مقالات وآراء

تحالف المارقين

عارف الآغا – خاص طريق القدس

منذ نهاية الحرب الباردة انقضت  الولايات المتحدة بشراسة على كل مواقع الاعتراض و المقاومة السياسية والاجتماعية والثقافية في العالم من اجل تصفيتها ، وأدخلت العالم في مرحلة من الحروب العدوانية  ، والفوضى المدمرة، والصراعات الدينية والحضارية ،والحروب الاستعمارية بممررات وهمية وكاذبة ونشرت ثقافة العنف والتحريض وصناعة الإرهاب  والأزمات والاستعداد لشن حروب صغيرة أو كبيرة عبر تحالفات تملك الأهلية لارتكاب جرائم حرب  وجرائم ضد الإنسانية .وكان  العالم العربي والإسلامي مسرحا لهذه السياسة البربرية ،  بهدف السيطرة على نفطه وإعادة تشكيله وفق المصالح الأمريكية والإسرائيلية  التي كانت وما تزال احد أهم مكونات  إستراتيجيتهم، فقد  اعتُبرت أفكار “برنارد لويس” مشروعاً تنفيذياً للرؤية الصهيونية الحالمة بتقسيم الوطن العربي على أسس مذهبية وإثنية، بحيث تختفي الأمّة العربية ومعها خريطة الوطن العربي لمصلحة نظام إقليمي جديد تتوفر فيه  الظروف الجيوسياسية والديمغرافية التي تسمح بتقبّل (إسرائيل) كدولة أثنية صافية لليهود وتصبح فيه الكبرى المهيمنة والقائدة. خاصة بعد موافقة الكونغرس الأمريكي على مخطّطه بالإجماع في جلسة سريّة عُقِدت في ربيع عام 1983م. وقد تمّ تقنين المشروع وإيداعه ضمن الملفات السريّة الخاصة بالأمن القومي الأمريكي.وانطلاقا من هذه الإستراتيجية الممتدة من حلف السنتو وحلف بغداد  مرورا بالشرق الأوسط الكبير أو الجديد الممتد من المغرب العربي إلى جدود الصين   وصولا إلى ما يسمى “بالربيع العربي” والفوضى الخلاقة وصناعة الإرهاب التكفيري وأخيرالى التحالف الخماسي الذي يعكف  الرئيس  ترامب على تأسيسه ، تحالف  إقليمي جديد يضم دول الخليج ومصر وإسرائيل ، وهو بالتأكيد إعلان تنفيذي لعهد جديد من عهود الاستعمار الحديث .وفي صلب  هذه الإستراتيجية أن من يسطر على  هذا الشرق يسيطر على العالم .

وبناءً عليه، فإن مصالح الولايات المتحدة و(إسرائيل) تستدعي رمي ثقلهما العسكري والاستراتيجي في أرض الاستثمار الأمثل. فمن بين الاستخلاصات الأمريكية  الإسرائيلية التي تداولها “نتنياهو” و”ترامب” ، ” أن العرب باتوا لا يرون في إسرائيل عدواً بل حليفاً،ويمكن لحلٍ إقليمي معهم قائم على التعاون والشراكة؛ وهذا يعني ترتيب الاصطفاف العربي- الإسرائيلي ضدّ محور المقاومة  ، وتجاوز الحالة الفلسطينية كمعيق أول في وجه التعاون الإسرائيلي- العربي (الرسمي) لمواجهة “الخطر” الذي يستهدف الوجود المشترك للأنظمة العربية و(إسرائيل).وهذا يعني بوضوح ً أن القضية الوطنية الفلسطينية تواجه خطر الإبادة منفردة دون ظهير عربي أو إسلامي، وهو ما سيسهّل مهمة (إسرائيل) في تحقيق كامل مآربها المتحصلة من المحرقة (العربية/العربية) المستمرة.وعليه  فإن اللجوء الفلسطيني (الرسمي) لإسرائيل أو الولايات المتحدة لن يفيد في ثنيهما عن تحقيق ما أصبح متاحاً لهما بكلّ يُسر. وهذه حقيقة يجب أن تدفع باتجاه بناء خريطة تحالفات جديدة في المنطقة، قائمة على الفرز بين من يؤيّد مساعي شطب القضية الوطنية الفلسطينية مقابل النجاة بالروح والامتيازات الوهمية، وبين من يعارض مخطّط شطب القضية المركزية وحذفها.
وقد أمسى مؤكداً أن (إسرائيل)، ومعها الولايات المتحدة الأمريكية، على أعتاب مرحلة (عَلنية) العلاقة العربية- الإسرائيلية، والعمل على مأسستها وهيكلتها، وبالتالي ستقوم (إسرائيل) بتجاوز آليات العمل الاستيطاني بشكله الحالي لتنتقل إلى مرحلة (الاستيطان الكلّي ألإحلالي) المستدام، وطيّ كلّ ما يتعلق به من ذيول قانونية وتشريعية، وستضم الضفة الغربية بالكامل وستُخضعها للقانون الإسرائيلي. وبعد ذلك سيعلن عن قيام ما يُسمّى (دولة إسرائيل اليهودية ) على كامل التراب الوطني الفلسطيني. ومن المفارقة أن هذا التحالف الجديد ، يأتي في وقت يقتل فيه حل الدولتين وقبره، ويعطي الضوء الأخضر لحليفه نتنياهو لتسريع عمليات الاستيطان، وابتلاع ما تبقى من أراضي الضفة الغربية. وسط صمت الحكومات المتورطة فيه، ومن قبل أعداء هذه الأمة وربما نبالغ كثيرا عندما نقول إن هناك امة، أو حتى بقايا امة.

. أما تمويل هذا التحالف فسيأتي من دول الخليج، والضحايا سيكونون من العرب حتما، سواء في العراق أو سوريا أو في اليمن وخصوصا في هذا البلد الأخير ، الذي  سيكون حقل التجارب الأول لهذا الحلف، باعتبارها الحلقة الأضعف عسكريا، ، إنها عملية انتحار مالي وسياسي تقدم عليها الدول المشاركة في هذا التحالف، ومصيدة جديدة تنصبها إدارة أمريكية مكروهة أمريكيا وعالميا للإيقاع بها، واستنزافها ماليا وبشريا، ومن الغباء  والحماقة أنها تقاد إليها بأعين مفتوحة.

وينصب التحشيد السياسي والإعلامي والتحريضي والتصريحات العدوانية  لهذا التحالف  ضد محور المقاومة وفي مقدمته إيران عبر توظيف ذريعة الخطر الإيراني المفتعل للتطبيع العربي الكامل مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، وحلب ما تبقى من ثروات لدى دول الخليج لتمويل مشاريع البني التحتية الأمريكية التي وعد بها ضمن حملته الانتخابية واستخدام هذا “الخطر ” المزعوم فزاعة لابتزاز الدول العربية، وإغراقها في حروب طائفية، ومن الغريب والمريب أن هذه الدول تستلم لهذا الابتزاز، وترفع له الرايات البيضاء، ولا تتعلم مطلقا من الدروس السابقة التي تؤكد أن إيران تقوى ، بينما ينتقل العرب وهم أصدقاء أمريكا، من الضعف إلى الهزال والخيبة على الصعد كافة.ومن السخرية والعار، أن يُساقوا بلا إرادة منهم للتضحية بأوطانهم من أجل (إسرائيل)، وهم يعتقدون بأنهم يحمون تلك الأوطان من خطر التقسيم الذي تمسك بمشرطه (إسرائيل)؛ ومن فوق يدها يد الولايات المتحدة الأمريكية.

ومما لا شك فيه هذا الحلف ، إذا ما تم حشده، خطرا كبيرا سيتهدد الأمن في الشرق الأوسط والعالم.ولكن عند البحث عن من لديه الاستعداد للانخراط في هذا الحلف الجديد، لن نجد الكثير منهم؛ لكن سنجد من بيده القدرة على بلبلة المخطّط المعادي وطرحه أرضاً هو محور المقاومة المتمثل في إيران وسورية وحزب الله والمقاومة الفلسطينية واليمن وربما العراق  ، المحور الذي يكتب اليوم تاريخ المنطقة وستكون له اليد العليا في رسم مصائر ومستقبل  شعوب المنطقة ودولها بدعم وإسناد من روسيا الاتحادية  والصين والجزائر وغير من الدول الصديقة قادر على رصّ صف جديد متّسق قادر على مواجهة العدوان الأمريكي- الصهيوني المتجدّد والتصدي له.وهذا ما أظهرته سياسة طهران من خلال التحالف الاستراتيجي الوثيق مع الجمهورية العربية السورية للعمل معا على احتضان المقاومة في لبنان وفلسطين وأقامتا محور المقاومة الذي حقق معادلة الردع التي تلجم العدوانية الصهيونية بالشراكة مع قوى المقاومة الشعبية الفلسطينية   واثبت هذا المحور جدارة في استنزاف العدوان وطرد الاحتلال من جنوب لبنان دون قيد أو شرط وإرغامه على الخروج مدحوراً من قطاع غزة وكسر هيبة الردع الصهيونية لأول مرة كما يثبت هذا المحور جدارة نوعية حاسمة في التصدي لوحش التكفير الذي يرعاه الحلف الاستعماري الصهيوني الرجعي لتعويض الهزائم الصهيونية بعد انكسار خرافة التفوق الصهيوني وفشل حروب إسرائيل الأخيرة منذ تموز 2006 والتي قادها الأمريكيون ودول الناتو وحكومات الرجعية العربية التابعة .

إن الرغبة الأميركية في السيطرة على الشرق الأوسط ونفطه وإعادة تشكيله وفق المصالح الأمريكية والإسرائيلية كانت وما تزال احد أهم مكونات  إستراتيجيتهم، لكن قدرة أمريكا على التحكم بمسار الأحداث تبقى أسيرة عوامل شتى منها ما يتصل بشيخوختها  المبكرة ومنها ما يتصل بقوى المقاومة والممانعة  العصية على التدجين والاحتواء ،ومنها أيضا ما يتعلق بالمتغيرات الدولية وعلى رأسها نهاية القطبية الأحادية  .صحيح أن  الولايات المتحدة قوة كبرى ليس على المستوى العسكري أو الاقتصادي أو السياسي فقط وإنما وبالدرجة الأولى على مستوى التعالي والنفاق  والعبث بمصائر الشعوب  لكنها ليست قدرا بأي حال من الأحوال . أما إسرائيل فتدرك أن دوام الحال من المحال، فلسطينيا وعربيا وإقليميا ودوليا، وتدرك حقيقة أن الشعب الفلسطيني لم ولن يستسلم للأمر الواقع، وأن هذا الشعب المنغرس في أرضه والمتمسك بهويته منذ أكثر من أربعة آلاف عام سيجدد ثورته وانتفاضته بوسائل جديدة وبقيادات جديدة،  لذلك فإن كل بحث عن حل إقليمي ليس سوى  ملهاة جديدة لتأجيل الانفجار كبديل عن ملهاة أوسلو وعن مواصلة العبث الإسرائيلي الإجرامي بالشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية .

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى