مقالات وآراء

هل مات الاستشراق أم عاد من جديد؟؟

خاص طريق القدس

إن للاستشراقَ قصةَ طويلةَ تبدأ بالألف ولا تنتهي عند الياء فهي نوع من أنواع الصراع بين الشرق والغربِ ، الشرق العربي الإسلامي والغرب الصليبي اليهودي فمنذ أن انتشر الإسلام في الحوضِ العربي وبعض بلدان آسيا وكذلك الأندلس بذل الغرب جهده لدراسة ظاهرة الإسلام دراسة معمَقة حتى يتسنى له أن يشوههُ ويضربه في الصميم والفكر في عمومه هام وضروري والمنظم الهادف منه أكثر أهمية دون شك ؛ إذا لا غرابة أن يلجأ إليه في تحقيقِ أهداف قد تبدأ فيها القوة المادية والعتادِ الحربي ومن هنا كان الغزو الفكري الذي خطط أعداء الإسلام له لينفذوا من خلاله إلى هزات يُحدثونها في الشخصيةِ الإسلامية فتنحل عُرى الارتباط بينها وبين دينها فتفقد ذاتها مما يجعله فريسةً هينة للغرب الصائد؛ و من بين أساليب الغزو الفكري (الاستشراق) مغلفاً خطورته بشكل علمي واضع سُمه في عامل المنهج الجديد وادرجهُ في كل مناهجِ حياة المجتمع العربي وتخصيصِ الكثير من الغربيين في ميدان الاستشراق، وازدادت نشاطات الدراسات الشرقية في كثير من الجامعات الغربية وذلك نتيجة الأعداد الكبيرة من الطلاب الوافدين على هذه الأقسام للدراسة فيها حتى من قِبل الشرقيين وإلقاء المحاضرات التي تَخص  هذا الموضوع وخصصت الجامعات الغربية منحاً للمستشرقين لقضاءِ فترات في فلسطين المحتلة من أجل دراسة بعض القضايا المتعلقة باليهودية وخدمةَ أهدافها وتتلمذ الكثير من اليهود على أيدي مستشرقين أمثال الجنرال هوبيليد والكثير من المستشرقين الذين غيّروا وبدّلوا الكثير من التاريخ والحضارات فما هي الأسباب التي دفعت بعض اليهود إلى الإقبال على الاستشراق وماالدور الذي قاموا به في إطار الحركة الإستشراقية ؟.

الإجابة على هذا السؤال ليست سهلةً فمن الصعب الحصول على إجابةٍ صريحة في هذا الصدد ولذلك لأن المراجع التي تتحدث عن الاستشراق وتطوره قد أغفلت الحديث عن هذا الجانبِ ونعتقد أن سببَ الإغفالِ عن الحديث في هذا الموضوع يرجع إلى أن المستشرقين اليهود قد استطاعوا أن يكيفوا أنفسهم ليصبحوا عنصرا أساسيا في إطار الحركة الإستشراقية الأوروبية النصرانية فقد احتلوا الميدان بوضعهم الأوروبي لا بوضعهم اليهودي ولم يرد اليهود أن يعملوا داخل الحركة الإستشراقية بوضعهم مستشرقين يهود حتى لا يعزلوا أنفسهم وبالتالي يقل تأثيرهم ولهذا عملوا يوصفهم أوروبيين وبذلك كسبوا مرتين أولاً فرض أنفسهم على الحركةِ الإستشراقيةِ كلها وثانياً تحقيق أهدافهم في النيلِ من الإسلامِ وهي أهداف تلتقي مع أهداف غالبيةِ المستشرقين النصارى ويذكر الأستاذ الدكتور محمد البهي رحمه الله تعالى في كتابه الفكر الإسلامي الحديث إلى ملاحظة لبعض الباحثين حول إقبالِ اليهود على الاستشراق وتتلخص هذه الملاحظة في أنهم أقبلوا على الاستشراق لأسباب دينية وسياسية أما الأسباب الدينية فإنها تتحلل في إضعاف الإسلام والتشكيك في معلمه  لإثبات أن فضل اليهودية عليه وذلك بادعاء أن اليهوديةَ في نظرهم هي مصدرُ الإسلام الأول أما الأسباب السياسية فإنها تتصل بخدمة الصهيونية فكرة أولاً ثم دولة ثانياً.

ويشير الدكتور محمد جلاء إدريس في مقاله بكتابه ” الإسرائيليات ” عن عناية الكيان الإسرائيلي بالمسألة الإستشراقية موضحاً أن المؤسساتِ العسكريةِ والسياسيةِ في إسرائيل تستفيد إفادةً تامةً من نتائجِ الدراسات الإستشراقية بل إن ساسة إسرائيل وقادتها العسكرية هم من رواد الحركةِ الإستشراقيةِ داخل إسرائيل وقد رصد الدكتور إدريسأهم  مؤسسة إستشراقية عاملة في الداخل الإسرائيلي وهي:

الجامعة العبرية في القدس: وتضم مراكزَ عديدة من مؤسسات الأبحاث الشرعية ومعهد (بنتسفي) ومعهد (ثرومان) لأبحاثِ السلامِ  ومعهد “مارتن بدير” للتقارب العربي اليهودي ومؤسسة أبحاث الشرق الأوسط.

وقد قامت الجامعة العبرية بأعمال ضخمةً اتجاه العرب؛ وأحد مشاريعهم كان مشروعاً ضخم لتسجيل الشعرِ العربي القديم وتفسير معانيهِ لهدف دراسةِ التطورِ الذي طرأ على الشخصية العربيةِ ومحاولة التنبؤ بمجددات سلوكها وأنماطها الفكرية المتكررة واهتم الاستشراق الإسرائيلي أيضاً بترجمةِ أعمالِ الروائيين المصريين ودراستها باعتبار مصر بلد المواجهة الرئيسي ضد المشروع الصهيوني وتطرق الاستشراق الإسرائيلي لموضوع اللغةِ العربيةِ فقام بعمل قاموس عبري /عربي وعمل مسحاً شاملاً للهجات الفلسطينية وهو الجهد العسكري ثم الاستفادةَ منه من قبلِ جهازِ الأمنِ الإسرائيلي في عملِ وحدةَ المستعمرين التي كانت في نسيجَ الشعب الفلسطيني على أنهم عرب وتقوم بعمليات اعتقال واغتيال وإرهاب بفضل تمكنهم من اللهجةِ الفلسطينيةِ واللغةِ العربيةِ وإتقانهم لها إتقاناً لا يفرقهم عن الفلسطيني أصحاب الأرض وكما اهتموا المستشرقون اليهود بأبحاثهم عن السكانِ الفلسطينيين وخطورةِ المشكلة الديمقراطية السكانية أو تفوق الفلسطينيين العددي على اليهود الصهاينة وسبل مواجهة ذلك وهو ما أثّرَ فيما بعد على توجيهاتِ الحكومات الإسرائيلية بفتحِ بابِ الهجرة على مصراعيه أمام يهود روسيا السوفييت سابقاً.

وهناك المشاريع الكثيرة والجامعات التي يعملون بها ويطوروها من أجل هزيمتنا من جميع الطرق بعنجهية وقوة فكرية هائلة ما تنتجه يخصنا ويخص عقيدتنا ولغتنا وتراثنا هل نكتفي بموقف المتفرجِ في المسرحِ تعجبهُ بعضُ المشاهد فتتهلل أساريره ولا تعجبه بعض المشاهد الأخرى فيقطب حاجبيه؟

إن الأمرَ هنا يختلف تماماً فالأمرُ ليس مجرد استحسان واستهجان عابر نفرح حين يحض علينا بعضهم في كلمات المدح ونفزع غاضبين حيث يصب علينا بعضهم الآخرُ صواعقَ فكرية فنستعين بالله من شياطينِ الإنسِ ونعتبر الموضوع منتهياً ثم يستأنف سيرنا العادي ؛لا إن الأمر أخطرَ من ذلك بكثير لأنه يتعلق بأعمق أعماقنا عقديًا وفكرياً وليس هناك أمامنا من سبيل إلا المواجهة وقبول التحدي وإثبات الذات وإلا لسنا جديرين بالحياة لقد أضفنا الكثير من عمر الزمن في تفاهات الأمور وغيرنا يصغر عنا عظائم الأمور ونحن لاهون وغافلون غير مكترثين يزلزل الآخر جذورنا ونحن لا نعي يحتلونا فكرياً ويغصبون بلادنا ويقتلون علماءنا ولا نعمل وهذا هو الفارق بيننا وبينهم بصرف النظر  عن العمل وما يقومون به وقد آن الأوان لنعمل نحن أيضا لنعمل حتى الموت لأنها مسألة مصير شعوب ذات عقيدة راسخة فإن لم نكن يد واحدة أكلنا الذئاب سعداء ونحن لا نحرك ساكناً..

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى