شؤون العدو

جولات الحروب الصغيرة في الجيش الإسرائيلي

 افرايم عنبار: (بروفيسور في العلوم السياسية في جامعة بار إيلان).

 

غيّر الجيش الإسرائيلي، في المرحلة الأخيرة، تعامله مع الجهات المدنية العاملة في مجال الأبحاث، في الجامعات وفي مراكز الدراسات، وانفتح بشكل أكبر على التواصل معها. وتختلف وجهات نظر هذه الجهات، في بعض الأحيان، عن وجهة نظر القيادة العليا، ونتائج هذه الأبحاث لها صبغة تاريخية أو نظرية، وهي أقل تأثيراً في التوجهات السياسية. ويرى الجيش أن هناك فائدة في التواصل مع الباحثين من خارجه، والذين يعملون في القضايا التي تتقاطع مع المجالات التي يهتم بها. وقد بادرت هيئة الأبحاث والتدريب في الجيش الإسرائيلي إلى عقد جولة من المداولات مع الباحثين في مركز بيغن – السادات،

يشير تاريخ حروب إسرائيل إلى حدوث تحول في طبيعة التحدي العسكري الذي يجب على الجيش الإسرائيلي مواجهته. وقد كانت حرب لبنان الأولى (1982) المواجهة الأخيرة التي جرت فيها معارك برية ومواجهات بين قوات مدرعة. ومنذ ذلك الوقت لم تحدث مواجهات واسعة النطاق. وعلاوة على ذلك، فقد تراجعت الفرصة أمام حدوث حروب من هذا النوع بعد أن وقعت إسرائيل على اتفاقي سلام مع اثنتين من جاراتها – مصر والأردن، بينما تفكك جيشا سوريا والعراق في أعقاب تفكك النظام السياسي العربي. ومنذ عام 1982، ينشغل الجيش الإسرائيلي في “حروب صغير”، وهو مصطلح مأخوذ من بعض المصطلحات الإستراتيجية البريطانية، وتم استخدامه أيضاً في الجيل الأخير من قبل باحثين أمريكيين.

إن المصطلح المستخدم في الجيش الإسرائيلي هو المواجهات على وتيرة منخفضة، أو العمليات المحدودة، حيث يعكس جزء من النقاشات حول المصطلحات وجود نوع من المغالطات المنهجية و / أو الارتباك المفاهيمي. ومهما يكن من أمر فإن القصد هو استخدام قوة محدودة – بدون حشد كامل الموارد القومية، ومواجهة عسكرية أمام عدو متواضع في قوته. والأعداء في مثل هذه المواجهات هم عبارة عن تنظيمات عسكرية، لا ترقى إلى مستوى الدولة، والتي على الرغم من ذلك، تسيطر بحكم الواقع على مناطق حدودية مع إسرائيل – وهي حقيقة تُمكّن العدو من بناء تهديد يفوق بكثير التهديدات التي تشكلها الحركات الإرهابية.

وفي مثل هذه المواجهات يكون الهدف أيضاً محدوداً. إذ لا توجد لدى إسرائيل النية في تدمير كل القوة العسكرية التي يمتلكها التنظيم المعادي على الرغم من أنها تستطيع أن تفعل ذلك. ويتأتى هذا من جملة من الافتراضات، من بينها، أن الإلتزام الأيديولوجي لهذه التنظيمات سيبقى بعد أية حملة شاملة لتدمير أذرعها العسكرية والمدنية. وهناك إدراك بأن وضع هدف بالغ الأهمية مثل تدمير القوة العسكرية لحزب الله، أو لحماس، يتطلب جهوداً عسكرية واقتصادية وسياسية وهو هدف مشكوك في جدواه في هذه الفترة، لذلك فإن النشاط العسكري يهدف إلى توجيه ضربة إلى العدو، وتكبيده أثماناً باهظة على أمل أن تنشأ هناك درجة معينة من الردع توقف الاستمرار في استخدام القوة العسكرية ضد دولة إسرائيل. ومن حيث المبدأ، فإن استخدام إسرائيل للقوة العسكرية ضد تنظيمات لها إلتزام إيديولوجي لتدميرها يهدف، وفق مفاهيم المدى القريب، إلى توفير الحياة الطبيعية في إسرائيل. وكنتيجة إستراتيجية متراكمة، إعادة التأكيد (مرة أخرى) على عدم فائدة الاستمرار في صراع القوة الدائر ضد دولة اليهود.

وفي المستقبل القريب، سيكون اختبار الجيش الإسرائيلي في قدرته على مواجهة تنظيمات من هذا النوع بواسطة عمليات محدودة، حيث ستضطر إسرائيل، من جديد، لإدارة “حروب صغيرة” ضدها. وعلى الرغم من الاحتمال المتدني لحدوث ذلك، فإنه سيكون من الخطأ إهمال القدرات الضرورية للحروب واسعة النطاق خلال عملية بناء القوة، ذلك أن المفاجآت الإستراتيجية والتحولات السياسية قابلة للحدوث في الشرق الأوسط. لذلك من المهم الحفاظ على قدرات الردع الشامل. وتستحق قضية إيران، التي تسعى للحصول على سلاح نووي، بحثاً منفرداً.

إن الجيش الإسرائيلي، الذي يميز فقط بين نوعين من التهديدات – تهديدات في مجال الأمن الأساسي وتهديدات في مجال الأمن الجاري، غير مستعد على الصعيد المفاهيمي للتهديد المرحلي الذي يشكله الأعداء الراهنين الموجودين في الحيز القائم بين الطرفين. وبسبب حالة اللا تناظر بين الأطراف، وبما أن العدو، على خلاف السابق، ليس دولة، فإنه لا توجد حاجة لإتباع نهج الحسم وتحقيق النصر العسكري. ويستند هذا النهج إلى رؤية استنزافية، والتي لا تنسجم بسهولة مع الروح الهجومية التي يُكّن لها الجيش الإسرائيلي الكثير من الوفاء.

يُحدد تحليل ديمغرافي استثنائي خارطة مناطق التجنيد لحزب الله. وهو يشير، بشكل مفاجئ، إلى حساسية للخسائر التي يمكن أن تزداد بسبب معدل التكاثر الطبيعي المتدني في أوساط الشيعة في لبنان. ويوصي فريش بالعمل على مفاقمة ألم حزب الله عن طريق توجيه ضربة للشيعة الذين يسكنون في المنطقة الحدودية من أجل إجبارهم على الهجرة إلى بيروت (المدينة الكبيرة) – حيث نجد أن مستوى التجنيد هناك متدنٍ أكثر. والنتيجة التي يتوصل إليها هو أنه من الأفضل توجيه ضربة لمقاتلي الحزب أكثر من ضرب قواعد إطلاق الصواريخ والعتاد العسكري. ومع ذلك فإنه لا توجد لإسرائيل الإمكانية لتغيير أهداف حزب الله التي يتم تحديدها في طهران.

وعلى خلاف حزب الله فإن حركة حماس في غزة تفتقد إلى دولة راعية، وهي محاطة بدولتين معاديتين – إسرائيل ومصر. ويميز فريش حالة تعب في المجتمع الغزي من المواجهات العسكرية مع إسرائيل، ويقول إن حماس تعطي اهتماماً لهذا التوجه. ولذلك فإن الحركة تفضل ترسيخ حكمها. وعلى الرغم من أنها تبدو لا تكترث بالخسائر، إلا أنها غير متحمسة للقيام بمبادرات عسكرية. ونقطة الضعف الرئيسية للحركة هي اقتصادية والتي تتمثل في الحاجة إلى دفع رواتب نشطائها. وعليه فإن فريش يوصي إسرائيل بأن تقوم، في المواجهة القادمة، بتوجيه ضربة إلى المصادر المالية وإلى ثروات الحركة، وثروات قادتها. ومن شأن مواجهة طويلة إلى جانب إحكام الحصار بشكل أكبر أن يخلقا ردعاً أكبر بكثير.

إن قضية وجود كل من حزب الله وحماس، ومكانتهما الإقليمية، هي قضية هامة، إلا أنها ثانوية من وجهة نظر إسرائيل. وتشكل قضية اقتلاع العناصر الإسلامية المتطرفة مصلحة مشتركة للكثيرين في المنطقة، إلا أنها ليست مصلحة حيوية وفورية بالنسبة لإسرائيل، ولذلك يجب الامتناع عن دفع الثمن المرتبط بتنفيذ هذا الهدف. وعليه فإن أهداف المعركة العسكرية تقتصر على توجيه ضربة قاسية للتشكيل المقاتل (المعادي) وتحييد غالبية الوسائل القتالية الموجهة ضد إسرائيل، مع ترميم الردع، والاستهداف المتواصل للجانب النفسي (الوعي) الذي يلعب دوراً مركزياً في هوية هذه التنظيمات.

وبما يتجاوز المواجهة العسكرية فإن هناك مهام هامة أخرى في الجانب السياسي وفي الجانب المرتبط بالوعي. إذ يشكل الحفاظ على شرعية النشاط العسكري الإسرائيلي ضد العدو، على الساحة الداخلية، وعلى الساحة الدولية، يشكل مهمة على جانب كبير من الأهمية. وعلى إسرائيل أن تطور قدرة رشيدة من أجل تحييد المزاج العام الداعي إلى سحب الشرعية عنها، والحفاظ على مكانتها في العالم، خاصة وأن أحد الأهداف الهامة للعمل العسكري الذي يقوم به أعداؤها موجه لهذه الغاية. ومن المهم أيضاً إيجاد سبل للعمل، سواء عن طريق الخطة العامة للمعركة أو عن طريق حملات العلاقات العامة أو الحملات الإعلامية المبذولة حول العمليات المحدودة والتي تؤدي نتائجها إلى تحطيم، بل إلى إذلال، “أسطورة المقاومة” الخاصة بالعدو. ويشكل احتجاز الأسرى نموذجاً على ذلك. كما أن جعل المناعة الاجتماعية في إسرائيل نموذجاً يُتحذى به هي وصفة جيدة لتحطيم مقولة “خيوط العنكبوت”. ويوصي ليرمان بالحذر وضبط النفس في الصراع الطويل، ويشير إلى أن هناك إشكالية في الضربة الاستباقية لجهة خلق مصادر للشرعية.

وعلى الرغم من مركزية منظومة الأمن في المعارك المحدودة، فإن جمع كل الجهود المطلوبة يستلزم دوراً مركزياً لرئيس الحكومة، والذي يجب أن يستعين بطاقم مختص من مجلس الأمن القومي.

إن المستوى السياسي في إسرائيل ضعيف بالمقارنة مع دول ديمقراطية في الغرب. فالحكومة مكونة من عدد من الأحزاب ذات الآراء المختلفة في المجالين السياسي والعسكري، ولا يوجد لحزب رئيس الحكومة، دائماً، أكثر من نصف أعضاء الائتلاف. كذلك الحال فإن وزير الأمن، القيّم على المنظومة العسكرية، ليس بالضرورة أن يكون من حزب رئيس الحكومة نفسه. وعندما يتم عقد الطاقم الوزاري بمبادرة من رئيس الحكومة فهو ليس سوى واحد فقط بين أعضاء متساوين ولا يتمتع بأي صفة خاصة. وعلى الرغم من أن قانون الجيش غير واضح وهو ينص على أنه يجب على كل حكومة أن تدير الجيش، فإنه وفقاً لما هو متبع في إسرائيل يجب أن يتم التعامل مع رئيس الحكومة بوصفه يمثل المستوى السياسي في موضوع الأمن القومي وهو يتحمل المسؤولية العامة.

يجب على المستوى السياسي أن يحدد بجلاء للمستوى العسكري الحالة يريد أن يرى عليها التنظيم المعادي بعد النشاط العسكري المطلوب. وشعارات من نمط “إزالة تهديد الصواريخ” أو “استعادة الردع” غير مفهومة وصعبة على القياس. والحوار بين المستويين يتطلب من المستوى السياسي توضيح القيود المفروضة على العمل العسكري. وعلى المستوى العسكري أن يحدد للمستوى السياسي الأثمان المرتبطة بتبني هذه القيود. ونتيجة لهذا الحوار تطفو على السطح الجهود المتممة للخطة العملياتية. والمستوى السياسي هو الذي يقوم بالمصادقة على الخطة العسكرية بعد أن يحصل على التوضيح من المستوى العسكري بأن النتيجة المتوقعة ستخدم بالفعل الأهداف التي يتطلع إليها المستوى السياسي. ويؤكد عميدرور على ضرورة توفر الشرعية في الداخل، وعلى الساحة الدولية. كما أن الانتقال من مرحلة عملياتية إلى أخرى يتطلب متابعة مكثفة من قبل المستوى السياسي للتطورات العسكرية في الميدان. ومن حيث المبدأ فإن المعركة ضد الخصوم الذين لا يرتقون إلى مستوى الدولة لا يغير في العلاقة التقليدية بين المستوى السياسي والمستوى العسكري.

إن القدرة على الصمود تعني استعداد الناس (المجتمع) لتحمل الخسائر سواء على خطوط الجبهة الأمامية أو في الجبهة الداخلية، وكذلك الأضرار المادية والتدهور الاقتصادي المرتبط بالنزاع العنيف والمديد. وقدرة الصمود هي نتيجة لتوازن حسّي لدى الجمهور بين الثمن الذي يدفعه في المعركة العنيفة وبين الشعور بالتهديد ورؤية الفائدة الشخصية والقومية في استمرار القتال. وتتسبب القدرة المتدنية على الصمود بضغط جماهيري على المستوى السياسي لوقف القتال حتى بثمن تقديم تنازلات مؤلمة. إن الجمهور الإسرائيلي قد منح، إلى الآن، تفويضاً للمستوى السياسي لإدارة العمليات الحربية على النحو الذي يريده. والخطوات الحقيقية التي تقوم بها الحكومة، بهدف تخفيض الثمن الذي يدفعه الناس خلال الحرب، وكيف يرى الجمهور ذلك، تؤثر على قدرة الصمود.

إن الافتراض الموجود لدى الخصم بأن السكان المدنيين هم نقطة الضعف بالنسبة لإسرائيل في حرب استنزاف طويلة، والافتراض لدى الجيش الإسرائيلي بأنه يستطيع تقصير أمد الحرب من أجل تقليص الضرر اللاحق بالجبهة الداخلية، هذان الافتراضان يبدوان بعيدين عن اختبار الواقع. ويتطلب تطوير قدرات أفضل لدى الأعداء، يتطلب، بشكل رئيسي، إعداد مجموعة جيدة من الخيارات للدفاع عن الجمهور الإسرائيلي بهدف ضمان قدرة الصمود العالية لديه، وخاصة إذا كان نجاح الجيش الإسرائيلي في عملياته الهجومية الهادفة لتقصير أمد الحرب موضع شك.

وبعد تقديم خصائص مبنى القوة الخاص بالعدو، الذي لا يرتقي إلى مستوى الدولة، ونماذج نشاطه العسكري يقترح العميد (احتياط) موني حوريف تبني “الحسم الآني” كهدف عسكري في عميات الردع المحدودة، وهو الحسم المؤقت الذي يرتبط بعمق الضربة التي يتعرض لها العدو، وعمق إدراكه بأنه قد تلاشت آماله في تحقيق أهدافه في المعركة العسكرية المفترضة. ويوجد لـ ” الحسم الآني” تأثير مؤقت إلا أنه يمكن أن يكون له ، مع مرور الزمن، تأثيرات إستراتيجية.

ويؤكد العميد (احتياط) موني حوريف صعوبة تقدير نتائج العملية المحدودة لجهة خلق الردع والشعور بالنصر. وهو يوصي بأن يتم التعامل مع العملية المحدودة المنفردة كجزء من المعركة المتواصلة وطويلة الأمد، ذات الطابع الاستنزافي. والحوار بين الجيش وبين المستوى السياسي لتوضيح أهداف العملية المحدودة وطريقة إنهائها (تسوية أو وقف إطلاق نار أحادي الجانب)، هذا الحوار هو أمر حيوي لتحقيق الشرعية على الصعيدين الداخلي والخارجي، ولعملية الدمج الأمثل في إطار الإستراتيجية بعدية المدى.

وحسب رأي حوريف فإن ميل الجيش الإسرائيلي لاختصار أمد الحرب والوصول إلى “الحسم السريع” يتطلب إعادة النقاش حوله. وكذلك الحال بالنسبة للميل إلى رؤية الهجوم البري واحتلال الأرض مكوناً رئيسياً في الطريق لتحقيق النصر. ويبدو أن طول النفس، والصبر الإستراتيجي، يناسبان أكثر الصراع ضد الخصوم الحاليين. وهذا هو تحدٍ للتقليد الثقافي والعملي للجيش الإسرائيلي وللمزاج الإسرائيلي.

 

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق