شؤون العدو

ماراثون آفي غباي

بقلم: دمتري شومسكي – هآرتس 

وفقا لرأي سائد في جزء لا بأس به من بقايا اليسار الاسرائيلي، فان اغلبية مواطني اسرائيل يفهمون في اعماقهم أن الاحتلال يقود الدولة الى الضياع. وهذا ادعاء ليس له ما يستند اليه. الجمهور الاسرائيلي في معظمه ليس شريكا في هذا الشعور المروع، لأن الثمن الذي يدفعه نتيجة استمرار الاحتلال والاستيطان ضئيل جدا. من هنا، فان الطريق الى اليوم المأمول الذي سيصل فيه استعباد الشعب الفلسطيني الى نهايته ما زالت بعيدة كما يبدو. لهذا من الافضل أن لا يوهم المؤيدون القليلون لتقسيم هذه البلاد أنفسهم بأفكار عبثية حول “عملية سلمية” اخرى وهمية، بل يجب عليهم التركيز على الاهداف السياسية الاكثر واقعية من اجل اصلاح ما يمكن اصلاحه، واعداد المجتمع الاسرائيلي والدولة للحظة التي لا يكون فيها خيار آخر سوى الانسحاب والاخلاء.

يمكن الاشارة الى ثلاثة أهداف حيوية في السياسة الاسرائيلية الداخلية، من شأنها أن تكون قابلة للتحقق. أولا، يجب العمل على تقوية ميرتس. والى جانب اجزاء من القائمة العربية المشتركة، فان ميرتس هو الحزب الاسرائيلي الوحيد الذي يؤيد حل الدولتين لشعبين، ليس كتغطية على استمرار صيانة الاحتلال، بل بدافع الايمان أن هذه هي الطريق المحقة الوحيدة من اجل التوصل الى المساواة في الحقوق الوطنية للشعبين في البلاد التي تسمى “ارض اسرائيل” من قبل اليهود الاسرائيليين و”فلسطين” من قبل العرب الفلسطينيين. طالما أن الامر هكذا، فمن المهم أن يجمع ميرتس قوة انتخابية كافية من اجل أن يشكل في لحظة تطبيق حل الدولتين دعامة ناجعة لتأييد الحل.

ثانيا، يجب أن تتم ازالة الظاهرة التي تسمى يوجد مستقبل من المشهد السياسي. اضافة الى حقيقة أن الامر يتعلق بحزب لا يوجد له عمود فقري فكري، والذي أقيم من اجل اشباع رغبة الشهرة لشخص معروف بالملل والنرجسية، حيث أن الفكرة التي تقف من وراء اقامته – تحدي شعبوية “السياسة القديمة”، وهي عملية تفسيرها العملي هو ضرب أسس الرسمية الاسرائيلية، وهي تشبه حرب بنيامين نتنياهو ضد “النخبة القديمة” – تضر بشكل كبير بتصور المسؤولية الوطنية الاسرائيلية، الهامة جدا، اذا كانت نيتنا التوصل الى حسم نهائي بشأن تقسيم البلاد. اجل، يصعب تصور أن جسم سياسي مؤقت، الذي ليس فقط لا توجد له جذور في الواقع المؤسسي الرسمي للدولة، بل ايضا حول الشعار الاجوف “الحرب ضد المؤسسة” الى راية اساسية له – سيكون جسم يستطيع في لحظة الحقيقة أن يأخذ على مسؤوليته تشويهات الماضي التي سببتها هذه المؤسسة والانتقال بالدولة الى الاصلاح المرجو.

ثالثا، استكمالا منطقيا للنقطة السابقة، يجب اصلاح حزب العمل الذي يشكل النقيض البارز لحزب يوجد مستقبل في كل ما يتعلق بالعلاقة الرسمية والمسؤولية الوطنية. وبما أنه الحزب الذي بنى الدولة، لكنه ايضا أقام المشروع الكولونيالي المدمر خارج حدودها الذي يتآمر على شرعية وجودها، فانه ملقى عليه واجب سياسي واخلاقي لحرق طاعون المستوطنات في الوقت المناسب، وأن يزيل عن جبين الشعب الاسرائيلي وصمة عار استعباد شعب آخر.

من الواضح أن رئيس حزب العمل آفي غباي يعمل على تحقيق ثلاثة اهداف. الأول، يبدو أنه لا ينوي التراجع عن خطأ اسحق هرتسوغ البائس، الذي دعا في حينه مصوتي اليسار الواضحين الى “عدم تبديد اصواتهم على ميرتس”، بالعكس، يبدو أن غباي يعرف أنه عندما يحدث اختراق سياسي، فسيكون بحاجة الى ميرتس قوية بقدر الامكان. ايضا الانطباع هو أن غباي يعرف أنه في جهوده لجذب مصوتي اليمين – وسط، فانه يمكن أن يدفع جزء بارز من مصوتي اليسار الذين كانوا يصوتون لحزب العمل، الى احضان ميرتس، لكنه غير قلق من ذلك. وبحق، اذا عاد حزب العمل الى الحكم وأراد دفع سياسة المصالحة مع الفلسطينيين الى الامام، فعندها الاصوات “المبددة” كما يبدو على ميرتس سيتبين أنها اصوات مؤيدة لحزب العمل، لأن ميرتس ستؤيد بلا تحفظ حزب العمل الذي يسير في طريق السلام – مثلما كان في زمن حكومة اسحق رابين الثانية.

الثاني، الدعابات الاخيرة لغباي مع “اليهودية” وجهت ليس فقط لآذان الجمهور التقليدي الواضح في اليمين المعتدل، بل بدرجة لا تقل عن ذلك، لآذان جزء بارز من مصوتي يوجد مستقبل. ومن المؤكد: احد انجازات يئير لبيد البارزة في حملة تسويق نفسه كان نجاحه في تمييز نفسه عن والده، الذي اعتبر عدوا للمتدينين، وطرح نفسه كـ “محترم للتقاليد”، وبذلك يصبح محبوبا من قبل جمهور واسع من الاسرائيليين العلمانيين الذين يحبون الفلوكلور القبلي – الديني اليهودي. ولأنه في نظر الاستشراقية الاسرائيلية يعتبر غباي الشرقي كمنتوج “أصيل أكثر” لهذا الفلوكلور، فانه يمكن الافتراض أن الكثيرين في اوساط ذلك الجمهور يمكنهم ترك لبيد لصالح غباي.

الثالث، رغم أن غباي تنازل فعليا عن الجناح اليساري لمصوتي حزب العمل، إلا أنه ليس مستبعدا أنه بفضل تنوع المظاهر الاسرائيلية المختلفة التي يجسدها بشخصيته – أن رجل شرقي من الطبقة الوسطى، الذي تسلق الى قمة الهرم الاجتماعي – الاقتصادي، لكنه اختار حزب جذوره التاريخية هي اشكنازية واشتراكية – يمكنه أن يجدد ويوسع بصورة كبيرة قاعدة حزب العمل من خلال جذب اصوات من الوسط والضواحي، وبهذا البدء في مهمة اصلاح الحزب انتخابيا. من الواضح قبل كل شيء أن غباي يعرف جيدا الامر الاكثر اهمية الذي يجب على من يعارضون الاحتلال قبوله: الطريق لتحقيق حلم الدولتين لشعبين ما زالت طويلة. يبدو أن غباي يهوى سباقات الماراثون، ومستعد جيدا للتنافس في مسافات طويلة. لذلك من الافضل أن لا نشوشه في الطريق، على أمل أن يواصلها.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق