كلمة الموقع

مئة عام على الوعد الباطل

د. محمد البحيصي – رئيس جمعية الصداقة الفلسطينية – الإيرانية

اكتفى الأنجلوسكسون البيوريتانيون في أواسط القرن السابع عشر بطرح فكرة (الكيان الصهيوني) في فلسطين، وتعهدوها بالرعاية، وكان عليهم أن ينتظروا ريثما تستكمل بلادهم بُعدها الإمبراطوري المتوحّش، وهذا ما تحقق في أواخر القرن التاسع عشر، لينعقد المؤتمر اليهودي الصهيوني الأول في بازل بسويسرا سنة 1987، متوافقاً مع الإعلان عن بلوغ بريطانيا والولايات المتحدة مرحلة القطبية المتوحشة والوصول إلى موقع القيادة الأولى في العالم، وهنا جاءت المبادرة والمباشرة لتنفيذ الفكرة باعتبارها مشروعاً حيوياً مربحاً يخصّهم بالدرجة الأولى، وركناً أساسياً من أركان استراتيجيتهم الدولية، إلى حدٍّ صارت معه الشغل الشاغل لجميع الحكومات الإنجليزية والأمريكية المتعاقبة، وإذا ما رجعنا إلى وثائق الحكومة البريطانية فسوف نقرأ الكثير من التصريحات الرسمية التي تتحدّث عن المشروع الصهيوني في فلسطين باعتباره مصلحة بريطانية محضة أو مشروعاً بريطانياً خالصاً.

ومن هنا ندرك أنّ ما سُمّي “وعد بلفور” لم يأت من فراغ، وإنما كان ثمرة مسيرة طويلة من التخطيط والإدارة والتنفيذ والخيانة قامت بها قوى الاستكبار وعلى رأسها بريطانيا، وهذا ما أكّده “بلفور” نفسه بعد سنتين من صدور الوعد، إذ قال:“إنّ القوى الأربع العظمى ملتزمة بالصهيونية، وسواء كانت الصهيونية على خطأ أم على صواب، أو كانت شيئاً جيداً أو سيئاً، فإنّها متأصّلة بعمق في تراث من الماضي البعيد، وفي حاجات الحاضر وآمال المستقبل، وهي أهم بكثير من رغبات وتحيزات الـ /700/ ألف عربي الذين يقطنون الآن تلك الأرض القديمة”.

وكان على “عصبة الأمم” التي قامت في أعقاب مؤتمر فرساي عام 1919 تمرير المخطط الشيطاني الذي تغلّف عبر ما سُمّي  نظام الانتداب الذي أراد تطبيق خرافة “شعب الله المختار” ولكن لصالح “الرجل الأبيض”  ولا بأس أن يكون لليهود نصيبٌ من هذه الخرافة في فلسطين، ليتسنّى  تحقيق الوعد البريطاني الغربي لليهود الصهاينة ..

ومما كشفته الوثائق أنّ هذا الوعد كُتب أولاً في الولايات المتحدة من قبل رئيس المحكمة العليا اليهودي “ابراهام باروخ” ونال موافقة الرئيس الأمريكي “ولسون”، وكذلك أعلنت فرنسا تأييدها له سنة 1918 ثم تبعتها إيطاليا، وهكذا …

في نفس الوقت كانت الزعامات العربية غارقة في أوهام الوعود التي قطعتها بريطانيا للشريف حسين، ويحلمون بتأسيس مملكة عربية مستقلة، ورهنوا حاضرهم ومستقبلهم عند هذه الوعود، وخذلوا شعب فلسطين وهو يواجه المؤامرة..

وما أشبه الليلة بالبارحة … وبعد مئة عام، مازال الكيان الصهيوني وليد وثمرة التحالف الغريي الصهيوني  يجثم على أرض فلسطين، ومازال اللّاعبون هم اللّاعبون، قوى استكباريه متآمرة على الأمة، وأنظمة عربية متواطئة مع هذه القوى، وتنتظر الخلاص على يدها، وتضع كل أوراقها ومقدّراتها لخدمة مشاريعها..

وشعب فلسطين في الداخل والشتات جزء من أبنائه سقط في دائرة الوهم القديمة الجديدة وما يزال، وغالبيته الساحقة ترفض هذا الواقع وتسعى على طريق التحرّر والانعتاق، وليس من سبيلٍ أمامها سوى طريق ذات الشوكة، ووحدة الصف والموقف والبرنامج والأداة، يداً بيد مع محور المقاومة المتمسّك بالحق، وبالخيار الأوحد المتمثل بالمقاومة لاجتثاث الكيان وإزالته من الوجود، فشعبنا الفلسطيني لا يسعى لاعتذار هذا المجرم أو ذاك، بل يسعى للحرية والكرامة والاستقلال واستعادة فلسطين كل فلسطين ..

 

 

 

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق