ثقافة

في ذكرى رحيلها الـ76 مي زيادة .. فراشة النثر

“قضبان النوافذ في السجن تنقلب أوتار قيثارة لمن يعرف أن ينفث في الجماد حياة” ولقد شكلت سنوات حياة أيقونة الأدب العربي ميّ زيادة، لوحة لفتاة تصارع تفاهة الحياة بنور الحب وسناء الفكر، طعنتها الوحدة والغدر والحزن لكنها لم تطفئ بريقها وزهوتها وظلت نجمة سماوات العرب الأدبية.
قالوا إن مأساتها في عبقريتها، فقد اطلعت مبكرًا على كنوز التراث العربي والأوروبي، وأتقنت لغات خمس، وتمرست بالعزف والفنون، وتنقلت بين ربوع مختلفة، وكتبت الأدب والصحافة وكانت ناشطة نسائية بارزة، ولهذا كان صالونها الذي دام 25 عاما مأوى لمثقفي مصر على اختلاف أطيافهم، وكان الصالون الأوحد لأديبة عربية بالقاهرة، وقد لعب أدوارًا مهمة بالحياة الثقافية بمصر.
ورغم مكانتها المتوجة وكثرة محبيها، لكن قلبها لم يمنح سره إلا للشاعر جبران، والذي منحها سحر بيانه وترجمت رسائله إليها للغات العالم، أما هي فضاعت رسائلها كرمل الطريق، ولم تعرف بخبر عشيقاته!.
وقد شكلت آراء مي ككاتبة نظرة متماسكة لنهضة الشرق وتحرر المرأة من العادات البالية، وبدمج بين القيم الأصيلة والفكر المستنير، وكانت كتاباتها حفر لمسار مختلف ينم عنها، تقول بكتابها “أزاهير حلم”: دعوني أياما، فإني لا أود أن أسمع إلا الحفيف الخفيف الموسيقي الحنون الذي تتنفس به هذه الأجيال”.
لم تكن مي تدرك كيف يهرم الإنسان، واعتقدت أنها ستموت غضة تسبح مع الملائكة، وفي ذكرى رحيلها عن عالمنا عام 1941؛ نتوقف عند محطات في حياتها؛ سنوات التكوين والتحقق، آرائها ودفقاتها الأدبية والكثير من عثرات الحياة ونجاحاتها.
فتاة من أرق وحنين
في 11 فبراير 1886، تكللت قصة حب اللبناني إلياس زخور زيادة، ماروني المذهب، بالفلسطينية نزهة خليل، الأرثوذكسية، وأنجبا طفلتهما “ماري”.. وكان المهاجر من قرية شحتول في جبل كسروان بلبنان قد استقر بمدينة الناصرة وعمل بمدرسة الأرض المقدسة، وأعجب بفتاة تحفظ مئات الأبيات الشعرية، إضافة لنزعتها الصوفية وحفظها لأشعار ابن الفارض وغيره من رموز التصوف الإسلامي، ورغم موت ابنهما وحزنهما عليه، لكن ميلاد “ماري” ظل نقطة النور بحياتهما وأودعاها حنانا وتربية أصبحت الرافد الأساسي بعبقرية مي زيادة..
أحبت ماري أن ينعتها الجميع بـ”مي” وهو اسم عربي خفيف، وكانت لها ألقاب مختلفة توقع بها مقالاتها للصحافة؛ ومنها إيزيس كوبيا بالكتابات الإنجليزية، وبعض الأسماء العربية منها “السندبادة البحرية” و”مداموزيل صهباء”.
وكانت دراستها بمدرسة داخلية رهبانية سببا بكآبتها، وهي فتاة دون الخامسة عشر من عمرها، فقد كانت تقضي آيام الآحاد والأعياد في المدرسة، في حين تنصرف رفيقاتها إلى بيوتهن، فوجدت دنياها الأولى في الدير مع الراهبات، وهو ما دفعها للتأمل الغيبي، وهناك أجادت عزف البيانو وقرأت أشعار الصوفيين، وأجادت الفرنسية على أيدي الراهبات، وحفظت أشعار دي موسيه ولامرتين، وحاولت قرض الشعر بالفرنسية ونشرته بكتابها “أزاهير حلم” 1911، ثم انتقلت من مدرسة عينطورة لمدرسة الراهبات اللعازريات في بيروت.
ونقرأ رسالتها عن غربة تلك الفترة: “ما كدت أمس أصابع العاج حتى سحبت يدي، ما أشد البرد في البيانو، بل البرد في يدي وروحي، البرد في وحدتي وغربتي. إني جليد ولكني جليد يتعذب، وأشعر بأن كل ما في هذا الدير جليد حي ينبض ويتعذب ويبكي”.
لكن مي تظل تذكر مدينة الناصرة بمحبة عميقة وهي التي لم تعد إليها بعد رحيلها، وفي كتاب جمع فيه فاروق سعد باقات من حدائقها تقول “سأحفظ في نفسي ذكرى هتافات قلبي وخلجات أعماقي لقد كنت لي مدينة الأزاهر العذبة، ومجال التنعم بأطايب الاوقات في وجودي غير أني ويا للأسف سأبتعد عنك، سأبتعد عن أكوام غيومك، وعن كواكب ليلك، لن أرى بعد المنازل الدافئة التي احتفظت ببسمات صباي وأماني وأحلامي، غير أني سأحمل ذكرى كل هذه الأشياء تافهة كانت أم عظيمة كأعز ما لدي في الوجود”.
انتقلت أسرة مي إلى مصر عام 1908، وهو العام الذي أعلن فيه الدستور العثماني، وكان الخديوي عباس حلمي والي مصر، وقد أحبه الناس لاهتمامه بأوضاع الفئات الشعبية ولمشروعاته.
وبحسب كتاب خليل البيطار عن مي زيادة، فقد طالعت بصباها كنوز التراث العربي والعالمي، ومنحها الترحال بين القاهرة والناصرة وبيروت وحيفا ويافا وكسروان ثقة عالية بالنفس، ومعرفة بأحوال السكان وحاجاتهم ومعاناتهم. وفتحت لها حرفتا التعليم والصحافة اللتين قاربتهما وأحبتهما أبواب الصداقة مع أدباء ومفكرين وصحفيين كثيرين في مصر ولبنان وفي بلاد المهجر.
وكانت مصر أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين مقصد الأدباء السوريين واللبنانيين، وقد تأثرت مي بأسلوب الرافعي والعقاد وجبران، واتخذت من د. يعقوب صروف صاحب مجلة “المقتطف” أستاذا ورشحته لجائزة نوبل للأدب عام 1906، كما أحبت كتابات الأب أنستاس ماري، والأمير شكيب أرسلان وصادقت روزاليوسف وملك حفني وتوفيق الحكيم وغيرهم.
طلب إدريس راغب أحد أثرياء القاهرة من مي تعليم أولاده، فقبلت، وبعد فترة تولى أبيها إدارة جريدة المحروسة التي يملكها، واستطاع لاحقا أن يشتري الجريدة والمطبعة وغدا بيت والدها ملتقى للصحفيين والكتاب وكان لمي دور بهذه الحوارات الغنية، وعملت بالأهرام وراسلت أغلب الصحف البارزة بالقاهرة، بلغات عدة.
ولكن ظل شعور الغربة مسيطرة على “زيادة” ففي مقالة “أين وطني” بمجلة الهلال أكتوبر 1922 تقول: “أحب عطور تربة الجدود، ورائحة الأرض التي دغدغها المحراث منذ حين، وأحب الطرف الوعرة المتوازية في قلب الغاب، وتلك الملتوية على أكتاف الجبال كالأفاعي البيضاء، وتلك السبل الطويلة الممتدة، وكأن الغبار الذهبي منها ينتهي إلى قرص الشمس. ولكن أيكفي أن نحب شيئًا ليصير لنا؟ رغم حبي اللافح أراني في وطني تلك الغريبة الطريدة التي لا وطن لها”.
وفي كتاب حاز جائزة الدولة التشجيعية لـ د. خالد غازي يؤكد أن مي زيادة عاشت فراغا هائلا في سنواتها الأخيرة؛ ولقد سافرت لإنجلترا وإيطاليا ولم تجد سلوى، خاصة بعد وفاة والدها 1929 وحبيبها جبران الذي راسلته بلا أمل عشرين عاما 1931 وبعدها بعام والدتها، ولقد تعرضت لمحنة غدر أبناء عمومتها واستيلائهم على أملاكها، وإيداعها بحيلة لمستشفى الأمراض العقلية حتى فجرت الصحف الأزمة وزارها الأدباء وبينهم أمين الريحاني، فخرجت، لكن الأشد أسفا أن الأديبة التي ماتت ملأت القاهرة وعواصم العالم العربي فكرا وفنا، ماتت بمستشفى المعادي ولم يشيعها سوى بضع رجال ومنهم أحمد لطفي السيد وخليل مطران وأنطوان الجميل!.
تقول مي: أنا امرأة قضيت حياتي بين قلمي وأدواتي وكتبي، ودراساتي وقد انصرفت بكل تفكيري إلى المثل الأعلى، وهذه الحياة “الأيدياليزم” أي المثالية التي حييتها جلعتني أجهل ما في هذا البشر من دسائس.
وفي رسالتها إلى د. يعقوب صروف 1919 ينقلها الكتاب تقول: “أتمنى أن يأتي بعد موتي من ينصفني ويستخرج من كتاباتي الصغيرة المتواضعة ما فيها من روح الإخلاص والصدق والحمية، والتحمس لكل شيء حسن وصالح وجميل، لأنه كذلك لا رغبة في الانتفاع به..”.
رسائل الوجد.. لجبران
“ما معنى هذا الذي اكتبه؟ اني لا أعرف ماذا أعني به! ولكني أعرف انك “محبوبي” وأني أخاف الحب ” هذه إحدى رسائل ميّ النادرة لجبران وهي التي ذاقت سهاد السنوات لأجله تقول: غابت الشمس وراء الأفق ومن خلال الأشكال والألوان حصحصت نجمة لامعة واحدة هي الزهرة، أترى يسكنها كأرضنا بشر يحبون ويتشوقون ؟ربما وُجد فيها من هي مثلي، لها جبران واحد، تكتب إليه الأن والشفق يملأ الفضاء وتعلم أن الظلام يخلف الشفق..وأن النور يتبع الظلام..وأن الليل سيخلف النهار والنهار سيتبع الليل مرات كثيرة قبل أن ترى الذي تحبه…فتتسرب إليها كل وحشة الشفق..وكل وحشة الليل..فتلقي القلم جانبًا لتحتمي من الوحشة في “اسم واحد: جــبــران”.
كانت مي تراسل جبران منذ 1911 بأمور الثقافة والحياة، ولم تقو على مصارحته بحبها إلا بعد 13 عاما، وكانت ترى بالحب صورة مضيئة سامية لتعانق القلوب.
يقول جبران لمي بإحدى رسائله: “لقد أعادت رسائلك إلى نفسي ذكرى ألف ربيع وألف خريف”..”هل تعلمين يا صديقتي بأني كنت أجد في حديثنا المتقطع التعزية والأنس وأني كنت اقول لذاتي هناك في مشارق الأرض صبية ليست كالصبايا قد دخلت الهيكل قبل ولادتها ووقفت في قدس الأقداس فعرفت السر العلوي الذي اتخذه جبابرة الصباح، ثم اتخذت بلادي بلادا لها، وقومي قوما لها”.
شجعها جبران على مراسلته ودعاها لئلا تخاف من الحب بقوله “أتخافين نور الشمس؟ أتخافين مد البحر ومجيء الربيع؟! وأسماها “محبوبته العذبة” و”عيد الزمان”، ولقد جمعت رسائله بكتاب “الشعلة الزرقاء”، وقيل أن سيدة لبنانية قد سرقت رسائل مي إليه وبددت معظمها. لكن أحد الكتاب حصر مئات الرسائل بكتاب “الحبيب” لجبران قد كتبها لإحدى معشوقاته ماري هاسكل طيلة عقود، غير الرسائل المكتوبة بلغة الجسد، ورسالته لهاسكل بأنه إذا مات لا يريد لأحد أن يلمس لوحاته سواها!.
الكبار يجتمعون عند ميّ
اجتمع رموز الأدب والفكر وعمالقته بصالون مي زيادة، وكان منهم الشعراء احمد شوقي وإسماعيل صبري وخليل مطران وولي الدين يكن وحافظ ابراهيم والأدباء العقاد وطه والرافعي والمازني والمفكرون أحمد لطفي ومحمد رشيد وسلامة موسى ويعقوب صروف، والناشطات هدى شعراوي وملك ناصف.
ظلت مي تدير جلسات المنتدى خمسة وعشرين عاما متواصلة، لا يثنيها طارئ من مرض أو سفر، وقد كتب إسماعيل صبري في صالونها:
روحي على بعض أهل الحي حائمة
كظاميء الطير تواقا إلى الماء
إن لم أمتع بمي ناظري غدا
أنكرت صبحك يا يوم الثلاثاء
ووصفه طه حسين بحسب كتاب “البيطار” بأنه صالون ديمقراطي مفتوح، ظل يتردد عليه أيام الثلاثاء إلى أن سافر لأوروبا لمتابعة الدراسة، وقد اعجب منه أنه مكان للحديث بكل لسان ومنتدى للكلام في كل علم، وأعجب باتساعه لمذاهب القول وفنون الأدب.
وفي كتاب “مي وأعلام عصرها” ذكر عباس العقاد أحد رواد المنتدى أن ما تتحدث به مي ممتع كالذي تكتبه بعد روية وتحضير فقد وهبت ملكة الحديث وهي ملكة التوجيه وإدارة الحديث بين مجلس المختلفين في الرأي والمزاج والثقافة واللغة.
ورأت المستشرقتان الألمانية أنيتي زيجلر والإسبانية كارمن برافو والباحثة سلمى الحفار الكزبري التي حققت أعمال مي أن منتداها أثر بإبداع مصطفى الرافعي وتوسيع الجدل الذي دار حول كتاب طه حسين في الأدب الجاهلي.
ولكن أبيات شوقي ظلت فارقة بقيمة قنديل الأدب مي زيادة حين قال:
أسائل خاطري عما سباني أحسن الخلق أم حسن البيان
رأيت تنافس الحينين فيها كأنهما لمية عاشقان
إذا نطقت صبا عقلي إليها وإن بسمت إلى صبا جناني
أشواق للحرية والنهضة
خلفت مي زيادة العديد من الكتب التي تحتفظ بها مكتبات القراء العرب، وفي “غاية الحياة” تقول “النبيل من خلق نفسه ومازال يجددها كل يوم بعمله ليخلف للمستقبل ثمرة مجهوداته، وليس من ورث نسبا أو انتظر البخت والظروف..
وفي كتابها “رجوع الموجة” نرى رواية إنسانية تدور بباريس حول خيانة البطل لزوجته مع صديقتها، وهي مترعة بالفقد والحزن.
ومن أشهر كتب مي زيادة “سوانح فتاة” الذي يجمع خواطرها بالحياة وبعض مقالاتها، وهي تقول أن كل منا يفهم دينه حسب درجه عقله وميول قلبه، وأن الحياة لا تكون حقيقية إذا ما كنا عبيدا للعادات والأذواق التي وضعها الآخرون، وأن الظلام الحقيقي هو النابع من شكوكنا وأحزاننا ومطامعنا لكن الخير هو أصل الحياة.
كما تتحدث زيادة عن أن مراحل حياتنا إن هي إلا امتداد طويل للطفولة، وعن الجمال الحقيقي المتعلق بالجوهر وهو السلام والبركة والذي يبقى ناميا مدى الحياة.
وتكتب مي بمرارة عن الذين يفتتحون الحرب باسم الله، وينادونه إلى الأخذ بيدهم، ويملقونه -وهو الرفيع عن كل تملق- قائلين: أنت إلهنا وأنت معنا. حتى إذا ما أفنوا حياة سُمِح بأن تكون، وهدموا ديارًا سُمح بأن تشاد، ومزقوا أجسادًا وسحقوا قلوبًا عادوا إلى كنائسهم ومعابدهم” وكانها تتحدث عن زماننا.
وتأسف مي زيادة لتخلف الشرق عن ركب التقدم رغم أنه مهد الحضارات، وتقول: علينا ان نعي كيف نوفق بين النقيضين.. التساهل في قبول العادات الاوروبية المتفشية بيننا وبين الاستعباد الشرقي الراكد في مستنقعات نفوسنا.
وفي كتابها “بين الجزر والمد” تصف مصر بـكعبة العالم العربي وحاضرته المعنوية، فما لاح فيها نور إلا استضاءت به الأقطار.
وفي كتاباتها جميعا تعتز مي باللغة العربية وتعتبرها محور حياة حضارتها، ووعاء ثقافتها الذي يتواصل من خلاله أبناؤها، وقد جمعت العديد من الدراسات في اللغة والآداب العربية.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق