شؤون العدو

شطرنج ايراني

بقلم: ناحوم برنياع – يديعوت 

يحتمل أن يكون تسلل الطائرة الايرانية بدون طيار الى الاراضي الاسرائيلية نبع من خطأ عملياتي: فالجنجي الذي كان مناوبا كقائد في مطار تدمر غفى مع الاصبع على ممسكة التوجيه. معقول أكثر الافتراض انه كانت هنا نية مبيتة. فليس صدفة ان يكون الايرانيون اخترعوا لعبة الشطرنج. فهم يديرون في الفترة الاخيرة لعبة مركبة مع اسرائيل، تنتشر على الساحة السورية واللبنانية. وحتى يوم أمس كانوا في حالة دفاع. أما أمس فقد انتقلوا الى الهجوم، ضحوا بحجر وأخذوا لنا القلعة. خطوات اخرى على الطريق.

ايران واسرائيل تقاتل الواحدة الاخرى لسنين. هذه حرب وحشية: الايرانيون لم يترددوا في أن يقتلوا في اثنائها مواطنين أبرياء، اسرائيليين ويهود. قاعدة واحدة حافظوا عليها بعناية: الامتناع عن المواجهة المكشوفة، المباشرة. ايران هاجمت من خلال المبعوثين، الاكثر فتكا بينهم هي منظمة حزب الله. اما اسرائيل ففضلت العمليات السرية، من تحت الرادار. أما أمس، ولاول مرة تحطم هذا الحاجز. تحطم في الطرفين. وهذه علامة طريق.

علامة طريق ثانية هي اسقاط الاف 16 حين كانت تطير في سماء اسرائيل. منذ 1982 لم تسقط طائرة لسلاح الجو. في الجيش الاسرائيلي بذلوا جهدا للتهدئة: ضرب طائرة واحدة لا يبشر بفقدان التفوق الجوي الاسرائيلي. وعلى الرغم من ذلك، عندما يتبين بان مضادات الطائرات لدى الجيش السوري يمكنها أن تسقط طائرة في سماء الجليل فللاسرائيليين سبب للقلق. فضلا عن ذلك، فان اسقاط الطائرة يطرح اسئلة عن حرية عمل سلاح الجو في ضرب اهداف في سوريا وفي لبنان. منذ الحسم في الحرب الاهلية في سوريا تتغير قواعد اللعب، على الارض وفي الجو.

في بداية الشهر شاركت في سلسلة من المحادثات والجولات مع كبار المسؤولين في الجيش الاسرائيلي، تركزت على المعركة في الشمال. والمقال الذي نشر في اعقابها عنونته “حرب الشمال الاولى”. لست أنا من اخترع هذا التعبير – اخترعه قائد فرقة في المنطقة. وكان هدف المحادثات، كما كتبت، هو “اعداد اصحاب القرار في العالم والرأي العام في البلاد لامكانية الحرب، ليست المبادر اليها بل المتدحرجة، وبشكل غير مباشر الايضاح للايرانيين بان اسرائيل لا تخاف المواجهة العسكرية”.

في الجيش الاسرائيلي لا يريدون الحرب؛ وكذا القيادة السياسية أيضا. فالتحذيرات تستهدف منع الحرب وليس احداثها. والهدف الاساس لهذه التحذيرات كان بوتين. وكانت الفرضية هي أنه اذا فهم بوتين بانه قد تنشب حرب في الشمال تجعل من الصعب عليه فرض الاستقرار في سوريا وتهز مكانته كمحكم أعلى بين الدول في المنطقة فانه سيحرص على وقف الايرانيين. هذا لم يحصل. والجهد العظيم الذي  بذله نتنياهو في أسر قلب بوتين باء بالفشل.

بوتين مثل بوتين: فهو يغدق اقوال المحبة على آذان رؤساء وزراء اسرائيل، ويدعهم يشعرون بانه معجب بهم وبدولتهم. وهم يتباهون بعلاقاتهم معه امام جمهور ناخبيهم. اما هو فليس صديقا. في حديث مع أحد اسلاف نتنياهو قال بصراحة: أنا أعمل فقط وفقا لمصالح روسيا كما افهمها.

في هذه اللحظة مصلحة روسيا هي الحفاظ على حلفه مع ايران، وليس التورط في تدخل مباشر في الحرب. والتنسيق مع اسرائيل يستهدف خدمة هذين الهدفين. التنسيق مع اسرائيل هو تكتيك؛ الحلف مع ايران هو استراتيجية. اسرائيل لا يمكنها ان تعول على نوايا بوتين الطيبة. وهي ملزمة بان تجد سبيلا لاجباره على العمل.

لقد أمن نتنياهو بان بوسعه أن يجند الادارة الامريكية من أجل منع تثبيت وجود ايران. وكما هو معروف فان ترامب اكثر ودا لاسرائيل من بوتين. لعله هو الذي سيجلب الخلاص. لشدة الاسف، هذه الخطوة فشلت هي الاخرى: ادارة ترامب تخلت عن تدخل حقيقي في تقرير مصير سوريا. وهي تحشد جهودها في الشرق، على الحدود مع العراق. أما في جبهتنا فليس لنا من نعتمد عليه غير أنفسنا.

السؤال الكبير هو من سيقوم بالخطوة التالية في لعبة الشطرنج هذه، متى وكيف. السيناريو اللازم هو تنظيم قافلة اخرى لحزب الله تنقل الصواريخ الدقيقة أو عناصر لمثل هذه الصواريخ، من سوريا الى لبنان، وسيتعين على اسرائيل أن تقرر هل تغض النظر وتخاطر بفقدان الردع، أم تهاجم وتخاطر بالتدحرج نحو الحرب. الجيش الاسرائيلي اتخذ جانب الحذر حتى اليوم من وضع خطوط حمراء: من رسم خطا أحمر يصبح أسيره، رهينته. اما وزراء حكومة اسرائيل فأقل حذرا. شيء واحد هو أن يقول المرء ان اسرائيل ستعمل ضد تثبيت وجود ايراني في سوريا وفي لبنان، وشيء آخر هو القول ان اسرائيل لن تسمح بذلك.

لقد ولدت معظم الحروب في الشرق الاوسط من تدحرجات غير مقصودة، من لعبة خطوة تشوشت، من عملية ارهابية نجحت اكثر مما ينبغي من ضغط على الرأي العام على القيادة السياسية. ليس معني أي لاعب في هذه اللحظة بالحرب – لا في اسرائيل، لا في لبنان، لا في سوريا وحسب التقدير في اسرائيل ولا في ايران ايضا. فالحرب تبدو زائدة جدا، هاذية جدا، في نظر الاسرائيليين الذين تنزه منهم امس، في يوم دراماتيكي في الشمال مئة الف شخص في المحميات الطبيعية و 25 الف في جبل الشيخ. في الجيش الاسرائيلي فرحوا – فقد رأوا في ذلك دليل ثقة من الاسرائيليين لجهازهم الامني. ولعل السبب هو عدم الثقة: الاسرائيليون لا يصدقون الخطاب الحرب لزعمائهم. وهم يرفضون الفزع مما لا يمكنهم لا يغيروه.

وعليه، فخير يكون اذا ما واصلت الدولة العمل كالمعتاد: في هيئة الاركان يتابعون نشاط الايرانيين وفي الشرطة يعملون على تحقيقات الفساد. والجيش الاسرائيلي يرفع توصياته والشرطة ترفع توصياتها. رجاء لا تخلطوا الامور.

 

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق