مقالات وآراء

الاستيطان الصهيوني في القدس وسياسة الأمر الواقع

ابراهيم أبو ليل – طريق القدس

تحت وطأة العدوان الصهيوني المتواصل ضد الشعب الفلسطيني وممتلكاته، واستشراء الاستيطان المستمر الذي يمزق أواصر الاتصال الجغرافي بين المدن والقرى الفلسطينية، تتصاعد عمليات التهويد في القدس التي تدخل مرحلة خطيرة تهدد مستقبلها، بعد أن أعلن الرئيس الأميريكي دونالد ترامب عن نقل السفارة الأميركية إليها، واعترف بها «عاصمة» للكيان الصهيوني. فقد شهدت المدينة سلسلة من الإجراءات التي أقدمت عليها السلطات الإسرائيلية، تكريساً للاحتلال وخلق واقع جديد يصعب التراجع عنه، وذلك من أجل قطع الطريق على أي إمكانية للحديث عن سيادة فلسطينية على القدس، لأن وجود الكيان الصهيوني واستمراره على الأرض الفلسطينية يرتبطان بسياسة فرض الأمر الواقع.

لم يتوقف التوسع الاستيطاني في مدينة القدس منذ احتلالها، ولم تكتفِ سلطات الاحتلال، بما استولت عليه من أراضي القدس والضفة الغربية، طوال العقود الماضية، بل تسعى جاهدة لتوسيع الاستيطان فيها ومصادرة أراضيها، حيث تصاعدت في الشهور الماضية وتيرة الانتهاكات والاعتداءات التي لم تتوقف، والجرائم المتكررة التي يمارسها غلاة المستوطنين الصهاينة بدعم من الحكومة الإسرائيلية. وفي هذا السياق صادقت لجنة محلية للتخطيط والبناء في «بلدية القدس» في الكيان الصهيوني إلى جانب ما يسمى «سلطة تطوير القدس» على تنفيذ خطة لإقامة متنزه في منحدر جبل الزيتون الغربي، يتوقع أن يسمى «متنزه عوزيا» بحسب صحيفة هآرتس الصادرة بتاريخ 8/2/2018، وسيربط بين «الحي اليهودي بيت أوروت وبين المستوطنة الصغيرة بيت هحوشن» الواقعين في حي الطور الفلسطيني، ومن أجل إنشاء المتنزه ستتم مصادرة أراضٍ بملكية خاصة للفلسطينيين. إضافة إلى ذلك، بدأت مؤخراً في الطرف الثاني من البلدة القديمة في حي أبو طور، أعمال تطوير في التجمع العائد لجمعية «العاد» الصهيونية المتطرفة التي تهتم ببناء الأحياء الاستيطانية، حيث تخطط الجمعية لإقامة مطعم في الموقع، وسلطة تطوير القدس تؤيد في المقابل إقامة جسر كبير يخرج من المطعم ويخترق الوادي «بن هينو» وصولاً إلى جبل الزيتون.

منذ عدوان حزيران 1967 تعمل السلطات الإسرائيلية على دفع المستوطنين لتكريس الواقع الاستيطاني في الأراضي المحتلة وخصوصاً أحياء شرقي مدينة القدس، ضمن ما يسمى «الحوض المقدس» المكون من البلدة القديمة ومحيطها، وذلك في محاولة لضمها وتثبيت الاحتلال الصهيوني فيها، من خلال إجراء تغييرات على الأرض لفرض الأمر الواقع. فقد بدأت سلطات الاحتلال خطواتها لتهويد القدس عندما أعلنت توحيدها «تحت السيادة الإسرائيلية» وتوسيع حدود بلديتها بتاريخ 28/6/1967، أي بعد أسبوعين فقط من احتلالها، إذ قامت السلطات الإسرائيلية بتوسيع الحدود الشرقية للقدس بأكثر من عشرة أضعاف مساحتها قبل الاحتلال، حيث بلغت مساحة القدس 20131 دونماً قبيل إقامة الكيان الصهيوني عام 1948، أما الآن فتبلغ مساحة القدس الكبرى 600 ألف دونم. وتم رسم حدودها بطريقة تدمج الأرض الفلسطينية غير المستثمرة ضمن حدود البلدية، بينما تركت المراكز السكانية الفلسطينية خارج الحدود الجديدة، حيث عملت على مصادرة أراضيها لإقامة الأحياء اليهودية حول القدس بدلاً من الأحياء العربية، فأنشأت الحي اليهودي مكان حارة الشرف الفلسطينية (المغاربة) بعد أن طُرد منها أهلها الفلسطينيون، وقد استطاعت سلطات الاحتلال أن تصادر 40% من مساحة شرقي القدس، وأقامت على أرضها 15 مستوطنة تحيط بالمدينة المقدسة من جميع الجهات، وهذه المستوطنات تمثل الطوق الشمالي والشمالي الغربي للمدينة. أما من الجهة الجنوبية فهناك مستوطنات جفعات همتوس وجيلو وهارجيلو، وسوف يكتمل الطوق الجنوبي بمستوطنة هارحوماه (جبل أبو غنيم)، أما من الشرق فهناك مستوطنات معاليه أدوميم وكدار اللتان تدخلان مع مستوطنة جبعات زئيف في الشمال ضمن حدود ما يعتبره الصهاينة «القدس الكبرى». وتم استخدام الأرض غير المستثمرة لبناء مستعمرات إسرائيلية، في محاولة لتغيير التكوين الديمغرافي لشرقي القدس، ما يخالف القانون الدولي الذي لا يجيز الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة، وما نص عليه ميثاق الأمم المتحدة (مادة 2 فقرة 4). كما أن شرقي القدس يضم المدينة القديمة بكل ما فيها من معالم تاريخية ودينية، بأسوارها ومقابرها والمسجد الأقصى وقبة الصخرة وكنيسة القيامة.

لقد اشتدت وتيرة الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية خصوصاً بعد «اتفاق أوسلو» 13 أيلول 1993، في منحى لرؤية «إسرائيل» تُحاول فرض أمر واقع لأي حلٍ مستقبلي محتمل، تكرّس من خلاله رؤيتها للحدود. وثمة إجماع بين جميع الأحزاب الصهيونية على الاحتفاظ بالتجمعات الاستيطانية في أي تسوية سياسية، ولا تزال الحكومات الإسرائيلية تسعى لتأمين أكبر مساحة تسيطر عليها من أجل توسيع المستعمرات بشكل دائم. فمن الناحية السياسية، يعتقد كثير من الإسرائيليين بأن المستوطنات ذات أهمية سياسية، لكونها تمكِّن من ترسيخ أمر واقع على الأرض، كما توفر الإمكانية لتعديل الحدود في أية مفاوضات قادمة، والأهمية الأكبر أن تقوم بوظيفة عزل التجمعات السكانية الفلسطينية عن بعضها بعضاً للحيلولة دون التواصل فيما بينها من جهة، وللحيلولة دون قيام أي كيانية فلسطينية في المستقبل من جهة أخرى. وقد أقامت السلطات الإسرائيلية 441 مستوطنة تنتشر على أرض الضفة الغربية التي تبلغ مساحتها 5844 كم2، والتي لا توجد فيها منطقة إلا وبها مستوطنة أو تجمع استيطاني، وذلك بهدف السيطرة الكاملة على الأراضي الفلسطينية وإسكان مئات الآلاف من المستوطنين اليهود، حيث أرتفع عدد المستوطنين في الضفة الغربية ومحيط مدينة القدس الشريف إلى ما يزيد عن 600 ألف مستوطن حتى نهاية عام 2016 بحسب معطيات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني. وقد قامت السلطات الإسرائيلية بالعديد من الممارسات للاستيلاء على أراضي المواطنين الفلسطينيين بغية إقامة هذه المستوطنات، مثل المصادرة أو جعل الأراضي مناطق أمنية أو مناطق محمية تمهيداً لإقامة المستوطنات عليها. وكانت القدس الهدف الصهيوني الأبرز في المشروع الاستيطاني، فقد تعرضت مقدساتها لأبشع الجرائم بدءاً من حرق المسجد الأقصى، مروراً بإجراء الحفريات حول وأسفل الحرم الشريف، وليس انتهاء بهدم البيوت العربية، ومصادرة الأراضي الفلسطينية وطرد السكان وتوسيع الاستيطان، حيث قامت سلطات الاحتلال بهدم حوالي 3000 منزل لفلسطينيين في مدينة القدس خلال الخمس سنوات الأخيرة. وليس أدل على نوايا إسرائيل تجاه القدس من قول بن غوريون: «لا معنى لإسرائيل بدون القدس، ولا معنى للقدس بدون الهيكل».

وتشير التقارير إلى تسارع وتيرة البناء الصامت في القدس، حيث فاق البناء في الضفة الغربية. ففي السنتين الأخيرتين لوحظت عمليات متزايدة من الاستيطان بغطاء مشاريع سياحية وتراثية حول البلدة القديمة والأحياء التي تحيط بها والتي تضم بيوت مئات آلاف الفلسطينيين. وبحسب معطيات التصوير الجوي، فأن 55 في المئة من المستوطنين في الضفة الغربية يسكنون في محافظة القدس وحدها، تنفيذاً لمخططات الاحتلال الرامية إلى تهويد مدينة القدس، حيث تحرم الفلسطينيين من البناء في 88 في المئة من مساحة القدس المحتلة. وتصادر كامل هذه المساحة لصالح التوسع الاستيطاني، ما يضطر الفلسطينيين إلى البناء على أراضيهم التي تصنفها بلدية الاحتلال على أنها غير منظمة، وتقوم لاحقاً بهدم ما بنوه بذريعة عدم حصولهم على التراخيص. كما أن السلطات الإسرائيلية تصعب على الفلسطينيين الحصول على رخص البناء وتمنع عنهم الخدمات الكافية، بينما تقوم بتشجيع مشاريع بطرق مشكوك فيها تهدف إلى خدمة منظمات المستوطنين في شرقي المدينة، وتجدر الإشارة هنا إلى أن بلدية الاحتلال ترفض إعطاء أية معلومة لأي جهة كانت فيما يتعلق بتراخيص البناء في القدس. وقد شكل هذا الانتشار آلية لإعاقة التطور الفلسطيني، ذلك أن السيطرة على الضفة الغربية تمنح (إسرائيل) القدرة على السيطرة على مخزون المياه العذبة في الضفة الغربية، حيث إن 80% من مخزون المياه العذبة يقع أسفل سلسلة الجبال المنتشرة بين جنوب القدس وشمال الخليل. وبالتالي فإن مواصلة الاحتفاظ بمعظم مناطق الضفة الغربية يمثل مصلحة استراتيجية إسرائيلية.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق