود الجبهة الداخلية هو الذي يحدد صمود الدولة كلها في المعركة.

 

لقد قام العدو بتطوير إستراتيجية جديدة تستغل حالة اللا تناظر بينه وبين إسرائيل: فبينما الجيش الإسرائيلي مبني للحرب “الكلاسيكية” ضد عدو دولة، فإن الجانب الآخر مبني لحرب هجينة تدمج بين حرب العصابات والحرب النظامية. وفي الوقت الذي يرى هو في إسرائيل مجتمعاً غربياً ضعيفاً ومفتتاً، فهو يرى نفسه كمجتمع قوي قادر على الصمود أمام الضغوط. وفي الوقت الذي نجد فيه أن إسرائيل ملتزمة في عيون دول العالم بقواعد وبقوانين الحرب لجهة كل ما يرتبط باستهداف السكان المدنيين غير المتورطين فإن العدو لا يرى نفسه ملتزماً بذلك. وحالة اللا تناظر هذه في مجال بناء القوة، وفي المجال النظري، وفي المجال القانوني، تقف في أساس إستراتيجية العدو الجديدة.

 

إن نظرية الأمن الإسرائيلية الحالية مبنية على الافتراض بأن إسرائيل لا تستطيع الصمود في حرب طويلة، وذلك على افتراض بأنه يمكن تقصير الحرب عن طريق العمليات الهجومية. وهذان الافتراضان تجب إعادة النظر فيهما من جديد. وإذا افترضنا أن إسرائيل تستطيع الصمود في معركة طويلة، وإذا افترضنا أن العمليات الهجومية لا تضمن تقصير أمد المعركة، فإن المطلوب هو نظرية أمنية بديلة تعتمد على النفس الطويل والصمود في معركة طويلة. ونقترح في هذه النظرية أن لا تنطلق الإستراتيجية من هدف الحسم العسكري بل من هدف تجريد العدو من إنجازاته، ولهذا الهدف، يجب على هذه الإستراتيجية أن تضع صمود الجبهة الداخلية في جوهرها. وأن يتم التركيز أيضاً على حماية الجبهة الداخلية العسكرية والمدنية، وتكون الخطوات الهجومية متممة للدفاع عن الذات.

 

ومن الواضح أن الأسلوب المقترح لا ينسجم مع الثقافة العسكرية للجيش الإسرائيلي منذ أيام سرايا النار التابعة لأورد فينغيت. وهي تتضمن المخاطرة بفقدان المبادرة والدخول في مزاج سلبي[16]. والجيش الإسرائيلي، مثل أي جيش آخر، يرى في الحسم العسكري غاية وجوده، وتوجد صعوبة هنا في توفيق هذا الأمر مع إستراتيجية فابيانية ( نسبة إلى الديكتاتور الروماني فابيوس ماكسيموس / المترجم) هدفها ليس الحسم بل تجريد العدو من إنجازاته[17]. ومع ذلك فإنه ليس من الواضح إذا كان هناك أمام إسرائيل خيار أفضل من ذلك. ويجب الاعتراف أن العالم قد تغير، وأن وجه الحرب قد تغير أيضاً، والواقع الأمني الجديد يتطلب نظرية أمنية جديدة. ويجب على هذه النظرية أن تكون كلية وان تعتمد أسلوب “منظومة المنظومات” (System of systems)، والتي يشكل فيها الجيش الإسرائيلي عنصراً واحداً وليس الوحيد في تحقيق الإنجاز المطلوب.

 

يوجد ميدان المعركة الجديد في المراكز السكانية التابعة لنا، والمراكز السكانية الخاصة بالعدو. وطالما أنه لا توجد طريقة لعزل العدو عن الدروع البشرية الخاصة به، وطالما أنه لا توجد طريقة لشل قدراته القتالية، بشكل كامل، بالوسائل الهجومية، فإنه من المطلوب أن يكون هناك أسلوب جديد يضمن صمود دولة إسرائيل أمام التحديات العسكرية المستقبلية.

 

 

 

[1] من أجل الدقة تجدر الإشارة إلى أن مهاجمة قدرات الجبهة الداخلية بهدف دعم المعركة على الجبهة بدأت قبل زمن طويل من اختراع القوة الجوية، وذلك عن طريق الحصار البحري الذي حال دون وصول المؤن الغذائية والمواد الخام للإنتاج الحربي للمحاصَرين. وقد اُستخدمت سياسة الحصار البحري من قبل بريطانيا في جولات الحروب مع هولندا خلال القرن السابع عشر، وفي كل حروبها الأخرى مع الدول العظمى البحرية الأوروبية وحتى الحرب العالمية الثانية ضمناً.

[2] هذه الصياغة سهلة جداً. ويشكل الحافز للنضال ضد إسرائيل مزيجاً بين حوافز دينية وإثنية وجغرافية، إلا أن التوسع في هذا الموضوع هو خارج إطار المقال الحالي.

[3] لقد كانت الجبهة المدنية في إسرائيل هدفاً للعمليات الإرهابية من قبل التنظيمات الفلسطينية وحلفائها على النحو الذي وصفناه أعلاه. والتجديد في إستراتيجية إيران والجهات التابعة لها هو في تطوير نظرية حرب جديدة بهدف مهاجمة الجبهة الداخلية الإسرائيلية، حسب ما سنشرحه بالتفاصيل لاحقاً.

[4] المختارات الواردة هنا مأخوذة من: Amir Taheri, “The Ayatollah Plan for Israel and Palestine”, Gatestone Institute International Policy Council, July 31 2015 https://www.gatestoneinstitute.org/6263/khamenei-israel-palestine.

[5] العميد إيتاي برون وكرميت فيلنسي “الثورة في الشؤون العسكرية للمحور الراديكالي”، معراخوت، 432، آب / أغسطس 2012، صفحة 4.

[6] هذا النوع من القتال يسمى “المعركة بوتيرة منخفضة”. وفي لقاء مغلق عُقد في مركز بيغن – السادات في إطار هذا البحث قال لواء في الجيش الإسرائيلي إن “الانشغال بالحرب ذات الوتيرة المنخفضة يُلحق الضرر بروح الجيش الإسرائيلي”.

[7] حول مصطلح “المناعة” انظر ميئير إيلران وتسيفي يسرائيلي وكرميت بيدن واليكس الطشولر، “المناعة الاجتماعية في المناطق المحيطة بغزة في عملية ꞌالجرف الصامدꞌ”، جيش وإستراتيجيا، المجلد 7، العدد 2، أيلول / سبتمبر 2015، صفحة 7.

[8] هذا التعريف لـ “المناعة” يقتصر بالنسبة لتعريف ميئير إيلران وأصدقائه الذين يضعون كتحدٍ آخر سرعة انتعاش الجبهة الداخلية بعد الحرب.

[9] إن هذا التعريف ينطبق أيضاً على الأنظمة الديكتاتورية، التي ترتبط إلى درجة كبيرة بموافقة المحكومين – مع أنه في مثل هذه الأنظمة يمكن الحصول على موافقة إجبارية عن طريق الإكراه بالقوة. والذعر الذي أصيب به سكان موسكو في 16 / 10 / 1941 نتيجة للشائعات عن انتصار ألمانيا – هذا الذعر الذي تم قمعه بالقوة من قبل النظام السوفييتي – يشكل نموذجاً جيداً على ذلك.

[10] من المرجح أن خطاب “خيوط العنكبوت” الذي ألقاه نصر الله، قد تم إلقاؤه تحت الانطباع الذي تركه عليه تأثير حركة “أربع أمهات” على الرأي العام الإسرائيلي.

[11] يظهر وزن العامل النفسي بشكل خاص في كل ما يتعلق بالمخطوفين والأسرى، الذين يمارس الجمهور من أجلهم ضغطاً هائلاً للتنازل عن مصالح أمنية، كما ثبُت من صفقة جبريل وحتى صفقة شاليط.

[12] حول تجاهل الحكومة للضائقة التي كانت تعاني منها المنطقة المحيطة بقطاع غزة انظر عوزي روبين، “من استفزاز إلى تهديد إستراتيجي، هجوم الصواريخ من غزة على جنوب دولة إسرائيل”، دراسات في أمن الشرق الأوسط 87، الصفحة 45 – 47. (رامات غان: مركز بيغن – السادات للدراسات الإستراتيجية، جامعة بار – إيلان، شباط / فبراير 2011).

[13] باستثناء حالة عملية “الرصاص المصهور” والتي حدث فيها تراجع في وتيرة إطلاق الصواريخ من قبل حركة حماس بعد اليومين الأولين من المعركة. وقد كان هناك في الجيش الإسرائيلي من عزوا هذا التراجع إلى العملية البرية والسيطرة على مناطق إطلاق الصواريخ. وعملياً فإن التراجع المتراكم في وتيرة عمليات الإطلاق بدأ قبل عدة أيام من بدء العملية البرية.

[14] ومن أجل تقديم النموذج على ذلك فإن المسافة بين طرابلس الموجودة في شمال لبنان إلى حيفا هي حوالي 200 كيلومتر – وهي تساوي تقريباً مدى الصاروخ الإيراني فاتح 110 (وهو الموازي لـM600  السوري). وقد طور الإيرانيون نماذج متطورة ذات مديات أبعد، ومن المرجح أنها ستصل، عاجلاً أم آجلاً، إلى أيدي حزب الله.

[15] بشكل لا يخلو من المفارقة، إن نجاح العدو في التسبب بإصابات وأضرار في إسرائيل يمكن له أن يعطي لإسرائيل حرية عمل أكبر من ناحية المجتمع الدولي ضد العدو المتغلغل في أوساط السكان المدنيين الخاضعين له.

[16] لقد تم تبرير رفض تطوير الدفاع النشط، والتسلّح بها، في حينه بمبررات مشابهة.

[17] مع الاعتذار من القراء الذين، ولا شك، يعرفون هذا التعريف: إستراتيجية الامتناع عن الدخول في معارك الحسم التي تهدف إلى استنزاف العدو بشكل غير مباشر، وذلك على اسم القائد الروماني فابيوس ماكسيموس والذي عُيّن في منصبه بعد هزائم روما في الحرب البونيقية الثانية. وقد أعدت إستراتيجية الاستنزاف التي وضعها فابيوس الأرضية لانتصار روما وإلى هزيمة قرطاجة في هذه الحرب.

إغلاق
إغلاق