ثقافة

من أين اقتبس اليهود “صهيون”؟

تستحق علاقة اليهود بكلمة “صيون” أو “صهيون” – كما هو شائع – أن نتوقف عندها بشيء من التأمل فوفق رواية، كتاب اليهود، لم تكن لهذه الكلمة أية أهمية خاصة بالنسبة لــ “بني إسرائيل” في البداية، حين نطالع ما تسمى بأسفار موسى الخمسة (التوراة) نجد أن كلمة “صهيون” لا ترد فيها على الإطلاق.وكذلك هو الحال في الواقع بالنسبة لكلمة “يهود” و “يهودية”، إذ لا تتحدث هذه الأسفار بتاتاً عن ديانة يهودية. فالكلمتان “يهودي” و “صهيوني” ولدتا في بابل في القرن الخامس قبل الميلاد، وليس قبل ذلك. ومع ذلك، كانت هناك محاولة يهودية للبربط بين كل من “سبط يهوذا” الذي قيل بأن كلمة يهودي اشتقت من اسمه وبين “جبل صهيون”، كما أن هذه المحاولة سعت إلى زج داود عليه السلام في القصة، كما يتضح من المزمور 78 حين يقول عن “بني أفرايم” “فجربوا وعصوا الله العلي وشهاداته لم يحفظوا”. بل ارتدوا وغدروا مثل آبائهم. انحرفوا كقوس مخطئة. أغاظوه بمرتفعاتهم وأغاروه بتماثيلهم. سمع الله فغضب ورذل إسرائيل جداً. ورفض مسكن شيلو الخيمة التي نصبها بني الناس. وسلم للسبي عزه وجلاله ليد العدو. ودفع إلى السيف شعبه وغضب على ميراثه. مختاروه أكلتهم النار وعذاراه لم يحدمن. كهنته سقطوا بالسيف وأرامله لم يبكين. فاستيقظ الرب كنائم كجبار معيط من الخمر فضرب أعداءه إلى الوراء. جعلهم عاراً أبدياً. ورفض خيمة يوسف ولم يختر سبط أفرايم، بل اختار سبط يهوذا جبل صهيون الذي أحبه. وبنى مثل مرتفعات مقدسة كالأرض التي أسسها إلى الأبد. واختار دواد عبده وأخذه من حظائر الغنم ومن خلف المرضعات أتى به ليرعى يعقوب شعبه وإسرائيل ميراثه “مز 78: 56-71”.إن نص هذا المزمور يمثل في الواقع إشكالية كبيرة إذا قورن بما جاء في “كتاب اليهود” من تفاصيل حول تاريخ المملكة الموحدة ثم مملكتي يهوذا والسامرة.
فهو يفترض أن مملكة يهوذا نشأت فقط بعد زوال مملكة السامرة، وأن داود عليه السلام وجد أيضاً بعد انهيار مملكة السامرة التي نسبت في المزمور إلى “أفرايم”. وعليه فإن زمن داود ومملكته يجب أن يعقب واقعة السبي الأشوري لمملكة الشمال” 722/721 ق.م”.
ولكن ما يهمنا هنا هو ذلك الربط بين “سبط يهوذا وجبل صهيون الذي أحبه”. كيف تشكل هذا الربط؟. لعل القارئ يستنتج من النص أن سبط يهوذا كان يعيش في منطقة تحمل اسم “جبل صهيون”، ثم إن سؤالاً ثانياً لا بد وأن يطرح نفسه: إذا كانت البيئة جبلية فما الحاجة إلى بناء “مثل مرتفعات مقدسة كالأرض التي أسسها إلى الأبد”؟. إن هذا النص يوحي ببناء أهرامات أو زقورات أو صوى صنعية تكون شبيهة بالجبال. فأين حدث هذا؟ وما دلالته؟
من الطريف أن نلاحظ أن كلمة “صهيون” لم تكن لتعني شيئاً في البداية سواء بالنسبة لداود عليه السلام أم لليهود بعد ذلك بزمن، كما سيتضح لنا من “كتاب اليهود”.
إن أول ذكر لصهيون في سياق الأحداث التاريخية وفق الرواية التوراتية جاء ضمن النص التالي: “كان داود ابن ثلاثين سنة حين ملك. ملك أربعين سنة. في حبرون ملك على يهوذا سبع سنين وستة أشهر. وفي أورشليم ملك ثلاثاً وثلاثين سنة على جميع إسرائيل ويهوذا. وذهب الملك ورجاله إلى اليبوسيين سكان الأرض، فكلموا داود قائلين لا تدخل إلى هنا ما لم تنزع العميان والعرج، أي لا يدخل داود إلى هنا. وأخذ داود حصن صهيون. هي مدينة داود” “صموئيل الثاني 5 :4-6”. ويرد أيضاً “واقام داود في الحصن وسماه مدينة داود” “صموئيل الثاني 5: 9.
واضح من هذا الكلام ما يأتي:
•إن تسمية “صيون” أو “صهيون” للحصن الذي يجري الحديث عنه بعض النظر عن موقعه هي غالباً تسمية كان يطلقها أصحابه الأصليون عليه.
•إن هذه التسمية لم تكن تحمل في البداية أية أهمية خاصة بالنسبة لبني إسرائيل أو من صاروا يعرفون بعد ذلك باليهود، بدليل أن داود نفسه أطلق على جبل صهيون أو حصن صهيون اسم “مدينة داود”.
•لا شيء في النص يشير إلى معركة جرت للاستيلاء على الحصن، مما يرجح أنه كان مهجوراً.
•واضح أن اليبوسيين “سكان الأرض” الذين خاطبهم داود ورجاله لم يكن لهم ملك، وإلا لدارت المفاوضات بين الملكين، وهو ما يرجح أن المكان الفعلي لم يكن القدس، خاصة وأن علماء الآثار  يقولون إن الحيان كانت متوقفة في المدينة في زمن داود، أي إنه لم تكن هناك مدينة ليحتلها داود.
كما أن المكتشفات الآثارية لم تستطع إثبات وجود حصن صهيون على جبل صهيون في القدس ولا مدينة داود التي بناها داود حول الحصن مستديراً مما يرجح أن مدنية داود عليه السلام هي في موقع آخر.
كيف تحولت كلمة “صيون” أو “صهيون” من كلمة لا أهمية لها عند أصحاب “كتاب اليهود” إلى كلمة في غاية الأهمية؟
في مقدمة الشارح لطبعة “الكتاب المقدس” المعتمدة من “جمعيات الكتاب المقدس في المشرق”، وفيما يتعلق بالمزامير نجده يقول: “أما أناشيد صهيون فتشيد بأورشليم وبهيكلها وتضفي على صهيون صفات بهية مختلفة، فهي عاصمة سلالة داود والاصمة الدينية وأقدس مساكن العلي ومدينة الملك الأعظم. توجه هذه السلسلة من التسابيح آخر الأمر إلى الرب نفسه فهو الذي اختار جبل صهيون مقراً وله ومكاناً لراحته. فالمزمور 132 الذي ربما أنشد لإحياء ذكرى اختيار المدينة واختيار ملكها، يبدو أنه توسيع مزخرف لما ورد في “2 مل 7”. وصاحب المزمور 68 يروي في أسلوب ملحمي حافل بالذكريات المبهمة المأخوذة من الأناشيد القديمة، مسيرة تابوت العهد المهيب إلى مقره الأخير. والعاصمة الجديدة المبنية على الجبال المقدسة، تطالب بلقب “أقاصي الشمال” “38: 4” الذي كانت الأساطير الكنعانية تطلقه على مقر البعل. لا بل “سيناء هي في القدس”. فحضور القدير على الدوام ضمان لاستقرار هذه المدينة وأمنها، كي يصبح ملاذاً منيعاً. من هنا ينبع اطمئنان الشعب التام في أحرج المواقف فأناشيد صهيون صيغ أولية لنوع من التصوف يسبغ الكمال المثالي على المدينة، عاصمة الشعوب في المستقبل “1”.
يلاحظ هنا أن الشارح أورد الادعاء القائل إن الرب هو “الذي اختار جبل صهيون مقراً له ومكاناً لراحته”، بينما رواية التوراة حول ظروف اختيار موقع “بيدر أرونة اليبوسي” على جبل الموريا تعني ببساطة متناهية أن الرب “نبذ صهيون واختار الموريا”. ولا ندري حقيقة ما هو الأساس المنطقي الذي جعل اليهود يتمسكون باسم “صهيون” ويحاولون طمس اسم “الموريا”، وبالرغم من أن “الموريا” وارد في سفر التكوين باعتباره المكان الذي شهد واقعة الفداء الإبراهيمي، وهو الحدث الذي يبرر أصلاً قدسية المكان.
لقد أولع اليهود – في بابل – لسبب أو آخر باسم “صهيون”. فلم يعد هذا الاسم في نهاية المطاف مجرد اسم مكان، أو جبل، وإنما بات يدل أيضاً على مدينة محصنة ومقدسة، تحمل اسم “ابنة صهيون”، وهي “مدينة الرب صهيون قدوس إسرائيل” “كما لو كان صهيون اسماً للرب”، و “إن الرب يزمجر من صهيون”، ونستطيع من خلال النصوص ملاحظة ثلاثية تشمل “صهيون و أورشليم والجبل المقدس” كما نفهم من القول “هكذا قال الرب قد رجعت إلى صهيون وأسكن في وسط أورشليم فتدعى أورشليم مدينة الحق وجبل رب الجنود الجبل المقدس” “ذكريا 8: 2 – 3″، أو كما يرد في القول “إن ميخا المورشتي تنبأ قائلاً هكذا قال رب الجنود إن صهيون تفلح كحقل وتصير أورشليم خرباً وجب البيت شوامخ وعر” “إرميا 26 : 18″، وهذا يرجح ثلاثية التكوين بين مواقع صهيون وأورشليم وجب البيت الذي يفترض أنه جبل الموريا. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فوجدنا اسم “صهيون” يتجاوز المدينة ليكون اسماً لجماعة معينة ولمنطقة بكاملها، بحيث يمكن لاسم “بني صهيون” أو “بنت صهيون” أو “صهيون” أن يحل محل اسم “يهوذا” أو اسم “بني إسرائيل” أو اسم “بيت يعقوب”. ومن ذلك “ليفرح إسرائيل بخالفه. وليبتهج بنو صهيون بملكهم” “مز 149: 2”. كما أن صهيون هي مقر الملك الممسوح، كما ان الرب اختار صهيون مسكناً له. ومن ذلك “فتعرفون أني أنا الرب إلهكم ساكناً في صهيون جبل قدسي” “يوئيل 3: 17”. أو القول “لأن الرب قد اختار صهيون اشتهاها مسكناً له. هذه هي راحتي إلى الأبد ههنا أسكن لني اشتهيتها “مز 132 :  13 – 14”. و “من صهيون كمال الجمال الله أشرق، يأتي إلهنا ولاي صمت. نار قدامه تأكل وحوله عاصف جداً” “مز 50: 2 -3”.
لا غرابة بعد هذا كله، أن تتحدث بروتوكولات حكماء صهيون عن ظهور “الملك – المتسلط من “سلالة صهيون”، وهو الذي نعد ونهيئ للعالم” “2”، فكأن هناك سلالة تنتمي إلى صهيون!!
والسؤال الآن: ما أصل “صهيون” هذه بحيث صعدت من اسم “يمكن الاستغناء عنه” وإبداله باسم “مدينة داود” إلى المعاني التي صارت ترتبط بها؟
من الضروري بداية أن نثبت بأن الكلمة العبرية التي شاع عندنا نطقها بصيغة “صهيون” هي “صيون”، وأن صهيون هي تهجئة في الترجمة العربية مأخوذة عن الصيغة السريانية للاسم التوراتي “3”. ويبدو أن هذا الفارق في التهجئة قاد إلى فوارق في استخلاص الدلالة.
وفي هذا السياق، يمكننا إيراد الآراء أو الاجتهادات الآتية حول كلمة “صهيون”:
•تعني “صهين” في العامية الفلسطينية: تجاهل، لم يكترث، لم يبال، طنش، تناسى. ويقال أيضاً “تصهون” بمعنى خالف الموضوع أو خرج عن جادة الصواب، وأخذ كلام الآخرين بسخرية، وأمعن في الضحك دور مبرر.
•يرى د. محمد بهجت قبيسي أن كلمة “صهين” جذرها صه، وكلمة “صهيون” جذرها وصهي “حيث الواو والنون لاحقة كنعانية” “4”.
وإذا نحن أخذنا هذه الجذور في العدنانية، فإن صه تأتي بمعنى أسكت، وصه بمعنى دع كل حديث ولا تتكلم. وصهصه بالقوم: زجرهم ليسكتوا. وصهي وصها: جرح ثم ندي جرحه دائماً. ويقال صهي الجرح وصهيت يده. والصهوة من كل شيء أعلاه. والبرج يتخذ فوق الرابية، ونبع الماء في الجبل” 5″.
•ثمة قراءة تقول إن “جبل صهيون” في القدس معناه الجب المشمس الجاف في اللغة الكنعانية “6”.
•يتناول د. عبد الله الحلو عدداً من المواقع لبيان دلالتها بالآرامية. منها موقع صهيا الذي يقول ياقت إنها قرية في إقليم بانياس “جبل الشيخ”، ويقول لعل المقصود هي قرية حوش صهيا الواقعة إلى الجنوب من دمشق، واسمها يعني العطش والجفاف. ويذكر أن إحدى قرى معرة النعمان تعرف باسم صهيان. وهذا ليس سوى صيغة جمع آرامية بمعنى الأمكنة العطشى “7”. وأما عن تسمية “صهيون” فيقول إن المصادر العربية عرفت مكانين باسم “صهيون” أو “صهيون”. ففي البداية كانت اللفظة الآرامية “صيون” قد أطلقت على قسم من المرتفعات الشرقية لمدينة القدس وكانت هذه التسمية تمتد أحياناً لتشمل القدس نفسها، حتى إن أحد أبواب المدينة سمي “باب صهيون”، وإحدى كنائسها سميت “كنيسة صهيون”. وهو ما يذكره أغلب الجغرافيين العرب. وهذه اللفظة الآرامية مشتقة من الجذر صوا أي عطش وجف. وهو مرادف للجذر صها الذي اشتق منه اسم صهيا، بحيث إن صيغة صيون تعني هنا أيضاً البقعة العطشى. والأرجح هنا أن التسمية سريانية قديمة بديلي وجود إلهاء فيها مما نتج عنه الياء المشدد في لفظة “صيون” “8”.
•يقول د. أحمد داود ن كلمة صهيون في القاموس الكلداني تعين حرفياً: اليابس، الناشف العطشان، الفرات وقت نقصانه، وإن في إمكان القارئ أن يلاحظ كيف قرن القاموس الكلداني هذه اللفظة بمعانيها تحديداً بالفرات. والكلدانيون هم أقرب الناس إليه إذ كان مركزهم في بابلون على نهر كفار “الكافر” الذي يرفده ي منطقة ما بين النهرين رنيا والفرات وليس في عاصمة الدولة. ولقد حافظت لغتنا العربية على هذا المعنى حتى اليوم في “الصهو” و “الصهوة”، إذ نجد في القاموس أن الصهو والصهوة البرج يتخذ في أعلى الرابية جمعها صهي وكالغار في الجبل فيه ماء جمعهاء صهاء. وهكذا – حسب تحليه – تتضح لنا حقيقة صهيون التوراتية جغرافياً ولغوياً، فهي المغارة أو الحصن في الجبل بعد أن نشفت فيها منابع نهر الفرات، والتي لجأ إليها داود مع رجاله ودعاها مدينة داود، وإن كلمة “يبوس” هي المرادفة لــ “صهيون” وتعني ساكن المغارة التي يبست وجف ماؤها “9”.
•يقول أحمد عثمان إنه ليس هناك أي تفسير لمصدر كلمة “صهيون” التي ظهرت لأول مرة في قصة الملك داود التوراتية، أو حتى أي تحديد لمعناها، إلا أنه يعتقد “أنها مركبة من شيقين” “صي” و “أون” كلاهما من أصل مصري. فالهاء الوسطية في الكلمة العربية “صهيون” غير موجودة في الاسم العبري “صيون” الذي يتكون من أربعة أحرف: الشق الأول صاد والشق الثاني ألف وواو ونون. وعند ضم الشقين تحولت الألف إلى ياء “صيون”. وبينما كانت الصاد تدل على اللغة المصرية القديمة وكذلك في العبرية والعربية على الصحراء أو المكان المهجور فإن “أون” وردت في التوراة للدلالة على مدينة “عين شمس” التي كانت مقدسة عند المصريين القدماء وتقع الآن شمال القاهرة. وعلى هذا فكلمة “صيون” التي وردت في التوراة تعني – في اعتقاده – “ص – أون” أي “المدينة المقدسة للأرض المهجورة” “10”.
والواقع أن “صي” و “صا” تردان في اللغات القديمة في سياق أسماء يصعب تفسيرها بالأرض المهجورة. فمثلاً ترد “صي” في اسم “صي – دامو” أحد إخوة ملك إيبلا في الألف الثالث قبل الميلاد. ويرد “صا” كاسم لأحد أبناء قبطيم بن مصيرايم، وقد أطلق اسمه على مدينة ومملكة كانت تشمل منطقة البحيرة والإسكندرية وتمتد حتى برقة في ليبيا “11”. وهو موضع مدينة صا الحجر “سايس”. وقيل إن اسمها مأخوذ عن الأصل القديم “سأ” في المصرية يؤدي معنى الحماية والرعاية والحصانة. ومن المعروف أن ساو “ص = الحجر” كانت عاصمة حصينة، وقلعة متينة، باعتبارها كرسي الحكم وعاصمة الملك. ويلاحظ إضافة الحجر إلى صا اسمها في العربية. وهذا ما يجعلنا ننظر إلى مادة صيا في اللسان. وقيل القصور لأنه يتحضن بها. ومفرد الصياصي “صية”. وفي المصرية “سأت = سور، جدار خارجي”. وهي ذاتها “صا” “الحجر” “12”.
إن صيغة “صا – الحجر” قد تقودنا إلى فهم دلالة “صا – أون” فهي صا العمود.
•في دارسة على الإنترنت بعنوان “جذور الوصايا في الكتاب المقدس، فإن النبي إرميا في الإصحاح 31 الآية 21 يقول: “انصبي لنفسك صوى اجعلي لنفسك أنصاباً. اجعلي قلبك نحو السكة الطريق التي ذهبت فيها”. وهكذا نحن نجد سلسلة على الطرق من حجارة عظيمة غير منحوتة، تدعى الدولمن والكروملش، تقود من فلسطين (تكوين 35: 14 إلخ) عبر أوروبا، وحتى الجزر البريطانية، حيث استعملت في العبادة من قبل الكهنة الدراويد. وفي إنجلترا، طبقاً لكتاب إزابل هل إلدر “السلت، والدراويدن والكلد” فإن كل نصب حجر كان يسمى صيئون Si>on في اللغة السلتية القديمة، والتماثل بين هذا الاسم وبين الكلمة العبرية صيون أو زيون zion، بمعنى الحصن الحجري، تلفت الأنظار.
بطبيعة الحال، من غير الوارد الربط بين ظاهرة الإنشاءات الميغاليثية، والتي تعود بداياتها إلى الألف الرابع ق.م وبين شتات بني إسرائيل كما يريد الباحث أن يوحي. لكن تسمية تلك الإنشاءات في اللغة السلتية باسم “سي – أون” أو “صي – أون”، يرجح أن كلمة “صيون” هي كلمة سلتية في الأًصل. وهذا ما يتفق مع جملة  من المعطيات التي تؤكد على النشأة السلتية للقدس “وكانت تحت اسم كيلة نسبة إلى إله السماء الأعلى الخفي كيلي/ سيلي”، وربما نسب إليه السلت “الكلت” أيضاً، والذين يثبت وجودهم في منطقة وجودهم في منطقة القدس وادي الكلت الممتد من جبل قرافيص “موطن السلت الآسيوي الذي بات مجهول الموقع كما يدعي البعض، ومعناه الأرض المنتجة أي المباركة” وحتى نهر الأردن بجوار أريحا، وفي هذه الحالة لا غرابة في أن توجد على جبل صهيون “صي – أون” صوة حجرية من النمط الميغاليثي للدلالة على الطريق أو لغرض آخر، ولعلها اندثرت مع الزمن.
ومن الطريف ملاحظة أن سم Sion السلتي يمكن تفسيره على أساس أن si تعني “هي”، وأما on السلتية تعني قرض أي عون أيضاً. وإذا كانت الصوى تنصب لتدل التجار على الطريق، فهي إذاً عون للقوافل التجارية، وهكذا، فإن اللغة السلتية وحدها تستيطع أن تعطينا الدلالة الفعلية لكلمة “صون” في الأصل وأن تدلنا على أن هذه الكلة اقتبسها اليهود في زمن متأخر من الموروث السلتي في المنطقة. ويلاحظ أن حياة اليهود قد تمحورت حول “الصوى” للتجارة و “الصياصي” للإقامة، وقد أقحمت” صيون” على الصوى والصياصي لتمثل البعد الديني والسلطوي.
على أن ما هو أهم من ذلك، أن اسم “صي–أون/ صيون” السلتي لا بد وأن يذكرنا بالإله السلتي البحري الذي لا يزال التوجه إليه قائماً في مدينة لويس الإسكوتلندية، والذي يحمل السم “صيونت”. فهل كان اليهود قديماً، وحين كانوا في القرية التي كانت حاضرة البحر المذكورة في القرآن الكريم يعبدون إلهاً بحرياً باسم “صيونت”؟ وهل المبالغات الكثيرة التي لحقت بكلمة صهيون مصدرها ذكريات عبادة هذا الإله؟
هذه أسئلة ليس من السهل الإجابة عنها. كما أن الإنشاءات الميغاليثية “صي – أون عند السلت” لا يزال الاختلاف قائماً بين العلماء حول تفسير الأغراض الحقيقة لإنشائها، أهي من أجل الأموات؟ أم إن  لها أغراضاً صحية لمعالجة بعض الأمراض؟ أم إنها منشاة فلكية بقصد التقويم؟. ولم نلمس تركيزاً على وجود أهمية تجارية لهذه الإنشاءات مثلما هو الحال بالنسبة للصوى عند اليهود.
يحدثنا الكتاب المقدس عن وجود ما تسمى “علية صيون” في القدس.
ولنلاحظ أن “علية صيون” كانت خارج القدس، وقد ورد في “أعمال الرسل” ولما حضر يوم الخمسين كان الجميع معاً بنفس واحدة. وصار بغتة من المساء صوت كما من هبوب ريح عاصفة وملأ كل البيت حيث كانوا جالسين. وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار واستقرت على كل واحد منهم. وامتلأ الجميع من الروح القدس وابتدؤوا يتكلمون بألسنة أخرى.
وكان يهود من كل أمة تحت السماء سكانين في أورشليم. فلما صار هذا الصوت اجتمع الجمهور وتحيروا لأن كل واحد كان يسمعهم يتكلمون بلغته، فبهت الجميع وتعجبوا قائلين لبعضهم البعض أترى ليس جميع هؤلاء المتكلمين جليليين؟ فكيف نسمع نحن كل واحد منا لغته التي ولد فيها؟ فرتيون وماديون وعيلاميون والساكنون ما بين النهرين واليهودية وكبدوكية وبنتس وآسيا وفرنجية وبمفيلية ومصر ونواحي ليبيا التي نحو القيروان والرومانيون المستوطنون يهود ودخلاء كريتيون وعرب نسمعهم يتكلمون بألسنتنا بعظام الله “أعمال الرسل 2: 1 – 11”.
أما نحن فنتساءل: ما الذي جعل اليهود منتشرين وما الذي جمع ممثليهم في مكان معين في القدس؟ ويبدو أن هذا المكان حمل اسم “علية صيون”؟، لا تفسر لدينا سوى أن التجارة هي التي جمعت هؤلاء اليهود الأتقياء من كل أمة تحت السماء. فموفع القدس في ذلك الزمن كان في مركز العالم القديم. وهذا ما جعلهم معنيين بالسيطرة على هذه المدينة لتكون مقر إدارة تجارتهم العالمية، لكن هذه الفكرة أيضاً حول أهمية القدس المركزية من الزاوية التجارية لا بد وأن تثير لدينا التساؤل عن زمن أسبق من ذلك كانت فيه الأهمية التجارية للقدس متواضعة للغاية بالقياس إلى مدن تقع على الخط التجاري الواصل من اليمن إلى غزة عبر تهامة الحجاز وأيلة التي هي العقبة.
ترى أكانت هناك مواقع حملة اسم “صهيون” أم تسميات مشتقة من دلالة “الصوى” على ذلك الطريق الرئيسي للتجارة؟
يمكن في هذا السياق الإشارة إلى المواقع الآتية:
•    قعوة الصيان: في مرتفعات رجال ألمع غرب أبها، ويرى الصليبي أنها هي “هيرصيون” التوراتية بالذات “14”. وفي كتابه “حروب داود” يحاول الصليبي تقديم دليل إضافي على وجهة نظره، فيذكر أن الرحالة الدمشقي المعروف بابن المجاور الذي زار بلاد الحجاز واليمن في الرابع الأول من القرن الثالث عشر للميلاد، قال في كتابه المسمى “تاريخ المستبصر” متحدثاً عن مسألة نهر السبت: قالت أهل الذمة: إنه في أرض التيه. وحدثني يهودي صائغ بعدن قال: إن نهر السبت في أرض يقال لها صيون والأصح أنه في الحجاز ظهر. ووراء هذا النهر من اليهود مائة ألف ألف رجل وامرأة وهم زائدون عن العد خارجون عن الحد. والقوم عرب يعقدون القاف ألف في لغتهم، وفي جملة القوم أولاد موسى بن عمران عليه السلام. ويقول الصليبي إن صيون المذكورة هي اليوم قعوة الصيان من قرى منحدرات رجال المع بتهامة عسيرة. والمنحدرات هذه تحد منطقة جيزان من الشمال. ولا بد أن نهر السبت هو الوادي الذي يجري عند قعوة صيان وقرة أخرى في جوراها اسمها اليوم آل سبتي. والوادي هذا من رؤوس مياه وادي حلي. ويستخلص من كلام ابن المجاور أن الآشوريين اقتلعوا أسباط إسرائيل العشرة من مدن تهامة عسير وقراها، فساقوهم عبر “نهر السبت” هذا إلى منطقتي نجران وجيزان فاليمن.
ويبقى هذا اجتهاداً ليس من السهل البت في صحته. فالمدونات العربية القديمة تقدم لنا الكثير من الأخبار التي يصعب البت في تاريخيتها.
•صها: جمع صهوة. وهي عدة قلل في جبل بين المدينة ووادي القرى يقال لك واحدة منها صهوة وجمعها صهى .
•الصهو: موضع بحاق رأس أجأ. وهو من أواسط رأس أجأ مما يلي الغرب، وهي شعبا من نخل ينجاب عنها الجبل. الواحد صهوة. وهي لجذيمة من جرم طيء.
الصهوة: بنواحي المدينة، وهي صدقة عبد الله بن عباس في جبل جهينة.
•صيهون: ويقول ياقوت إنه لا يدري ما أصله إلا أن العمراني قال: صيهون اسم جبل، وذكره هكذا بتقديم الياء على الهاء.
•صهيون: قال الأعشى يمدح يزيد وعبد المسيح ابني الدين، وقيل يمدح السيد والعاقب أساقفة نجران:

أيا سيدي نجران لا أوصينكما
بنجران فيما نالها واعتراكما

فإن تفعلا خيراً وترتديا به
فإنكما أهل لذلك كلاكما

وإن تكفينا نجران أمر عظيمة
فقبلهما ما سدها أبواكما

وإن أجلبت صهيون يوما عليكما
فإن رحى الحرب الدكوك رحاكما

والسؤال الذي تطرح هذه الأبيات:
ما العلاقة بني “صهيون” “المفترض أنها في القدس أو القدس” ونجران؟ أم أن هناك صهيوناً قريبة من نجران هي التي يجري الحديث عنها؟.
لنكتف بهذه الاحتمالات التي تتواجد على الطريق التجاري الرئيسي القديم من اليمن إلى غزة عبر العقبة “أيلة”. فمن الممكن أن واحداً من هذه الأمكنة شكل صهيون القديمة التي جرت محاولة إحلال القدس محلها في زمن لاحق.

المصدر: مجلة المعلم العربي/ 238 – 439

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق