شؤون العدو

قوتها ونشاطها العسكري في المنطقة القطبية

 بقلم: عمر دوستري

مقدمة:

ازدادت اهمية المنطقة القطبية بدرجة كبيرة في العقد الاخير، وخاصة بسبب التغيرات الجيولوجية في هذه المنطقة على ضوء ازدياد حرارة الكوة الارضية. حسب تقديرات مختلفة، فان الجبال الجليدية التي تذوب تخلق مخاطر جدية بالنسبة لدول ومدن الشواطئ، ولكنها تخلق ايضا فرصاً وإمكانيات استراتيجية مثل طرق تجارية جديدة وقدرة على الوصول الى موارد النفط والغاز.

بعد تفكك الاتحاد السوفياتي تغيّر طابع المنطقة القطبية من ساحة عسكرية للمواجهة بين الدولتين العظيمتين المسيرتان للعالم – الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي- الى مكان يرمز الى التعاون والمصالحة عن طريق بناء استقرار بين روسيا والغرب.

عمر دوستري هو صحفي وباحث في مجال الاستراتيجية والامن القومي. لديه درجة معتمدة من جامعة تل ابيب في المجال الدبلوماسي، ويتخصص حاليا في معهد ابحاث الامن القومي.

مع صعود فلاديمير بوتين لسدة الحكم، غيّرت روسيا سياستها تجاه المنطقة الى سياسة اكثر هجومية وعنفا، بهدف اظهار قوة عسكرية وسياسية وارجاع لروسيا هيبتها العالمية.

في نظر موسكو يوجد للمنطقة القطبية اهمية استراتيجية كبيرة، تنبع من افضليات سياسية هامة في مجالات الاقتصاد، الدبلوماسية والامن الكامنة في المنطقة. طبقا لذلك يوجد لروسيا مصالح عسكرية في هذه المنطقة والتي تجد تعبيراً لها في اقامة منشآت استراتيجية في المنطقة، والقيام بتشغيلها وصيانتها وتطويرها. تدعي روسيا بأنها تزيد من حضورها العسكري في المنطقة القطبية بهدف الدفاع عن مداخيل ومصالح اقتصادية. ولكن، باحثين وزعماء مختلفين يشككون في هذه الادعاءات ويرون في تصرفات موسكو جزءا لا يتجزأ من الاستراتيجية الروسية العامة من رفع مستوى الهجومية تجاه الغرب، الى جانب الحرب في جورجيا، احتلال شبه جزيرة القرم والتدخل الروسي في اوكراينا وسوريا.

          التطلعات والمصالح الروسية في المنطقة القطبية

أكثر من نصف مناطق الشاطئ القطب و40 في المئة من الاراضي ما بعد الدائرة القطبية واقعة ضمن حدود روسيا، وسكانها يشكلون 42 في المئة من مجمل السكان في المنطقة. شعور الانتماء الروسي نظرا للموقع الجغرافي لروسيا والوضع الجيوسياسي للمنطقة بشكل عام ادت الى ان ترى روسيا في هذا المكان منطقة استراتيجية ذات اهمية وطنية كبيرة.

المصالح الوطنية لروسيا في المنطقة القطبية تنبع من ثلاثة عناصر اساسية: البحث عن مصادر جديدة للحفاظ على مكانة الدولة كدولة عظمى عالمية في مجال الطاقة، تصوّر ووجهة نظر تتعلق بالسيطرة على مناطق واراضي – يوجد لجزء منها علاقة تاريخية بالاتحاد السوفياتي او بالامبراطورية القيصرية – من خلال الرغبة في التغلب على الصدمة النفسية والجرح الذي تركه سقوط الاتحاد السوفياتي، والرغبة في الحصول على اعتراف عالمي بها كدولة عظمى.

حسب الاستراتيجية الروسية بخصوص المنطقة القطبية منذ سنة 2008، فان روسيا مهتمة بالحفاظ على دورها كدولة عظمى قطبية موجهة. من خلال ذلك يوجد لها عدد من المصالح الوطنية متعددة الابعاد في هذه المنطقة. ان طموحات روسيا القطبية تتركز في محالات السيادة السياسية الوطنية، والاقتصاد والجيش. وهي قائمة بالاساس على عدد من الوثائق الاستراتيجية والتي قام بصياغتها النظام الروسي.

طموحات سياسية – أمنية

لقد حصلت المنطقة القطبية علة مكانة خاصة في استراتيجية الامن الروسية. منذ سنوات ال 50 من القرن الـ 20 فقد صناعات وبنى تحتية والمرتبطة بالردع النووي الروسي، وبالاساس بالنسبة للمنشآت في شبه جزيرة كولا. بالاضافة لذلك فإن المنطقة القطبية الروسية تؤمن قدرة للوصول الى المحيط الاطلسي لهذا فهي منطقة حيوية للاسطول الروسي، الذي يحتاجها من اجل تنفيذ مهمات عالمية. هذا خاصة منذ ان فقدت روسيا – نتيجة لتفكك الاتحاد السوفييتي- عدد من الموانئ في البحر البلطيقي (فلاديسكي في استونيا) وفي البحر الاسود، بالرغم من انها اعادت الان لنفسها السيطرة في البحر الاسود (سيفاستوبول) بعد احتلال شبه جزيرة القرم. إن تقلص القطب الشمالي وذوبان الجليد في المنطقة القطبية تمكن روسيا من الحصول على خطوط مواصلات بحرية جديدة. طريق البحر الشمالي والطريق الغربي تمنح روسيا فرصة السيطرة على الطريق الاقصر بين امريكا الشمالية، اوروبا وآسيا. اضافة الى استخدام خطوط بحرية جديدة للوصول وتقصير الطرق في مناطق ذات اهمية استراتيجية في المنطقة وفي العالم، فان روسيا تنوي استخدام الخطوط البحرية الجديدة لاغراض سياسية داخلية، مثل ربط وتقريب الاجزاء الجغرافية الشرقية والغربية في الفيدرالية الروسية. كما اعلنت روسيا أن في نيتها انشاء خط جوي في المنطقة.

في نيسان 2000 القى الرئيس الروسي بوتين خطابا على متن كاسرة الامواج في مورمنس وقال إن روسيا تحتاج الى “سياسة بحرية وطنية”، وأن المناطق الشمالية هي مخزون الموارد لروسيا، لهذا فانها “عنصر هام في ضمان أمن الدولة”.

فوق كل شيء، فان الاهمية الاستراتيجية للمنطقة القطبية بالنسبة لروسيا تنبع من القواعد البحرية النووية المقامة فيها. الردع النووي لروسيا بقي حتى الآن اساسا جوهريا في سياسة أمنها الخاصة بها، لكنه ايضا يشكل رمزا لمكانة روسيا كدولة عظمى.

          طموحات اقتصادية

روسيا ترى في الشواطيء القطبية مصدر ذو اهمية بالنسبة للموارد الطبيعية، خط تجاري محتمل وواسع، منطقة صيد هامة تستطيع في المستقبل احداث زيادة في المدخولات بطرق مختلفة: سواء بطريقة مباشرة من استخراج النفط وباقي الموارد أو مدخولات ضريبية تأتي من ضريبة المرور للمواصلات البحرية، خط بحر الشمال، ومن توفير بنية تحتية وخدمات على طول الطريق.

حسب تقديرات وكالة “الاستطلاع الجيولوجي للولايات المتحدة”، فان المنطقة القطبية تحوي في داخلها مخزونات من الغاز تقدر بـ 412 مليار برميل. الحديث يدور عن 22 في المئة من الغاز والنفط التي لم تستغل بعد. اضافة الى النفط والغاز يوجد في المنطقة القطبية مخزون هام من المعادن والاحجار الثمينة مثل الذهب والفضة والنحاس والحديد والكبريت والمغنيسيوم والنايكل والبلاتين والاحجار الكريمة.

في حين أن الجليد في المنطقة القطبية في طور الانسحاب فان الصعوبات الاقتصادية لروسيا تعتمد اكثر فأكثر على الموارد المعدنية، وعلى الموارد الطبيعية في هذه المنطقة. في الوقت الحالي تحظى روسيا بأفضليات اقتصادية في المنطقة القطبية، حيث حوالي 20 في المئة من الناتج الاجمالي المحلي وصادراتها تنتج في شمال الخط القطبي.

في المنطقة القطبية الروسية تستخرج الآن معظم موارد الغاز (95 في المئة)، والنفط (70 في المئة). لقد اكتشف جيولوجيون روس حوالي 200 حقل غاز وبئر نفط في المنطقة القطبية الروسية. الحقول الكبيرة التي تقع في بحر بارنتس وفي بحر كارا معدة للتطوير في المستقبل. اضافة الى ذلك، في المنطقة القطبية الروسية يجري الآن 99 في المئة من انتاج المجوهرات في الفيدرالية الروسية. 98 في المئة من انتاج البلاتين. واكثر من 80 في المئة من انتاج النايكل و90 في المئة من انتاج المغنيسيوم.

          تطلعات تاريخية

المنطقة القطبية هي اساس خام في اعادة تقدير الهوية القومية لروسيا ومكانتها ودورها الرائد في العالم. منذ القرن الخامس عشر كانت روسيا لاعبة فعالة في المنطقة القطبية. المنافسة الحالية بينها وبين دول الشاطيء الاخرى في هذه المنطقة هي بالفعل تحديثا للماضي. على مدى سنوات روسيا كدولة، خاصة في القرن العشرين، كان للمنطقة القطبية جزء هام في صياغة السياسة والهوية القومية لها.

المناطق القطبية تشكل 25 في المئة من الاراضي الروسية، وتضم في داخلها اجزاء هامة، ليست متوازنة، من الموارد الطبيعية للدولة، وكانت لها اهمية استراتيجية خلال الحرب الباردة عندما كان الفضاء القطبي هو النقطة الاقرب بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة.

في الثقافة الروسية تحتل المنطقة القطبية مساحة هامة. باحثون روس للقطب – خاصة الاوائل منهم الذين شقوا الطريق في الثلاثينيات من القرن العشرين يحظون باحترام كبير وتبجيل لدى الجمهور الروسي، وليس كما في الدول الاخرى في العالم. منذ القرن السابع عشر ذهب الباحثون الروس للاستكشاف في الشواطيء الشمالية لبلادهم. البعثة الروسية الشمالية في بداية القرن الثامن عشر كانت في حينه احدى البعثات العلمية الكبرى في حجمها وشمولها في العالم.

ونتيجة لتفكك الاتحاد السوفييتي والوضع الضعيف لروسيا، حدث خلال التسعينيات وسنوات الالفين هبوط كبير في التواجد والمعدات والمنشآت العسكرية لروسيا في المناطق القطبية. ايضا الآن بعد ازدياد قوتها العسكرية، وتحسين انشاء منشآت عسكرية جديدة في المنطقة، روسيا ما زالت توجد الآن في وضع أقل من ذلك الوضع الذي عرضته في فترة الاتحاد السوفييتي.

خلال الحكم السوفييتي اقيمت قاعدة صناعية في المنطقة القطبية الروسية شملت مناجم واستخراج غاز ونفط وشبكة انابيب ومحطات طاقة كهربائية ومحطات قوة نووية وبنى اساسية واسعة للمواصلات (سكك حديدية وشوارع وممرات للاقلاع وموانيء).

          عملية تأسيس عقيدة للطموحات الروسية

ان قاعدة السياسات الوطنية الروسية في المنطقة القطبية تنبع بالاساس من وثيقتين عقائديتين مهمتين نشرتهما الفيدرالية الروسية منذ بداية الالفية الثانية. روسيا هي احدى الدول الاولى القطبية التي صاغت وثيقة استراتيجية مخصصة لهذه المنطقة. منذ 14 حزيران 2001 صادق مجلس الوزراء الروسي على مسودة وثيقة عنوانها: “أسس لوثيقة سياسية للفيدرالية الروسية في المنطقة القطبية”. في هذه المسودة عرضت المصالح الوطنية لروسيا ولاستراتيجيتها المركزية في هذه المنطقة.

بعد مضي سبع سنوات استكملت روسيا تطوير الوثيقة الاستراتيجية وصادق الرئيس حينها ديمتري ميدفيديف عليها في 18 ايلول 2008 كخارطة طريق للسنوات من 1008 الى 2020. خلافا لمسودة وثيقة السياسة الروسية في المنطقة القطبية والتي نشرت في 2001 وتركزت حول مواضيع عسكرية فان الوثيقة النهائية التي صودق عليها في 2008 تتضمن بنودا اكثر مرونة وبراغماتية، وتفصل في اغلب ما ورد فيها مواضيع مدنية وطنية.

طبقا للمصالح الوطنية تم تحديد ايضا اهداف السياسة الوطنية الروسية في المنطقة القطبية ومن ضمنها: استجابة للمطالب الروسية للموارد الاستراتيجية، الدفاع وحماية حدود الدولة في المنطقة القطبية لروسيا، وتقديم شروط عملية سهلة في المنطقة القطبية الروسية – بما في ذلك المساعدة في القدرات القتالية للقوات المسلحة الروسية، الحفاظ ومنح الدفاع للبيئة الطبيعية للمنطقة القطبية. انشاء فضاء علوي موحد في المنطقة القطبية، اجراء بحث علمي من أجل مراكمة المعرفة، التعاون الثنائي ومتعدد الاطراف بين روسيا والدول المحاددة في المنطقة القطبية، بالاستناد الى المواثيق الدولية والاتفاقات التي تشارك فيها روسيا.

في 20 شباط 2013 صادق بوتين على “استراتيجية لتطوير المنطقة القطبية للفيدرالية الروسية” – وثيقة مُحدّثة للاستراتيجية التي نشرت في 2008. الوثيقة الجديدة تتركز على المنطقة القطبية الروسية، في حين ان الوثيقة من 2008 تتركز على المنطقة القطبية بمجملها. فعليا، الوثيقة الجديدة تدلل على ان روسيا فشلت في المهمة التي وضعتها لنفسها للسنوات من 2008 الى 2010 في الوثيقة السابقة، وان عليها أن تضع أهدافا جديدة أكثر واقعية للمستقبل.

في الوثيقة الاخيرة هنالك تطرق للابعاد الدولية، على سبيل المثال نية موسكو تحديد حدودها في المنطقة القطبية بواسطة تشريع وتقديم طلب جديد “لمكتب المندوبية العام للامم المتحدة لتحديد المسطح البري”، وكذلك تأكيد روسيا بشأن الحاجة الى التعاون الدولي في مجالات مثل الاستكشافات واستغلال مواد الطبيعة، وحماية البيئة والحفاظ على ثقافة المجتمعات السكانية الاصلية. ولكن كسابقتها فان الوثيقة الاستراتيجية لعام 2013 تؤكد على السيادة الروسية على المنطقة القطبية الروسية وعلى الخط البحري الشمالي، وتدعو الى الحفاظ على المصالح الوطنية للدولة في المنطقة. الى جانب هذه التغييرات اعترفت روسيا في الوثيقة الجديدة انه تنقصها الموارد والتكنولوجيا المطلوبة من أجل استغلال الموارد الطبيعية في المنطقة القطبية الروسية، وهي بحاجة الى استثمارات أجنبية والى مساعدة تكنولوجية لاغراض التطوير.

          تنفيذ العقيدة القطبية الروسية

       نشاطات دبلوماسية وسياسية

من أجل تحقيق مطامحها في المنطقة القطبية عملت روسيا الكثير على مر السنين الاخيرة في المجال المدني والدبلوماسي. هكذا، في 2011 قدمت موسكو “لمندوبية تحديد المسطح البري” (ShelfContinental the of Limits the on Commission)طلبات على خلفية ادعاءات علمية، بهدف توسيع المنطقة الاقتصادية الخاصة بها حصريا، والتي تصل من 200 ميل بحري الى 350 ميل (تقريبا 648 كيلو متر). بهذا كانت روسيا الدولة الاولى التي قدمت معطيات الى مكتب المندوبية، ولكن مكتب المندوبية رفضت الطلب بذريعة انه غير نافذ وطلبت منها تعزيز ادعاءاتها العلمية والجيولوجية.

روسيا واصلت محاولة شرح وتفسير ادعاءاتها القانونية في المنطقة القطبية بما في ذلك عن طريق قنوات ثابتة مثل “ميثاق القانون البحري للامم المتحدة” و (المنظمة البحرية الدولية). بهدف توسيع المنطقة الاقتصادية الخاصة بها حصريا قدمت روسيا طلبا ثانيا بتاريخ 4آب 2015.

الى جانب الطلب باستكمال ادعاءاتها لدى المندوبية يقف امام روسيا امكانية دبلوماسية اخرى – تتمثل بتقديم دعوى الى محكمة القانون البحري. ولكن المداولات في هذه الدعوى يمكن ان تستمر من 10 الى 15 سنة. على ضوء هذا الواقع يثور الشك بان تفقد روسيا صبرها وتنحرف عن السياسة البحرية المسؤولة لها وتنفذ خطوات وحيدة الجانب.

عمليات عسكرية ومناورات عسكرية

2 آب 2007 ردت روسيا على قرار مندوبية الأمم المتحدة لتحديد المسطح البري برفض طلبها توسيع حدود سيطرتها في المنطقة القطبية. طاقم مهمة البحث والذي ضم كاسرة جليد نووية يرافقها غواصتان ارسل الى المنطقة القطبية، وجمع عينات ترابية من جرف لومونوسوف – وهو منطقة يوجد عليها دعاوي حدودية من جانب روسيا والدانمارك وكندا. العينة استهدفت اثبات أن الجرف هو جزء من المنطقة الأوروبية الاسيوية. في خلال هذا الحدث والذي وثق بتظاهرة إعلامية كبيرة غرس الطاقم الذي تولى المهمة علم روسيا في أرضية المحيط في منطقة الجرف. في نفس الواقعة أعلن آرتر تشيلين غاروف، نائب رئيس البرلمان الروسي حينها وباحث قطبي سوفياتي مشهور، أن “المنطقة القطبية هي لنا ويجب علينا اظهار حضورنا”.

هذا الحادث عبر عن أهمية المنطقة القطبية بالنسبة لروسيا، والتي تحولت الى منطقة تركيز أساسية للجيش الروسي. حسب العقيدة العسكرية الروسية من سنة 2014 فان الجيش الروسي ملزم بالدفاع عن المصالح الوطنية لروسيا في المنطقة القطبية. ومن أجل الالتزام بهذه الأهداف فانهم في موسكو يعطون أهمية كبيرة لفحص وتطوير القدرات العسكرية للاسطول البحري الروسي ولسلاح الجو الروسي. يبدو أن سلسلة مناورات عسكرية واسعة على مدار السنوات الأخيرة استهدفت تحقيق هذا الهدف.

في بداية اذار 2014 نفذ الجيش الروسي مناورة تم خلالها انزال مئات المظليين الروس فوق جزيرة كوتلاني في منطقة شمال سيبيريا، بما سمي بتدريب الانزال الأكبر في التاريخ والذي نفذه الجيش الروسي في المنطقة.

في 8 اذار 2014 نفذت موسكو المناورة العسكرية الأكبر لها منذ تفكك الاتحاد السوفياتي، والتي تضمنت سيناريو يشابه هجوم نووي بمشاركة غواصات، قاذفات وصواريخ ارض – ارض، باشراف بوتين من داخل قيادة اركان وزارة الدفاع الروسية في موسكو. خلال المناورة اطلقت صواريخ باليستية عابرة للقارات من بحر بارنتس.

في تشرين ثاني 2015 وردت تقارير تقول بان روسيا نفذت بنجاح تجربة اطلاق صاروخين باليستيين من قبل غواصة في البحر الأبيض، قريبا من الشاطيء الشمالي الغربي للدولة. في اذار 2015 نفذت روسيا مناورة عسكرية واسعة في المنطقة القطبية. المناورة  استمرت خمسة أيام وشارك فيها 80 الف جندي و 220 طائرة مقاتلة، و 41 سفينة و 15 غواصة.

في 2 حزيران 2015 نفذ الاسطول البحري الروسي مناورة عسكرية بمشاركة قوات نووية في المياه الدولية تحت القطب الشمالي. في هذه المناورة تم التركيز على “تشخيص اخطار وتهديدات” ولكن أيضا على اطلاق صواريخ وغواصات وتجارب توجيه ودوريات على الجليد.

إضافة الى المناورات العسكرية نفذ سلاح الجو الروسي خلال السنوات الأخيرة عدد من الطلعات الجوية قريبا من دول الشاطيء القطبي. من بينها، في سنة 2014 اعترضت النرويج 74 طائرة مقاتلة روسية على طول شواطئها، وهذا الامر دلل على زيادة قدرها 27 في المئة مقارنة مع 2013. في اذار 2015 نفذت روسيا مناورة عسكرية جوية استمرت عدة أسابيع فوق بحر بارنتس، تتضمن تشبيها لتدمير صواريخ وطائرات معادية.

ولكن يجب ان نشير الى أن الطلعات الروسية تمت باغلبها قريبا من خط الشاطيء بامريكا الشمالية، وحرصوا على البقاء في المجال الجوي الدولي. وعدم اختراق المجال الجوي السيادي لكندا والولايات المتحدة.  بالإضافة الى ذلك عدد الطلعات الروسية بمحاذاة الشواطيء القطبية في أمريكا الشمالية او بالقرب من الشواطيء الشرقية والغربية في شمال المحيط الهاديء والاطلسي منخفض بالمقارنة مع الطلعات التي يجريها الناتو قريبا من المنطقة القطبية الروسية أو قريبا من الحدود الروسية في أوروبا.

معظم الصور التي صورت خلال الاعتراضات الجوية للقاذفات الروسية الاستراتيجية عن طريق طائرات الولايات المتحدة وكندا أظهرت أن الطائرات الروسية تطير بارتفاع لا يمكن به ما من شأنه أن تحاول إخفاء هويتها أو نشاطها. إضافة الى ذلك الصور بينت أن القاذفات الروسية لم تحمل سلاحا. على الأقل في عدد من الحالات، القاذفات الروسية كانت تطير بدون مرافقة طائرات قتالية وبهذا أصبحت اهداف سهلة للاعتراض من قبل الولايات المتحدة وكندا.

يوجد في هذه المعطيات ما يدعو لعرض زاوية أخرى، وهي ان روسيا غير معنية بمواجهة او انها تؤيد سياسة عدوانية بل تستخدم المجال الجوي بهدف الردع المتبادل، ارسال رسائل الى دول المنطقة والحفاظ على أهلية سلاح الجو الروسي.

 

 

بنية القوات الروسية في السياق القطبي

في 28 اذار 2014، بعد وقت قصير من الغزو الروسي لشبه جزيرة الكرم القى الرئيس بوتين خطابا في الكرملين امام موظفون كبار في جهاز الامن وشرح لهم “الخطوة القادمة هي تطوير قواتنا المسلحة، بما في ذلك في المنطقة القطبية”. في 7 نيسان 2014  التقى بوتين مع رجالات “مصلحة الامن العام الفيدرالي” الروسية، وتوسل اليهم “لتفضيل استمرار تطوير البنية التحتية للحدود في المنطقة القطبية.

في السنوات الأخيرة تعمل روسيا بشكل عام من أجل زيادة قدرتها العسكرية وهي تصدر رسائل عدوانية ليس فقط تجاه المنطقة القطبية. عدد الرؤوس النووية والقاذفات المنصوبة لروسيا زاد بصورة كبيرة منذ سنة 2013 وكذلك أيضا عدد الصواريخ الباليستية العابرة للقارات المنصوبة، صواريخ الغواصات الباليستية والقاذفات الثقيلة الروسية. بالإضافة لذلك تبني روسيا ثلاثة سفن كاسحة للجليد، بما فيها كاسحة الجليد الأكبر في العالم بهدف تعظيم اسطول كاسحاتها للجليد.

روسيا تعيد تأهيل وتبني في السنوات الأخيرة ستة منشآت عسكرية في المنطقة القطبية، من بينها قاعدة “تيربويل” في جزيرة الكساندرا، والمعدة للتدريب على البقاء الذاتي طوال سنة ونصف. القاعدة الأكبر لموسكو في المنطقة القطبية هي (شمال شومروك) الواقعة في جزيرة كوتيلني في منطقة بحر سيبيريا الشرقي، تضم 250 جندي. ومزودة بانظمة دفاع جوية. بالإضافة لذلك تقوم روسيا بإصلاح مسارات اقلاع للطائرات ومحطات أجهزة انذار متطورة في أربعة جزر أخرى في المنطقة القطبية، وتنقل الى المنطقة أنظمة جديدة لصواريخ ارض جو وصواريخ ضد السفن. لقد اقامت لوائين خاصين في المنطقة القطبية – وهو ما لم يقم به حتى الاتحاد السوفياتي – وهي الان تخطط لانشاء فرقة بهدف الدفاع عن الشاطيء القطبي.

عنصر هام هو الاسطول البحري  الشمالي الذي يذكر بالتفصيل وزير الدفاع الروسي مهامه الأربع: الدفاع عن القوات الاستراتيجية للاسطول الروسي، الدفاع عن المصالح الاقتصادية في المناطق الشمالية لروسيا، الدفاع عن أمن الملاحة، المساعدة في تحقيق مصالح السياسة الخارجية الروسية. الاسطول الأقوى للجيش الروسي من بين الأربعة اساطيل هو الاسطول الشمالي. لهذا الاسطول خصص معظم الغواصات الروسية – من بينها تلك المؤهلة لحمل صواريخ باليستية وحاملات لصواريح بحرية؛ حاملة الطائرات الأكبر للجيش الروسي، “أدميرال كوزنتسوف”؛ وسفينة الدورية الأكبر “بيوتر فليكي”.

روسيا منذ 2011 تقوم بتنفيذ برنامج لتحديث وتحسين قدرة الاسطول البحري ا لروسي. هذا التحديث يأتي بعد سنوات أهملت فيها روسيا زيادة قوتها البحرية، وفي موسكو يخططون لبناء حوالي 100 سفينة حربية، هذا بالإضافة الى إعادة تأهيل وتطوير السفن الموجودة، بهدف تمديد فترة استخدامها. في كانون اول 2014 دشنت روسيا قيادة جديدة بهدف التنسيق ما بين كل القوات العسكرية الروسية العاملة في المنطقة القطبية. روسيا رفعت بمقدار الثلث عدد مشاة البحرية المخصصين للاسطول البحري الشمالي من اجل معادلته مساواته بحجم الالوية الأخرى. وكذلك أنشأت روسيا هيئة قيادة شمالية استراتيجية مشتركة بهدف تنسيق العمليات بين كل القوات العسكرية الروسية العاملة في المنطقة.

          استخلاصات

منذ ان صعد فلاديمير بوتين الى سدة الحكم في روسيا حولت الفيدرالية الروسية المنطقة القطبية الى منطقة ذات افضلية وطنية. هذه العملية تم القيام بها كجزء من محاولته ان يعيد لروسيا مكانتها كدولة عظمى عالمية ودورها التاريخي  المتماثل مع روسيا القيصرية، الى جانب العظمة السوفياتية في فترة الحرب الباردة. بالاضافة الى ذلك روسيا معنية باستغلال الموارد الطبيعية الكبيرة والموقع الجغرافي للمنطقة الى جانب الفرصة للوصول الى خطوط مواصلات ووسائل اتصال، وللتقريب ما بين الأجزاء الشرقية والغربية للدولة.

ان تفضيل المنطقة القطبية قاد موسكو بان تقرر – الى جانب التعاون الدبلوماسي الثنائي ومتعدد الأطراف مع دول المنطقة القطبية – زيادة قوتها المدنية والعسكرية في المنطقة وزيادة النشاط وخاصة العسكري في حدودها الشمالية وفي المحيط المتجمد.

ان زيادة قوتها ونشاطها واستفزازاتها العسكرية لجاراتها القطبية – الى جانب حقيقة أنهم في موسكو مصممون على ان يستخدموا في العقود الأخيرة أيضا الوسائل العسكرية كلما اقتضت الحاجة – تقود الى الاستنتاج بان روسيا معنية بتحقيق سيطرة واسعة بقدر الإمكان في المنطقة القطبية، أيضا لو تم ذلك على حساب دول شاطئية أخرى في المنطقة، لها ادعاءات مشابهة.

 

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق