مقالات وآراء

العنصرية الصهيونية وسقوط وهم «حل الدولتين»

ترتبط القوانين التمييزية والعنصريةالصهيونية باستراتيجية «الخلاص» التي ترسخ الكيان الصهيوني وطناً قومياً لليهود في فلسطين، اعتماداً على العنف والإرهاب للتخلص من الفلسطينيين والاستيلاء على أرضهم، وصولاً إلىإقامة «دولة يهودية» تشكل مركزاً ليهود العالم. ولتحقيق هذه الغاية تلجأ سلطات الاحتلال لاتباع سياسة خاصة لتنمية الاستيطان لكونها تمكِّن من تثبيت أمر واقع على الأرض، كما توفر الإمكانية لتعديل الحدود في أية مفاوضات قادمة، والأهمية الأكبر أن تقوم بوظيفة عزل المدن والقرى الفلسطينية عن بعضها بعضاً للحيلولة دون التواصل فيما بينها من جهة، وللحيلولة دون قيام أي كيانية فلسطينية في المستقبل من جهة أخرى.

منذ بداية الصراع العربي الصهيوني كانت الأهداف الصهيونية ذات صبغة عنصرية واضحة، تنطلق من أساطير زائفة تم توظيفها لحل المسألة اليهودية بإقامة «وطن قومي لليهود»، وهو حل ينطوي على نظرة عنصرية ترى أن اليهود شعب مقدس بوصفهم «شعب الله المختار» بحاجة إلى أرض مقدسة، وهو حل خاطئ لأن المسألة الدينيةينبغي حلها على أساس ديني وليس على أساس قومي بإقامة «دولة خاصة لليهود»، إذ ليس للأديان أي حق كهذا. وقد كان الهدف من إقامتها أن تكون قاعدة صهيونية استعمارية في قلب الوطن العربي.فمنذ بدء الغزو الصهيوني لفلسطين عمل الصهاينة على فرض أمر واقع لتحقيق هدفهم في إقامة «الوطن القومي لليهود»ومن ثم إقامة دولتهم الخاصة بهم. ولهذا اعتمدت الحركة الصهيونية ومعها الانتداب البريطانيبعد إقرار «وعد بلفور» سياسة الاستحواذ على الأرض وإقامة المستوطنات، كأمر واقع يفرض نفسه على القانون. وقد اعتمد الصهاينة على سيرة تاريخية زائفة تتجاوز القانون بالتآمر والالتفاف على الحقائق من أجل تغييب القانون أمام القوة التي تفرض الأمر الواقع.وعندما جرى الحديث حول تقسيم فلسطين إلى دولتين «واحدة للعرب وأخرى لليهود» فهو من أجل التغطية على الأبعاد الحقيقية للمشروع الصهيوني، وإيجاد مسوغ لتثبيت الأقدام الصهيونية في فلسطين، حيث انصب العمل الصهيوني بعد اغتصاب فلسطين على الاستيلاء على فلسطين كاملة ولم يعد أي ذكر لفكرة «دولة للعرب»، بل تعرض العرب لشتى أنوع التمييز العنصري، علما أن الأمم المتحدة التي وافقت على إقامة «إسرائيل» اشترطت «ألا يجري أي شيء من شأنه أن يمس بالحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية»، على حد نص القرار، ومع ذلك شدد بن غوريون على أن «إسرائيل ستكون دولة يهودية فقط للهجرة والاستيطان»، بمعنى أنها ستمنح أولوية للمهاجرين اليهود الذين لم يتوقف تدفقهم إلى فلسطين. ولم تتغير سياسة الكيان الصهيوني عن سياسة الحركة الصهيونية حتى اليوم، حيث يتواصل استمرار الاحتلال واستمرار مشاريعه الاستيطانية والإحلاليه فيما تبقى من فتات جغرافي وديموغرافي من الأراضي الفلسطينية المحتلة، إذ بلغ عدد المواقع الاستيطانية (413) موقعا استيطانياً تضم (617291) مستوطناً يهودياً بحسب إحصاءات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني لعام 2016.

ثمة إجماع بين جميع الأحزاب الإسرائيلية الصهيونية على الاحتفاظ بالتجمعات الاستيطانية في أي تسوية سياسية، ولا تزال الحكومات الإسرائيلية تسعى لتأمين أكبر مساحة تسيطر عليها من أجل توسيع المستعمرات بشكل دائم. وفي هذا السياق أقر الكنيست الإسرائيلي بتاريخ 6/2/2017 قانون تسوية المستوطنات الذي يشرع آلاف الوحدات الاستيطانية بأثر رجعي،وهو قانون «شرعنة المستوطنات» التي تُعد غير قانونية وأُقيمت من دون ترخيص رسمي من سلطات الاحتلال، وهو بمثابة قانون لسرقة الأراضي الفلسطينية يتيح سلب أراضي الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، حتى لو ثبت أن المستوطنات أقيمت على أراضٍ بملكية فلسطينية خاصة. ويلتقي هذا الإجراء مع التحضيرات التي تعدها سلطات الاحتلال من أجل ضم الأراضي التي صنفت تحت اسم «المنطقة ج» بحسب التصنيف الذي جرى تنفيذه تطبيقاً لاتفاق أوسلو، وقطع الطريق على إقامة أي كيانية فلسطينية في المستقبل من خلال المفاوضات وإبقاء فكرة «الدولة الفلسطينية» في الهواء أو حبراً على ورق، بينما سلطات الاحتلال تواصل تنمية الاستيطان ورعايته،حيث مزقت المشاريع الاستيطانية المتناثرة وجدار الفصل العنصري كامل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 وحولتها إلى معازل بشريه وجغرافية منفصلة. الأمر الذي يجعل الآفاق مسدودة أمام الحلول مع الاحتلال عبر التسويات السياسية ويبدد فكرة «حل الدولتين»، وكل الحديث الذي يدور عن «حل الدولتين» من خلال المفاوضات هو مجرد أوهام في أذهان المراهنين على عملية التسوية مع الاحتلال. ذلك أن نتنياهو ليس مستعداً لأن يقبل وجود دولة سيادية للفلسطينيين إلى جانب «دولة الاحتلال»، ولا يريد وجود للفلسطينيين في دولة واحدة مع اليهود والمؤشرات تنبئ بالتفوق الفلسطيني ديمغرافياً، حيث يقول: «لا أريد أن أحكم مليوني فلسطيني. لست معنياً بأن يكونوا رعاياي، ولكني أيضا لست معنياً بان أكون عرضة لاستقرارهم المهزوز». وفي رحلته إلى واشنطن في شباط 2017، كان موضوع «الدولتين» الموضوع المركزي لنتنياهو، فرئيس البيت اليهودي الوزير نفتالي بينيت حذر من أنه اذا واصل نتنياهو التمسك بحل «دولة فلسطينية»، فسيحدث هزة عنيفة داخل الكيان الصهيوني ويدمر الائتلاف الحكومي. ومع أن نتنياهو امتنع عن القول أنه تراجع عن «مبدأ الدولتين» الذي تعهد به في خطاب بار ايلان قبل نحو ثماني سنوات، إلا أنه في النهاية أرضى بينيت ومعظم وزراء الليكود ولم يذكر على الإطلاق موضوع إقامة «الدولة الفلسطينية». وفي ظل التحذيرات التي تطلقها بعض الأوساط الإسرائيلية من الذهاب إلى حل الدولة الواحدة، فإنه لم يبق أي مجال للمراهنة لا على الوعود الإسرائيلية ولا على الدعوات الدولية التي لا تلقى أي اهتمام من قبل القادة الإسرائيليين.

لقد تفاقمت النزعة العدوانية العنصرية بعد فوز دونالد ترامب بالانتخابات الرئاسية الأمريكية، بوصفه الرئيس الأقرب للكيان الصهيوني بحسب نتنياهو الذي يقول: «35 سنة وأنا في هذه المدينة واشنطن، صدقوني هذه هي الإدارة الأكثر وداً لإسرائيل. التقيت في أثناء حياتي غير قليل من الرؤساء وأنا أقول لكم بمسؤولية لم يكن صديق أكبر لإسرائيل من الرئيس ترامب. هذا يوم جديد لعلاقات إسرائيل مع الولايات المتحدة». وقد جاءت المواقف والوعود التي أعلن عنها ترامب في حملته الانتخابية، لتطلق العنان للحقد الصهيوني وللاستيطان من أجل تمرير مخططات التهويد والضم. لقد تصرف ترامب كصديق قديم ومنح نتنياهو هدية مجانية أمام الجميع، تصريح نوايا يقول إن الصراع سيحل فقط بالحل الذي يناسب الاستراتيجية الأمنية للكيان الصهيوني وليس بالضغوط من القوة العظمى الأقوى في العالم. وقد أكد ذلك في لقائه مع نتنياهو في واشنطن حيث قال: «انا أوافق على دولتين، دولة واحدة، ما تريدون أنتم لكم الخيار، وعلى الفلسطينيين أن يتنازلوا عن تعليم الكراهية والاعتراف بإسرائيل». بهذا المعنى فإن ترامب لم يتحدث عن انهاء الاحتلال ولا عن اخلاء المستوطنات، ويوضح للفلسطينيين بأن الانجازات ينبغي اكتسابها في المفاوضات فقط، وفقط إذا ما تساوم الطرفان. أي أنه ترك الحبل على الغارب، مطلِقاً يد نتنياهو للتلاعب في مصير الشعب الفلسطيني. وذلك في الوقت الذي تواصل السلطة الفلسطينية التنسيق الأمني مع قوات الاحتلال وتحاصر انتفاضة الشعب الفلسطيني، وفي ظل ضعف العالم العربي وتواطؤ بعض الدول العربية والأنظمة المتحالفة مع الكيان الصهيوني.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى