شؤون العدو

اليمين الاقتصادي يحتاج إلى شعبية وطنية

 بقلم: دمتري شومسكي – هآرتس

منذ سنوات كثيرة ونحميا شترسلر تريد الاثبات عن طريق تقديم مثال شخصي، أن يمين اقتصادي ويسار سياسي يمكنهما العيش بسلام تحت سقف واحد. هذا صحيح – شترسلر هو من المؤيدين المتعصبين لعقيدة الاقتصاد الحر، وقد اعتاد على ادانة بالبلشفية كل تدخل للدولة في شؤون الحياة الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين. وفي نفس الوقت هو يتحفظ بصورة واضحة من مشروع الاحتلال والاستيطان، ويدين بشدة خرق حقوق الانسان للفلسطينيين من قبل السلطات الاسرائيلية، واكثر من مرة اظهر الاشمئزاز الكبير من اللهجة العنصرية لليمين الوطني.

ولكن في الحقيقة، فانه حسب التجربة التاريخية والمنطق السياسي، في الدول القومية الحديثة اليمين الاقتصادي بصورة عامة يحتاج بشدة الى مساعدة ايديولوجية من شعبية اليمين الوطنية – العنصرية. وبصورة خاصة في زمن اندلاع ازمات اجتماعية، تحدث نتيجة سياسات الاهمال للجمهور الفقير من قبل مؤيدي السوق المفترسة، التي ترتكز عليها عقيدة اليمين الاقتصادي.

بأي طرق سيواجه من يؤيدون اقتصاد داروين غضب ضحايا الفجوات  الاقتصادية – الاجتماعية الذين وجدوا انفسهم في اسفل السلم الاجتماعي بسبب السياسة الاقتصادية الليبرالية الجديدة؟ حرف نظر وتحريض، هذا هو اسم اللعبة. يحولون موجات الاحتجاج الاجتماعي من المصدر الحقيقي لمشكلات الاقتصاد والمجتمع في الدولة – تخلي الدولة عن مسؤوليتها تجاه مواطنيها في عدد كبير من مجالات الاقتصاد والتعليم – ويوجهونها نحو التحريض ضد الاقليات والاجانب والمختلفين.

كانت هذه مسألة وقت حتى بدأ شترسلر يتحدث (تقريبا) بلغة ميري ريغف. وهو في مقاله “ضائقة الجنوب” (“هآرتس”، 1/9) ضم بفخر صوته الى جوقة عنصريي اليمين من مؤيدي حكومة نتنياهو وفروعها الفاشية في الفضاء المدني، في حملة التحريض الهابطة التي يديرونها ضد طالبي اللجوء من افريقيا. هؤلاء حسب قوله هم مصدر “جهنم” الذي هو نصيب سكان الاحياء الفقيرة في جنوب تل ابيب في السنوات الاخيرة، التي فيها وجد ذوي البشرة السوداء ملجأ لهم.

شترسلر الذي يبكي على ضائقة اليهود سكان جنوب تل ابيب عليه أن يعرف أنه قبل مجيء طالبي اللجوء من افريقيا، فان حياة سكان حي هتكفاه ونفي شأنان ومنطقة المحطة المركزية لم تكن جنة عدن. بالعكس، هذه الاحياء كانت في ضائقة خطيرة قبل سنوات من غزو الافارقة لها. وهذا بدرجة ليست قليلة كنتيجة لانهيار دولة الرفاه في اسرائيل في العقود الاخيرة وهي العملية التي يهتف لها شترسلر منذ سنوات.

لكن إله السوق الحرة الجامحة، التي تجسد بالنسبة لشترسلر قوانين الطبيعة، لا يمكن أن يخطيء. ولا يخطر في البال أن شترسلر سينظر بانتقاد الى الطريقة التي عبدها. بدلا من ذلك وجد له كبش فداء: الافارقة الذين يثيرون الذعر. ولتذهب الحقائق التي يمكن أن تشهد على صورة معقدة اكثر مثل التي طرحها سكان قدماء في الحي الجنوبي، الى الجحيم  (رامي غودوفتس، هآرتس، 1/9) وروعي اراد (موقع هآرتس، 30/8)، حيث ادعيا أن وصف جماعة المهاجرين الافارقة كمصدر للجريمة في هذه المناطق بعيد عن الواقع.

من اجل اعطاء سبب لشيطنة طالبي اللجوء الافارقة استعان شترسلر بفيلم تصعب مشاهدته، ارسله له احد سكان المنطقة. في الفيلم – الذي يعترف فيه شترسلر نفسه بأنه “يوثق فقط بضعة امور ولا يمثل الجميع” – يظهر بين آخرين مهاجر “يشكر النازيين على ذبحنا”.

أنا استغرب كيف كان شترسلر وامثاله سيردون لو سمعوا شاب من اوكرانيا تعلم معي في نفس المدرسة قبل 27 سنة. لقد كان مهاجرا جديدا نموذجيا. الذي علاقته باصله اليهودي مثل عدد غير قليل من مهاجري الاتحاد السوفييتي سابقا في العقود الثلاثة الاخيرة، كان ضعيفا جدا في احسن الحالات، وقد اعتاد على ان يقذف اولاد صفه اليهود بشتائم لاسامية مخيفة. ماذا كانوا سيقولون عن شتيمة مكانها في اوشفيتس؟ التي كان يوجهها على شخص اسرائيلي آخر/ خدم معي في الجيش.

ليس من الخطأ التقدير أن دخول طالبي اللجوء والعمل الى اسرائيل يشكل  بالنسبة لهم الآن خط احمر، أو ربما خط اسود، كانوا اكثر حذرا ولا يتسرعون في بلورة تعميمات بخصوص غير اليهود في اوساط المهاجرين من الاتحاد السوفييتي. حيث أن الاسرائيليين اكثر تسامحا مع الاوروبيين البيض.

شترسلر معروف كواحد من الذين يرون في ذكرى الكارثة واللاسامية قيمة وطنية من الدرجة الاولى، التي يجب عدم الاستخفاف فيها. ولهذا الموضوع خصص في السابق عدد من المقالات. ايضا في مقاله الحالي هناك تذكير بارز باللاسامية مثل تشبيه “دولة داخل دولة” الذي يستخدمه لوصف وجود طالبي اللجوء ومهاجري العمل في الاحياء الجنوبية في تل ابيب.

“دولة داخل دولة” هي من المفاهيم الاساسية في الدعاية اللاسامية الحديثة في اوروبا، في عهد التحرر الذاتي والذوبان. الذي تم استخدامه لتوضيح ابعاد “الخطر اليهودي”، وهكذا يوجد امامنا واحد من التقمصات الهزلية للثورة الصهيونية: شعار لاسامي سام، تم قذفه في السابق في وجه اليهود، يستخدمه اليمين الاقتصادي والسياسي الآن في الدولة اليهودية، عندما يريد الانقضاض على “الآخر” والمختلف الذي يوجد في اوساطه.

 

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق