شؤون العدو

مجلس الأمن، اسرائيل والوضع في الشرق الأوسط

بما في ذلك المسألة الفلسطينية

 

بقلم: ميخال حتوئيل – رادوشتسكي

نيكي هايلي، سفيرة الولايات المتحدة في الامم المتحدة، التي تم تعيينها منذ فترة قصيرة لهذا المنصب، أبدت في شهر شباط 2017 الاشمئزاز من الرأي السابق للامم المتحدة تجاه اسرائيل بشكل عام، وخاصة طريقة تعامل مجلس الامن مع اسرائيل. المشاعر المعادية لاسرائيل في الامم المتحدة والتي تطرقت اليها السفيرة هايلي بشدة، لم تأت كتطور للفترة الاخيرة. سابقتها في هذا المنصب، زعمت على سبيل المثال، أنه منذ أن أصبحت اسرائيل عضوة في الامم المتحدة وهي تحظى بمعاملة مختلفة عن المعاملة التي تحظى بها دول اخرى. في حين أن اسرائيل اعتادت على هذا الواقع، هذا الامر يزيد الاهمية الاستراتيجية ومكانتها لدى اللاعبين الاقوياء في الامم المتحدة.

على هذا الاساس يسعى هذا المقال الى الاجابة على سؤالين اساسيين. الاول، كيف ينظر اللاعبون الاقوياء في مجلس الامن الى النزاع الاسرائيلي الفلسطيني والى حله، وما هي الاختلافات في الرأي الموجودة فيما بينهم. والثاني، ما هي المواضيع التي تحظى بانتقادات اكثر في اطار مساهمة هؤلاء اللاعبين في نقاشات مجلس الامن لمسألة النزاع الاسرائيلي الفلسطيني.

نبدأ المقال بفقرة قصيرة تناقش نظام عمل مجلس الامن في موضوع النزاع الاسرائيلي الفلسطيني وفي المنهجية التي استخدمها هذا البحث. وفيما بعد سيتم ذكر النتائج التي تم استخلاصها بعد طرح هذين السؤالين. وفي الختام  سيتم طرح نقاش وتوصيات لسياسات.

          مجلس الامن والنزاع الاسرائيلي الفلسطيني

حسب وثيقة الامم المتحدة، ملقى على مجلس الامن دور العمل على الحفاظ على السلام والأمن في العالم. لهذا فانه بامكان المجلس أن يفرض عقوبات والمصادقة على استخدام القوة. المجلس مكون من 15 دولة عضوة، خمس دول من بينها هي اعضاء دائمة (الصين، فرنسا، روسيا، بريطانيا والولايات المتحدة) – التي تُعرف في العادة بـ “P5″وعشر دول اخرى يتم انتخابها كل سنتين. لكل دولة عضو يوجد صوت واحد. ولكن الدول الخمس دائمة العضوية يمكنها فرض الفيتو على قرارات المجلس – هذا الحق يعطيها قوة تأثير اضافية.

المجلس يجتمع بشكل دائم للبحث في النزاعات المختلفة في ارجاء العالم. اضافة الى الجلسات الثابتة التي يتم عقدها تحت عنوان “الوضع في الشرق الاوسط”، فان المجلس يجتمع مرة كل شهر، وبين الفينة والاخرى بصورة متقاربة اكثر من اجل البحث النزاع الاسرائيلي الفلسطيني تحت عنوان “الوضع في الشرق الاوسط، بما في ذلك المسألة الفلسطينية”. هذه الجلسات الخاصة تُدار حسب هيكلية محددة، وتبدأ باستعراض آخر المستجدات من قبل ممثل كبير في الامم المتحدة. في جلسات محددة تعطى لاعضاء المجلس امكانية التعقيب على ذلك، والتصويت على قرارات أو اجراء نقاش بعد مبادرة من دولة عضوة في المجلس كرد على حدث معين.

مضمون هذا المقال يرتكز على تحليل محاضر سبعين جلسة من جلسات مجلس الامن التي عقدت تحت عنوان “الوضع في الشرق الاوسط، بما في ذلك المسألة الفلسطينية”، والتي عقدت في الاعوام 2012 – 2016. من خلال الهدف المزدوج المتمثل بالتركيز على اللاعبين الاقوياء في المجلس من جهة، وتضمين البلاغة الكلامية التي ترتكز على آراء مسبقة للدول التي ليس لها علاقة دبلوماسية مع اسرائيل من جهة اخرى. هذا التحليل يركز فقط على الرسائل التي تم نشرها في هذه الفترة من قبل اللاعبين: ممثلو دول الـ “بي 5″، ممثل الاتحاد الاوروبي وممثل الامم المتحدة الذي يفتتح الجلسة. نقطة الانطلاق في التحليل هي السنة التي تم فيها رفع مكانة فلسطين من كيان مراقب غير عضو الى دولة مراقبة غير عضو. هذا التطور مهم من ناحيتين. الاولى، لأن المكانة الجديدة أعطت الفلسطينيين امكانيات أكبر لتدويل النزاع ولاتخاذ خطوات قانونية ضد اسرائيل. ثانيا، هذه الخطوة التي لم تحظ بالاجماع من قبل اللاعبين المركزيين، تسلط الضوء على الفوارق بينهم.

          وجهات نظر دولية حول النزاع الاسرائيلي الفلسطيني:

أوجه التشابه والاختلاف بين اللاعبين المركزيين

في البداية وعلى ضوء المناخ الدولي الحالي، الذي تريد فيه الادارة الامريكية الجديدة أن تفحص خيارات مختلفة لحل النزاع، يجب التأكيد على أن كل جلسة من جلسات مجلس الامن التي تم استعراضها، ارتكزت على النظرية غير القابلة للشك للاعبين المركزيين والتي تقضي بأن “حل الدولتين هو السيناريو العملي الوحيد”. طوال الفترة أشار اللاعبون المركزيون بأن “حل الدولتين… هو الطريق الوحيد للتوصل الى السلام والأمن”. وفي نفس الوقت قالوا إننا نوجد على شفا وضع خطير فيه “حل الدولتين موجود في وضع يقتضي الانعاش”.

موضوعان آخران فيهما اقوال اللاعبين المركزيين واضحة بصورة قاطعة، وهي أن اسرائيل تواجه تهديدات وتحديات أمنية حقيقية، وأن مفاوضات مباشرة بين الجانب الاسرائيلي والجانب الفلسطيني هي الطريق الافضل لحل النزاع.

في كل ما يتعلق بأمن اسرائيل فان المبدأ الموجه القاضي بـ “لن يحدث تقدم اذا لم يتم التطرق للتحديات الامنية التي تواجهها اسرائيل” وأنه “ليس بالامكان التنازل عن أمن اسرائيل”، احتل مكانا مركزيا في كل النقاشات. وعندما أشارت دول الـ “بي 5” مرة تلو الاخرى بأنها “لن تقلل يوما من أهمية حاجات اسرائيل الامنية”. أمن اسرائيل تم بحثه في جلسات المجلس، سواء في سياق قطاع غزة، الذي يقضي بـ “حق اسرائيل في الدفاع عن نفسها… كرد على اطلاق الصواريخ من غزة  هو أمر غير مقبول”. أو في سياق الارهاب الفلسطيني العنيف. كذلك تمت الاشارة الى أن قطاع غزة محكوم من قبل كيان “لاسامي بصورة واضحة”، والذي “يرفض الحلول السلمية ويسعى الى القضاء على اسرائيل”. في الواقع وفي اطار وعي المجتمع الدولي لمخاوف اسرائيل في المجال الامني فقد عبرت دولتان من بين دول “بي 5” (الولايات المتحدة وبريطانيا) عن “التزامهما بأمن اسرائيل” كدافع لتصويتها على قرار مجلس الامن 2334.

فيما يتعلق بالمفاوضات الثنائية كأفضل وسيلة لحل النزاع، هناك اجماع بين اللاعبين المركزيين على أنه “يجب على الفلسطينيين والاسرائيليين أن يبلوروا بأنفسهم أي اتفاق نهائي، ويجب عدم فرضه من الخارج”، وأن النشاطات الدولية “ليست بديلا عن عملية سلام حقيقية، التي يجب على الاطراف التفاوض عليها”. في هذا السياق يشير اللاعبون المركزيون الى حقيقة أن بحث الفلسطينيين عن “مسارات دولية قانونية للحصول على مكانة دولة” يجب أن يستند الى فهم أنه “ليس هناك بديل عن اجراء المفاوضات مع اسرائيل”، وأنه حتى خطوات دولية تهدف الى “تحديد الاطار لاجراء المفاوضات” لا يمكنها “فرض أي حل على الطرفين”.

لدى فحص اطار الدعم المطلوب لحل الصراع، يؤيد اللاعبون المركزيون بصورة كبيرة التدخل الدولي. وكأدلة على ذلك نجد دعوتهم لتدخل أكثر (مثلا، “الصين تدعو الرباعية لاتخاذ خطوات نوعية بهدف استئناف المحادثات السلمية”)، وأن بامكانهم دعم لاعبين آخرين في الوقت الذي يقود فيه هؤلاء موضوعا محددا. الدول التي تأخذ على عاتقها القيادة تؤكد على دعم لاعبين دوليين آخرين، وهكذا فان الصورة المتشكلة هي مجتمع دولي داعم جدا لمبادرات تهدف الى حل الصراع، بدون صلة بمسألة من هو اللاعب الذي يقود (مثلا، “الجهود الدبلوماسية لم تكن ممكنة بدون دعم دولي ثابت. لجنة مبادرة السلام العربية… مبعوثي الرباعية، السكرتير العام، شركاء أوروبيين وآخرين ساهموا ايضا في تصريحات داعمة راسخة”).

يضاف الى ذلك أن كل اللاعبين المركزيين يؤيدون زيادة تدخل لاعبين اقليميين في حل الصراع، ولا سيما دول الجامعة العربية. مثلا، التصريح “ما زلنا نؤمن بأن… دول المنطقة يجب أن تأخذ هنا دور”. المساهمة المحتملة لدول المنطقة واردة بشكل خاص في مجالين: الاول، عن طريق قدرتها على عرض محفزات على اسرائيل. الثاني، عن طريق قدرتها على المساعدة في تقدم “وحدة فلسطينية على قاعدة م.ت.ف”.

في سياق الشرق الاوسط المشتعل، يتفق كل اللاعبين المركزيين على أنه لا يوجد أي سبب لأن تعيق أي صراعات عنيفة اخرى توجد في المنطقة المجتمع الدولي في اتخاذ خطوات تستهدف الصراع الاسرائيلي الفلسطيني. مثلا “مهما كان الوضع في سوريا خطيرا” فان اللاعبين الدوليين يرون حاجة الى “مواصلة التمركز في الصراع الاسرائيلي الفلسطيني الذي لم يُحل بعد”. في هذا الشأن يتم النظر الى حل الصراع الاسرائيلي الفلسطيني كـ “مفتاح: لتطبيع الوضع في المنطقة”. في الحقيقة هناك رؤيا في اوساط كثيرة تقضي بأن حل الصراع الاسرائيلي الفلسطيني هو أمر هام ليس فقط لصالح الاطراف نفسها أو من اجل “استقرار منطقة الشرق الاوسط على المدى البعيد، بل ايضا لصالح السلام والاستقرار في اوروبا”.

إذا قمنا بالتركيز على الفوارق بين اللاعبين المركزيين فسنجد أن هذه الفوارق تقتصر على المجال المنهجي المفضل، التي بامكانها دفع اسرائيل والفلسطينيين الى اتخاذ خطوات ايجابية تؤدي الى انهاء الصراع.

الولايات المتحدة تتوق في هذا الشأن الى التميز عن اللاعبين الآخرين بانتقادها الصارخ للخطوات الفلسطينية أحادية الجانب، التي ترى أنها “لا تحسن ظروف حياة الفلسطينيين اليومية، وحتى أنها لا تسهم في بناء الثقة للتوصل الى حل الدولتين”. ومن خلال التمسك بهذه السياسة، في الفترة التي تم بحثها، صوتت الولايات المتحدة في 2012 ضد مشروع قرار في الجمعية العمومية للامم المتحدة لرفع مكانة فلسطين، وفي 2014 صوتت ايضا ضد مشروع قرار اردني تم طرحه بعد عملية الجرف الصامد.

من بين دول الـ “بي 5” بريطانيا هي الدولة الاكثر قربا من الولايات المتحدة من حيث الكلام البلاغي والنشاط في هذه الساحة. وقد وجهت بريطانيا انتقادا الى الخطوات الفلسطينية أحادية الجانب في الساحة الدولية، وامتنعت عن التصويت في الجمعية العمومية في 2012، وامتنعت عن التصويت ايضا على مشروع القرار الاردني في 2014 – وعلى الرغم من أنها أظهرت دعما لفكرة “قرار مجلس الامن في موضوع عملية السلام في الشرق الاوسط”.

يبدو أن دول الـ “بي 5” الاخرى (الصين، فرنسا وروسيا) تؤيد النشاطات الدولية أكثر ضد اسرائيل، وبالتساوق مع ذلك فقد صوتت مع الاقتراح الفلسطيني في الجمعية العمومية في 2012، ومع مشروع القرار الاردني في 2014. كل دولة من هذه الدول اقترحت اقامة آليات اضافية من اجل التوصل الى اتفاق بين اسرائيل والفلسطينيين، وأهم هذه الآليات: مبادرة فرنسية هدفت الى “جعل المجتمع الدولي بمجمله يقترح أجندة ايجابية على الطرفين، لتشجيعهما على التقدم نحو السلام”، “اقتراح من اربع نقاط للسلام في المسألة الفلسطينية”، التي طرحها الرئيس الصيني، شي.جي بينغ سنة 2013؛ اقتراح من خمس نقاط للسلام طرحتها الصين في 2014؛ اقتراح روسي بأن يتولى مجلس الامن العمل على صياغة مشروع قرار يتضمن “معايير لانهاء الاحتلال، تنظيم بعثة من مجلس الامن الى الشرق الاوسط، ودمج دول الجامعة العربية في الرباعية”.

          انتقاد من جانب اللاعبين المركزيين

احتجاجات اللاعبين المركزيين في مجلس الامن ضد اسرائيل  تتعلق بالاساس بالمواضيع التالية:

المستوطنات

الانتقاد الذي يُشن على سياسة اسرائيل في موضوع المستوطنات يتضمن موضوعين: التوسع المستمر للمستوطنات والعنف المرتبط بها. مع افتتاح جلسة مجلس الامن في الموضوع الذي يتم بحثه يقدم ممثل الامم المتحدة بصورة دائمة معلومات حول عدد الوحدات السكنية الاضافية التي تمت المصادقة على بنائها في المستوطنات من قبل الحكومة الاسرائيلية منذ الجلسة السابقة. الانتقاد في هذا المجال هو تحليلي، مفصل ويرتكز على حقائق. مثلا “نحن محبطون جدا من المناقصات الاسرائيلية لبناء 150 وحدة سكنية في مستوطنات الضفة الغربية”. إن التطرق للمستوطنات في السياق كـ “مناقضة لتعهدات اسرائيل”، “مناقضة للقانون الدولي ويشكل عقبة في طريق السلام”، “تهديد لامكانية تطبيق حل الدولتين”. وعلى المستوى الاكثر عموما، فان سياسة اسرائيل في موضوع توسيع المستوطنات ينظر اليها كـ “اهانة للشعب الفلسطيني”. تلقي الشك حول “تعهد اسرائيل بحل الدولتين”.

جانب آخر للانتقاد يتعلق بالعنف المرتبط بالمستوطنات. في معظم الفترة التي تم استعراضها تعرضت الانتقادات للأذى الجسدي للفلسطينيين والاسرائيليين. مثلا: “46 فلسطيني بينهم 12 طفل وامرأة واحدة، أصيبوا على أيدي مستوطنين، و11 مستوطن أصيبوا على أيدي الفلسطينيين”. كان هناك تطرق للاضرار في الممتلكات الفلسطينية ومصادر الرزق كنتيجة لعمليات العنف هذه، مثلا: “احداث كثيرة من هجمات المستوطنين على حقول الفلسطينيين تسببت بأضرار لأكثر من 1800 شجرة وغرسة… هناك شك… بخصوص قطف الزيتون… ومصدر رزق آلاف الفلسطينيين”. بهذا المعنى هناك ادراك بأن العنف – من جانب المستوطنين الاسرائيليين وكذلك تجاههم – يتحقق “في اعقاب تطبيق غير مناسب للقانون بصورة مزمنة في الضفة الغربية… وكنتيجة لسياسة مستمرة لاسرائيل في موضوع الاستيطان المخالف للقانون”. في الآونة الاخيرة اعتبر الانتقاد المتعلق بالمستوطنات أنها “العنصر الاكثر اضرارا، الذي يساهم في الغضب والاحباط ويشجع على اعمال العنف” ضد الاسرائيليين، سواء في مناطق الضفة الغربية أو داخل اسرائيل نفسها.

          تدمير مبانٍ

موضوع آخر يحظى بانتقاد بدون توقف هو هدم المباني. في الجلسات الشهرية يقدم ممثلو الامم المتحدة بصورة دائمة معلومات احصائية عن عدد المباني الفلسطينية التي تم تدميرها، وعن عدد الاشخاص الذين تم اخلاءهم في اعقاب هذه الخطوات. مثلا: “تم تدمير 33 مبنى سكني… الامر الذي أدى الى اخلاء 176 فلسطيني من بينهم 78 طفلا”. الهدم هو موضوع للانتقاد، وخاصة ازاء سياسة اسرائيل في المناطق ج، والتي تقيد قدرة الفلسطينيين على القيام بـ “تخطيط وتوزيع مناطق بصورة معقولة”، الامر الذي يتسبب بـ “بناء مبان بدون موافقة اسرائيل” التي تؤدي في النهاية الى هدمها.

          الأسرى الفلسطينيون

مسألة الأسرى الفلسطينيين المسجونين في اسرائيل طرحت بشكل خاص في الاعوام 2013 – 2015 في سياق اعتقال فلسطينيين لفترات طويلة بدون محاكمة. مثلا: “المعتقلون اداريا وبدون محاكمة بحاجة الى… تقديمهم الى محاكمة… طبقا للمعايير الدولية، أو اطلاق سراحهم على الفور”. في هذا السياق تم اظهار قلق بشأن “صحة الأسرى الفلسطينيين المضربين عن الطعام لفترة طويلة احتجاجا على اعتقالهم الاداري”.

          عمليات تفتيش واعتقال في الضفة الغربية

حتى سنة 2016، تطرقت جلسات شهرية في مجلس الامن بصورة دائمة لعدد العمليات التي نفذتها اسرائيل في الضفة الغربية، بما فيها التداعيات المترتبة عليها فيما يتعلق بالجرحى والقتلى في الجانبين. مثلا: “نفذت قوات الامن الاسرائيلية 477 عملية في الضفة الغربية… وهذا يمثل ارتفاعا مقارنة مع الشهرين الماضيين، ونتيجة لهذه العمليات جرح 185 فلسطينيا بينهم 8 اطفال وجنديين اسرائيليين”. في حين يتم ذكر هذه العمليات لا يُطرح في المقابل أي تفسير لاسباب تنفيذها. ومن فينة الى اخرى تتم الاشارة الى أن “قوات اسرائيلية أبلغت على أنها استطاعت احباط هجمات ارهابية تم التخطيط لها كما يبدو من قبل اشخاص افراد في الضفة الغربية”، لكن هذه التطورات لا يتم ربطها بصورة فورية بعمليات الجيش الاسرائيلي”.

          تأخير أموال الضرائب الفلسطينية

خلال الفترة التي يتم البحث فيها جمدت اسرائيل مرتين نقل اموال الضرائب للفلسطينيين كرد على خطوات فلسطينية أحادية الجانب في الساحة الدبلوماسية. في 2012 تمت اعاقة نقل اموال الضرائب في اعقاب مشروع القرار الذي تمت المصادقة عليه في الجمعية العمومية في الامم المتحدة لرفع مكانة فلسطين الى دولة مراقبة. وفي 2015 تم اتخاذ هذه الخطوة كرد على توقيع الرئيس محمود عباس على “وثيقة الانضمام الى 13 معاهدة دولية، ومنها ميثاق روما في موضوع محكمة الجنايات في لاهاي”. في الحالتين تم توجيه انتقاد واسع لسياسة تجميد الاموال التي اتخذتها اسرائيل، والتي تم ابرازها على انها تلقي “الشك بشأن خضوع اسرائيل لبنود بروتوكول باريس”. انتقاد هذه السياسة ظهر بشكل خاص في 2012 عندما واجه الفلسطينيون “وضعا اقتصاديا صعبا”، وحجز مبالغ مالية من قبل اسرائيل اعتبرت بأنها تعرض للخطر “الانجازات الهامة للسلطة الفلسطينية في السنوات الاخيرة”.

          بلاغة كلامية

هذا احتجاج أساسي موجه للجانب الفلسطيني، لكن تلك البلاغة الكلامية التي تلهب المشاعر الاسرائيلية تواجه من حين الى آخر بانتقاد من اللاعبين المركزيين، الموجه للقيادة الاسرائيلية واوساط اجتماعية اخرى معا. فيما يتعلق بالمستوى القيادي مثلا، “عرض المعارضين لتوسيع المستوطنات من قبل رئيس الحكومة الاسرائيلية كمؤيدين للتطهير العرقي”، تم النظر اليها من قبل الامين العام بجلاله على أنها “غير مقبولة وتشكل فضيحة”. تصريحات اشكالية اخرى طرحت في جلسات المجلس تتعلق بتصريحات قادة اسرائيليين، من بينهم وزراء، الذين “يقولون علنا بأنه لن تقوم دولة فلسطينية”. وبخصوص شخصيات المجتمع المدني تمت الاشارة الى أن “التأثير على الواقع الاجتماعي وعلى الخطاب عديم المسؤولية” تقوم بـ “دور دراماتيكي في التصعيد” للاحداث التي تحدث على الارض، والتي بسببها “يجب اتهام الطرفين بدرجة كبيرة”.

          التشريع

اجراء تغييرات تشريعية في القانون الاسرائيلي حظي بانتقادات في الاعوام 2015 – 2016، وخاصة في المواضيع التالية: “التغذية القسرية للسجين المضرب عن الطعام” (2015)؛ تحديث القانون الجنائي الاسرائيلي “لزيادة العقوبة على رشق الحجارة على السيارات المتحركة” (2015)؛ تطبيق قانون أملاك الغائبين الاسرائيلي من سنة 1951 على ممتلكات فلسطينية في شرقي القدس عندما يكون اصحابها موجودون في الضفة الغربية” (2015)؛ قانون شفافية المنظمات غير الحكومية “الذي يساعد على خلق مناخ يتم فيه نزع الشرعية عن منظمات حقوق الانسان” (2016)؛ وايضا “شرعنة بؤر استيطانية توجد في داخل مناطق الضفة الغربية” (2016). هذه الشرعنة للبؤر الاستيطانية تم التطرق اليها من قبل الولايات المتحدة كسبب شكل حافزا لامتناعها عن التصويت على القرار 2334 لمجلس الامن.

          قطاع غزة

في حين أن اللاعبين المركزيين في مجلس الامن يبدون تفهما للمخاوف الامنية لدولة اسرائيل، هناك اتفاق شامل على ضرورة اجراء تغيير جذري في سياسة اسرائيل تجاه قطاع غزة. في هذا الموضوع عبر اللاعبون المركزيون عن “قلق عميق بشأن الوضع الانساني السائد في القطاع” وكذلك بخصوص “عدد المشاريع الانسانية للامم المتحدة التي تنتظر المصادقة الاسرائيلية عليها”. إن تغيير سياسة اسرائيل تجاه غزة وانهاء الحصار عليها ينظر اليها كأمور ضرورية لتعزيز “دعم السلام في اوساط السكان الذين يعيشون تحت قمع حماس الكامل”. التقييدات التي تفرضها اسرائيل على “استيراد بضائع تعتبر ذات استخدام مزدوج” ينظر اليها من قبل اللاعبين المركزيين على أن لها اشكالية خاصة. رغم أن هذه السياسات تجد تفهما نظرا لـ “القلق الامني الشرعي لاسرائيل” فانه توجه اليها انتقادات لكون “الولايات المتحدة مستعدة سوية مع شركاء آخرين في الرباعية، للمساعدة في وضع ترتيبات متفق عليها لنقل واستخدام تلك المواد بصورة آمنة”. ويعبر اللاعبون المركزيون عن احباطهم من الوضع السائد في قطاع غزة (مثلا: “لماذا يجب على المجتمع الدولي أن يستثمر مليارات الدولارات في اعادة اعمار قطاع غزة، في الوقت الذي لا يوجد فيه أي ضمانة كي لا يعاد تدميره في السنوات القريبة؟”)، لكن المسؤولية الاساسية لحل الوضع لا تلقى على اسرائيل فقط، بل على عدم القدرة على اعادة الوحدة الفلسطينية الى حالها ايضا.

في كل ما يتعلق بالانتقاد الموجه للفلسطينيين يمكن تشخيص ثلاثة مواضيع اساسية. الاول هو الوضع السائد في قطاع غزة، الذي يتطلب الانتقاد الشديد في مواضيع الحكم الداخلي من جهة، ومن تصرفات عنيفة موجهة ضد اسرائيل من جهة اخرى. الموضوع الثاني هو التحريض القائم، سواء على مستوى القيادة أو في اوساط المجتمع المدني. وفي هذا السياق يتم التأكيد على فشل القيادة الفلسطينية في “ادانة هجمات محددة أو … امتداح العمليات”. يبدو أن بريطانيا والولايات المتحدة تقود الانتقاد في هذا الموضوع. الموضوع الثالث هو انعدام الوحدة في الساحة الفلسطينية، التي ينظر اليها كـ “جوهرية لتحقيق حل الدولتين”، الى درجة أن “اعادة الوحدة الفلسطينية على قاعدة م.ت.ف” سميت “الموضوع الأهم في الأجندة”.

       نقاش وتوصيات

يبين هذا التحليل أن كل ما يتعلق بالصراع الاسرائيلي الفلسطيني يوجد لدى دول الـ “بي 5″، ممثلو الاتحاد الاوروبي وممثلون كبار في الامم المتحدة، العديد من نقاط اتفاق أكثر من نقاط اختلاف. وبكلمات اخرى، على الرغم من أن اللاعبين المركزيين هؤلاء لا ينظرون بنفس الطريقة بخصوص الآليات المطلوبة من اجل تشجيع طرفي النزاع على اتخاذ خطوات ايجابية على الارض، فانهم يتفقون بشأن الاطار المفضل لحل الصراع (دولتان لشعبين) وأهمية التدخل الدولي. هذا رغم وجود نزاعات اخرى – أكثر دموية – في المنطقة. هؤلاء اللاعبون المركزيون في مجلس الامن يتفقون ايضا بشأن التأثير الايجابي المتوقع لحل النزاع على المنطقة بأسرها.

يمكن لاسرائيل الاعتماد على وجود وعي للتحديات الامنية التي تواجهها، وكذلك على وجود دعم شامل لزيادة تدخل دول الجامعة العربية في العملية السلمية. اضافة الى الاتفاق على أنه فقط اتفاق بين اسرائيل والفلسطينيين يتم التوصل اليه في مفاوضات مباشرة بين الطرفين، يؤدي الى انهاء الصراع، وليس حلا يفرضه المجتمع الدولي على الطرفين.

هناك عدد من المواضيع ايضا يحتاج الى اهتمام اسرائيل بها، مثلا، يجب الأخذ في الاعتبار الخطاب الفظ والاحباط الدولي الموجه لاسرائيل في أعقاب اعتقالات طويلة بدون محاكمة، وبسبب تأخير نقل اموال الضرائب للفلسطينيين. الى جانب أي افضلية ممكنة يمكن لاسرائيل تحقيقها من تصرف كهذا. اضافة الى ذلك، يجب متابعة التأييد الدولي في اعقاب ما يعتبر في اسرائيل اجراءات داخلية، وخاصة في كل ما يتعلق بالتصريحات الحماسية والتغييرات في القانون الاسرائيلي. في موضوع آخر، في الاعوام 2015 – 2016 فقط، تعرضت اسرائيل لانتقاد يتعلق بخمسة قوانين، آخرها القرار بشأن شرعنة البؤر الاستيطانية، تم التطرق اليه من قبل الامريكيين كتبرير لامتناعهم عن التصويت على قرار مجلس الامن رقم 2334. وكذلك يجب اجراء اعادة تقييم جذري بخصوص المواضيع الثلاثة التالية التي طرحت في الجلسات الشهرية في مجلس الامن طوال الفترة التي يبحث فيها: الاول، سياسة اسرائيل في موضوع توسيع المستوطنات. حسب رأي اللاعبين المركزيين القائل بأنه فقط اتفاق يتم التوصل اليه بالمفاوضات بين الطرفين يؤدي الى انهاء الصراع – فانه من الواضح أن توقعاتهم هي أن الاسرائيليين والفلسطينيين معا لا يقومون باتخاذ أي خطوات أحادية الجانب على الارض من شأنها الاضرار باحتمالات التوصل الى الاتفاق. لهذا يعبر اللاعبون المركزيون مرة تلو الاخرى عن خيبة الأمل من التصرفات الاسرائيلية. سياسة الاستيطان هي موضوع للانتقاد، ليس فقط لأن المصادقة على بناء وحدات سكنية جديدة تعتبر أمرا يمس بامكانية تطبيق حل الدولتين، بل ايضا بالعنف المرتبط بالمستوطنين وبعمليات التفتيش والاعتقال لجيش الدفاع الاسرائيلي في الضفة الغربية. هناك هوة سحيقة بين رؤية سياسة الاستيطان في نظر اسرائيل وبين ما يراه اللاعبون المركزيون في المجتمع الدولي. لهذا، في الوقت الذي لا تستطيع فيه اسرائيل، أو أنها غير معنية بتغيير سياستها في موضوع المستوطنات، عليها أن تطرح بديلا لحل الصراع على فرض توسعها المستمر.

الموضوع الثاني هو سياسة هدم المباني التي تنفذها اسرائيل في المنطقة ج، المرتبطة بقلة تراخيص البناء الممنوحة للفلسطينيين في هذه المنطقة. هذه السياسة تشكل مصدرا دائما لتشديد الانتقاد الدولي، حيث أنها تعتبر المسبب للمعاناة الجماعية التي لا حاجة اليها للسكان الفلسطينيين. وكشبيه لموضوع المستوطنات، فان سياسة هدم المباني في المنطقة ج هي التي تساهم في بلورة النظرة الدولية القائلة إنه لا يوجد لاسرائيل أي نية لتنفيذ التنازلات المطلوبة لانهاء الصراع.

الموضوع الثالث هو التقييدات التي تفرضها اسرائيل على حركة البضائع الى قطاع غزة ومنه، وذلك على الرغم من أن الانتقاد في هذا الموضوع تضاءل في اعقاب الاعتراف بالتحديات الامنية التي تواجهها اسرائيل، وفي اعقاب الانتقادات المستمرة على عدم قدرة السلطة الفلسطينية على تشكيل حكومة وحدة. إن حقيقة أن الوضع في قطاع غزة يتم بحثه بصورة ثابتة في جلسات مجلس الامن، تضيء ضوئي تحذير. الاول هو أن الوضع الحالي في القطاع لا يمكن أن يستمر لفترة طويلة. والثاني هو أن اسرائيل هي التي تعتبر القادرة (جزئيا على الأقل) على التخفيف من الوضع في غزة. علامات الاحباط – النابعة جزئيا من اجبار المجتمع الدولي على التبرع المالي لاعادة اعمار القطاع – تشير الى أنه اذا اندلعت جولة عنف اخرى، حتى لو كانت بعد استفزاز من قبل حماس، فسيكون هناك تحمل أقل للهدم الذي سيتم التسبب به من قبل الرد الاسرائيلي الذي لا يمكن منعه. بناء على ذلك، يجب على اسرائيل أن تنظر بجدية الى ايجاد بدائل سياسية لعلاج الوضع في قطاع غزة.

على خلفية تصرفات اسرائيل والرد الدولي الذي تثيره في اوساط اللاعبين المركزيين في مجلس الامن، فان هذا التحليل يطرح السؤال التالي: هل تستطيع دولة اسرائيل ايجاد صيغة بديلة لحل الصراع، تحظى بدعم دولي؟ الى حين طرح خطة من هذا النوع بصورة علنية وواضحة، فان التصرف الاسرائيلي الذي يعتبر مدمرا لحل الدولتين، وهو الحل المفضل على المجتمع الدولي، سيساهم في تقزيم مكانة اسرائيل الدولية في اوساط شركائها الاستراتيجيين والهامين.

 

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق