ثقافة

حول نية إنتاج فيلم “إسرائيلي”- فلسطيني مشترك عن حرق أبو خضير لا تحرقوا الشهيد مرتين

في الثاني من تموز 2014، خَطَفَتْ مجموعةٌ من المستوطنين الطفلَ محمد أبو خضير وقامتْ بحرقِهِ حَيّاً، لتشتعلَ على إثر الجريمة “هبّةٌ شعبيةٌ” عمّتْ فلسطين، عُرِفَتْ لاحقاً بهبّة الشّهيد محمد أبو خضير. قامت حينها القوى الشعبيّة الحيّة بواجبها ميدانياً في معركة الشهيد أبو خضير، مخلدةً ذِكرَهُ بالفعل والاشتباك، ولا زالتْ روحُ “هبّة محمد أبو خضير” تفعلُ مفعولَها الثوريّ إلى يومنا هذا، كإرثٍ نضاليٍّ وبنيةٍ تحتيّةٍ اجتماعيّةٍ نضاليّةٍ.

ليستْ حادثة حرق الشهيد أبو خضير، “المرة الأولى” كما صَرَحَ حينها “أوفير جندلمان” الناطقُ باسم حكومة العدو، حدثاً شاذاً في تاريخ الاستيطان الصهيوني في بلادنا فلسطين، فمنذ البداية اعتمدَ الصهاينةُ على سلاح الحرق سلاحاً أساسياً في القتل والتهجير، سلاحاً يجمعُ ما بين الفتك بالأجساد والمعنويات. وتسابقتْ معاملُ تطوير الأسلحة التابعة للعصابات الصهيونية، “الهاجاناه” و”الإيتسل” تحديداً، على تطوير قاذفات اللهب والقنابل الحارقة الفسفورية، والتي استُخدِمَتْ استراتيجياً في النكبة في مواقع محددة لِتُحدِثَ تأثيراً بعيد المدى في مجريات الحرب.

من هذه المواقع، حُرق العشرات أحياءً في محرقة طيرة حيفا، في 25 تموز 1948، وفي صفد وعين غزال وإجزم، مروراً بالاستخدام المكثّف لقنابل “النابلم” الحارقة ضدّ القرى السورية الحدودية في حرب حزيران 1967، التي قتلتْ وشوّهتْ المئات، والذين أسماهم سعد الله ونوس “بشر النابلم” في مسرحية “حفلة سمر من أجل 5 حزيران”. بالإضافة إلى عشرات من حالات حرق “الخشبيات” التي كان ينام فيها العمال الفلسطينيون بالقرب من ورش البناء في فلسطين المحتلة 1948.

ووصل الحدّ في العام 2008 بالوزير الصهيوني “متان فلينائي”  بتهديد  غزة “بمحرقة”، مستخدماً مصطلح “شُوآه”، الذي نَحَتَهُ الصهاينةُ عَلَمَاً على إبادتهم، للتدليل على فرادة “المحرقة اليهودية” كحدث لا مثيل له في تاريخ الإبادات العرقية، ووصولاً إلى حرق عائلة دوابشة في قرية دوما نياماً بعد عامٍ واحدٍ من حرق الطفل أبو خضير.

تتواترُ الأخبارُ في الآونة الأخيرة، حول نيّة إنتاج فيلمٍ وثائقيٍّ فلسطينيٍّ – “إسرائيلي” مشترك بين مخرجين فلسطينيين وآخرين “إسرائيليين” حول الشهيد محمد أبو خضير وجريمة حرقه. ومع كونِ هذا العمل جريمةً تطبيعيةً تنضمُّ إلى سلسلةِ الجرائم التطبيعية في المجال الفني والسينمائي تحديداً، إلا أنّ موضوع العمل هذه المرة يجعلُ الجريمةَ مضاعفةً، وذلك لأنها تندرجُ ضمن عمليةٍ مستمرةٍ تقومُ بها “إسرائيل” لاستغلال جريمة حرق الطفل أبو خضير لصالح ترميم هويتِها الأخلاقية، داخلياً وعالمياً، والاستحواذ على الشهيد أبو خضير واستدخاله ضمن منظومتها الاستعمارية، واستخدامه أداةً في “الحروب الثقافية” داخل المجتمع الاستيطاني الصهيوني والتي تدور تحت السقف الاستعماري الصهيوني.

شكّلت جريمةُ حرق الفتى أبو خضير، فرصةً لتقوم “إسرائيل”، بمستوياتها المختلفة، الرسمية والأهلية، بترميم وصيانة الهويّة الأخلاقيّة الجمعيّة عبر إدانتها وتجريمها للحادثة، راسمةً صورةَ الحدث كصدمةٍ وكفعلٍ شاذٍ في تاريخها، وواصفةً – كعادتها – الفاعلين بالمتطرفين، لِتُشرعِنَ في المقابل ما يفعلُهُ وفَعَلَهُ جيشُها من قتلٍ وحرقٍ كفعلٍ سويٍّ أخلاقيٍّ، مع التشديد على أن القتلة لا يُمثِّلون المجتمعَ “الإسرائيلي” لِتَقولَ بأن حادثة الحرق ليست نتاجاً طبيعياً للمجتمع الصهيوني وروحيته الاستيطانية. بل واستخدمتْ “إسرائيل” إدانتَها للجريمةِ ضدّ المجتمع الفلسطيني ضحية الجريمة ذاتها، علامةً على “تفوقها الأخلاقي” كما تزعم، حيث مجتمع مُتَحضِر قانونيّ أخلاقيّ يُدين ويحاكِمُ القتلة في مقابل مجتمعٍ همجيٍّ غوغائيٍّ يُمجِّدُ القتلةَ ويعتبرهم أبطالاً.

وعلى المستوى الأهلي الصهيوني، أقامتْ مجموعةٌ من مستوطني “بيت زايت” الجاثمة على صدر قرية قالونيا المهجرة غرب القدس، نصباً تذكارياً للشهيد، نقشوا عليه العبارة: “قُتِلَ على يد يهود، الذين اقترفوا فعلاً هو الأكثر تناقضاً مع اليهودية”.  لم تطلع شمسُ صباح اليوم التالي إلا والنصب مدمر مبعثر الحجارة، ثم أُعيد ترميمُه من قبل حركة شبابية صهيونية كشفية. يفضحُ النقشُ الغاية من تخليد الشهيد صهيونياً، تتمثل في استخدامٍ أداتيٍّ للجريمة في تنزيه اليهودية كأيديولوجيا استعمارية تُقدّمُ سرديةً قوميةً للوجود الاستيطاني في فلسطين، وليقول بأن اليهود يُحْرَقُون ولا يَحْرِقُون ولذلك كانت “إسرائيل”.

وكانت “الحكومة الإسرائيلية” قد اعتبرت الشهيد “شهيدها” مثله مثل “شهداء الأعمال العدائية الإرهابية” ناقشةً  اسمه بجانب أسماء قتلاها في عمليات المقاومة على “جبل هرتسل”، جبل العقود “العكرماوي”، قبل أن تُزيلَه بعد اعتراض عائلة الشهيد.

في هذه الأيام، يُقام في القدس معرضٌ للفنان الصهيوني “يسرائيل ريفوفتش”، وقد أطلق اسم ” رماد حيّ” على أحد أقسام المعرض، الذي يتكون من ثماني لوحات لثمانية أسماء لأشخاص ماتوا حرقاً في “إسرائيل”. ثماني لوحات مصفوفة على مستوى واحد، قام الفنان بحرقها فعلياً ليرسم السخامُ الأسودُ احتراق الاسم على خلفيات اللوحات. والأسماء الثمانية هي: “موشيه” الذي حرق نفسه في تل أبيب ضمن مظاهرة احتجاجية على غياب العدالة الاجتماعية داخل المستعمرة، ومحمد أبو خضير، وسعد وريهام وعلي دوابشة، و”ثيودور” الذي حرق نفسه بسبب الديون، و”عكيفا” أحد مقعدي الجيش الصهيوني، و”يلينا” التي حرقت نفسها احتجاجاً على إخلاء مستعمرة “غوش قطيف” في غزة. ما يريد “ريفوفتش” قوله من معرضه كما ورد في وصف أعماله في المعرض: تقديم وصف لحالة “إسرائيل” المركبة وخلخلة للقيم وللتاريخ في “إسرائيل” ومساءلة الذاكرة الجمعية على أمل مستقبل أفضل في “إسرائيل”.

يُمثِّل عمل “ريفوفتش” تقنيةً استحواذيةً استعماريةً متقدمةً، أداتها الفن، حيث تصطف أسماءُ شهدائنا جنباً إلى جنب مع الجندي السابق المنتحر، والمستوطِنة التي لم تعد تطيق الحياة على أنقاض المُستعمرَة المُفككة.

بالنظر إلى الحيثيات السابقة، لن يكون الفيلم “الإسرائيلي” –الفلسطيني المشترك حول الشهيد أبو خضير سوى أداةً أخرى في صندوق الأدوات الاستعمارية للاستحواذ على الشهيد والحرب على مجتمعنا الفلسطيني في أقدس مقدساته الوطنيّة، الشهادة والشهيد. وعلينا أن نتجاوز رفض هذا العمل وإدانته إلى منعه وتعطيله.

المصدر: موقع “باب الواد” الالكتروني

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق