شؤون العدو

كيف التقيت مع ياسر عرفات وبقيت على قيد الحياة

بقلم: اوري افنيري – هآرتس

حسب كشوفات رونين بيرغمان، أنا أعيش باعجوبة. بيرغمان هو صحافي متخصص في شؤون الخدمات السرية. وقد حصل منها على معلومات كثيرة. الآن نشر في الولايات المتحدة كتابه الذي نشرت اجزاء منه في مقال في “نيويورك تايمز”. احد الاكتشافات في الكتاب يتعلق بلقائي مع ياسر عرفات في بيروت المحاصرة خلال حرب لبنان الاولى، عندما كان اريئيل شارون وزيرا للدفاع. شارون كان يكره عرفات كره مرضي. وحسب اقوال بيرغمان، عرف الموساد بأنني سألتقي مع عرفات، وتعقبني رجاله من اجل ايجاد عرفات وقتله وشارون لم يكن يهمه أن أقتل اثناء ذلك. هذا كان حسب رأيه ثمن جانبي. واليكم القصة كما حدث معي.

عندما اندلعت الحرب زادت رغبتي الداخلية بأن أكون قريب من الجبهة وأشاهد ما يحدث. هكذا حدث في حرب يوم الغفران عندما لاحقت اريك حتى قناة السويس، وهكذا كان ايضا في هذه المرة. حدود اسرائيل – لبنان كانت مغلقة، لكن رغم ذلك نجحت عدة مرات في اجتيازها والوصول بسيارتي الخاصة الى صيدا.

في هذه المرة تلقيت دعوة رسمية. الجيش الاسرائيلي احتل بيروت الشرقية المسيحية، وحاصر قوات م.ت.ف في بيروت الغربية. المتحدث بلسان الجيش الاسرائيلي اقام فرع في حي بعبدا في جنوب بيروت ودعا المراسلين الصحفيين الاسرائيليين الى زيارة منظمة. كمحرر لـ “هعولام هزيه” تمت دعوتي ايضا. وقد اقترحت على محررتان والمصورة عنات سلبروسكي والمراسلة شريت يشاي الانضمام إلي، وسافرنا في سيارتي الخاصة.

عندما وصلنا الى مكتب المتحدث بلسان الجيش في بيروت كان ينتظرنا ضيوف محليين منهم صحافيون من كل العالم، الذين كانوا مستقرين بصورة دائمة في لبنان، من بينهم كان مراسل التلفزيون الالماني الذي عرف اسمي لأن مقالاتي نشرت في المانيا. قلت له إنني أهتم بالالتقاء مع زعماء لبنانيين. وقد اعطاني ارقام هواتف، عندها سألني سؤال مدهش “لماذا لا تلتقي مع ياسر عرفات؟”.

لقد كشف لي أن خطوط الهاتف بين شطري بيروت تعمل لأن المحول المركزي يوجد في غرب المدينة تحت سيطرة م.ت.ف. واعطاني رقم مكتب عرفات. سارعت الى غرفتي في الفندق وقمت بالاتصال. رد علي صوت بلهجة عربية. قلت إنني اوري افنيري من تل ابيب وأنا اريد الالتقاء مع الرئيس. “سأتصل معك مساء”، قال الرجل. لم اصدق للحظة أن هذا سيثمر. لذلك سافرت مع المرأتين الشابتين الى جونة، وهي ميناء في شمال بيروت، كانت تحت سيطرة المسيحيين. عدنا الى بيروت في وقت متأخر في المساء. وكنا سكارى تقريبا، وغرقت في نوم عميق.

فجأة رن الهاتف. “أنت تريد التحدث بالعبرية أو الانجليزية؟” سألني صوت معروف. كان هذا صوت عماد شقور من سخنين الذي عمل ذات مرة في النسخة العربية لعولام هزيه، والذي اختفى في يوم ما. كانت هناك شائعة بأنه ذهب الى لبنان. وتبين أنه اصبح مستشار عرفات للشؤون الاسرائيلية. “عليك أن تكون غدا في الساعة العاشرة بالضبط في حاجز المتحف”، قال، “هناك سينتظرك شخص اسمه احمد”.

أسرعت الى غرفة المرأتين واقترحت عليهن الانضمام لي، وقلت لهن إن هذا يمكن أن يكون أمر خطير نوعا ما. عنات قفزت فورا وشريت، التي هي أم لطفلة صغيرة، ترددت بضع دقائق وبعد ذلك وافقت.

فجأة خطرت ببالي فكرة، اتصلت مع الصحافي الالماني واقترحت عليه مرافقتنا. لقد ادرك أن هذا سيكون سبق صحفي عالمي، فوافق على الفور.

هكذا خرجنا في صباح اليوم التالي، ثلاثة اسرائيليين وطاقم التلفزيون الالماني، في طريقنا الى الحاجز. في نفس اليوم كان هدوء في القتال، كان هناك ازمة سير خانقة، وتقدمنا بسرعة السلحفاة. في البداية اجتزنا فحص لجنود الجيش الاسرائيلي، الذين اعتقدوا أنني الماني. بعد ذلك جاءت فحوصات الجيش اللبناني والكتائب المسيحية. لم يخطر ببال أحد أننا اسرائيليين. عندها وصلنا الى تلة رملية مرتفعة صعد فوقها مقاتلو م.ت.ف. كانوا يشبهون كثيرا رجال البلماح في العام 1948.

“احمد” هكذا تبين، لم يكن سوى أحد معارفي القدامى، نائب عصام السرطاوي مندوب عرفات في باريس، الذي التقيت معه على مدى سنين. ادخلنا الى سيارة المرسيدس المصفحة لعرفات ورافقنا الحارس الشخصي لعرفات.

الطريق الى مكان اللقاء كان غريب شيئا ما، سافرنا بتعرجات مجنونة، ذهابا وايابا، يمينا ويسارا، وافترضت أن عرفات اتخذ احتياطات حتى لا أتذكر الطريق. عرفت بالطبع أن بيروت الغربية مليئة بالكتائب المسيحية التي تريد القضاء عليه. لم يخطر ببالي أنهم يتابعوني من الجو. الوصف الذي قدمه رجال الموساد لبيرغمان يبدو أنه مشكوك فيه قليلا. كما قلت، أنا نفسي لم أكن اعرف بشأن الزيارة المتوقعة قبل 24 ساعة.

اللقاء لم يتم في مكان رسمي لـ م.ت.ف بل في شقة خاصة لعائلة شقور، في بناية سكنية عادية. لقد امتد حوالي ساعتين ودار في معظمه حول امكانية السلام بين اسرائيل والشعب الفلسطيني. هذه كانت المرة الاولى التي يلتقي فيها عرفات مع اسرائيلي. ومن هذه الناحية يمكن القول إن هذا كان “لقاء تاريخي”، التاريخ كان 3 تموز 1982. سجلت كل كلمة والطاقم الالماني دعي لتصوير الدقائق العشرة الاخيرة.

بعد اللقاء تجولنا في بيروت الغربية. حسب طلب شريت يشاي وبمصادقة عرفات التقينا مع الاسير الاسرائيلي الذي كان لدى م.ت.ف. ايضا زرنا احدى المستشفيات.

في المساء عدنا الى الحدود الاسرائيلية، بعد أن اخذنا من الالمان نسخة من تسجيلاتهم (التي تم بثها في نفس الليلة في التلفزيون الاسرائيلي). في الطريق الى رأس الناقورة سمعنا في “صوت اسرائيل” أن مكتب عرفات اعلن رسميا عن اللقاء معنا. كانت عندنا شكوك بأنهم سيعتقلوننا على الحدود. هذا لم يحدث (بعد ذلك قررت الحكومة رسميا أن تأمر المستشار القانوني بفحص امكانية تقديمي للمحاكمة. الشرطة اخذت مني افادة، لكن المستشار القانوني اسحق زمير، قرر أننا لم نخل بأي قانون، حتى ذلك الحين لم يكن هناك قانون يمنع الاسرائيليين من الالتقاء مع رجال م.ت.ف، في حين أن القانون الذي يمنع الدخول الى اراضي العدو لا يسري علينا، لأننا دخلنا الحدود بدعوة من الجيش الاسرائيلي).

“هعولام هزيه” نشرت المحادثة كلمة كلمة، ونشرت اجزاء منها في صحف هامة في العالم. بمناسبة اكتشافات بيرغمان، فانني بعد هذه الحادثة مسرور من وسائل الحيطة والحذر لياسر عرفات.

عدت الى بيروت لاكون شاهدا على خروج قوات م.ت.ف من المدينة. نمت على ظهر بناية في الميناء عندما مرت في الاسفل القافلة التي نقلت المقاتلين الفلسطينيين الى السفن. حاولت رؤية عرفات، لكن رجاله اخفوه باجسادهم، ولا اصدق ان الموساد نجح في التصوير.

بعد ذلك التقيت مع عرفات عدة مرات، في البداية في تونس وبعد ذلك في البلاد. ذهبنا مرتين، اعضاء “كتلة السلام”، زوجتي راحيل وأنا، الى السكن في المقاطعة في رام الله، كـ “درع بشري”. ذات مرة قال شارون علنا إنه لم يكن بالامكان قتل عرفات في تلك الفرص لأننا كنا هناك. على ضوء اكتشافات بيرغمان من الواضح أن هذا لم يكن الذي منعه بل معارضة امريكا.

الامريكيون قالوا إنه من المحظور قتل عرفات بصورة تلقي التهمة على اسرائيل. هكذا مات عرفات بصورة غامضة، وحتى اليوم من غير المعروف كيف مات ومن هو المسؤول عن موته، حتى رونين بيرغمان لا يعرف.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق