الأخبارمقالات وآراء

معادلة كسرتها سورية وحلفاؤها في تحرير مدينة حلب

د. رمزي عوض – خاص طريق القدس

حلب تلك المدينة العربية السورية المتجذرة بالتاريخ حيث أنها تعتبر من أقدم المدن المأهولة بالسكان والمعروفة منذ الألفية السادسة قبل الميلاد، تقع شمال غربي سوريا على بعد 310 كم من دمشق، تعاقبت عليها عدة حضاراتٌ مثل الحثية والآرامية والآشورية والفارسية والهيلينية والرومانية والبيزنطية والإسلامية، وتعتبر نقطة تجارية وعسكرية وسياسية مهمة عبر التاريخ، وبقيت حلب لقرون أكبر المدن السورية وثالث مدينة في الدولة العثمانية بعد إسطنبول والقاهرة، وتقريبا 85% من سكان حلب هم من المسلمين السنة العرب، أما سكان حلب من الديانة المسيحية هم التجمع الثاني في المنطقة من حيث الحجم بعد مدينة بيروت اللبنانية.

سيطر اسم حلب على الإعلام في الآونة الأخيرة، نتيجة الصراع القائم فيها بين الجيش العربي السوري وحلفاءه من جهة، وبين القوى المتطرفة والخارجة عن القانون من جهة أخرى، حيث أنه كان يرسم لحلب لتكون عاصمة من خلال عدة سيناريوهات جيوسياسية:

السيناريو الأول: سيطرة المتطرفين على المدينة وعلى رأسهم داعش, كانت ستربطها بالرقة ودير الزور ومن ثم للموصل من جهة مع إدلب من جهة أخرى، لتكون حلب عاصمة لدولتهم المزعومة كي يتم تكوين دولة حقيقية لهم، تهدد الدولة السورية والعراقية وتقسمهما، وبذلك تكون مركز جيوسياسي يؤسس لدولة ذات كيان، وبمقومات اقتصادية وسياسية حقيقية.

السيناريو الثاني: سقوط المدينة بيد الأكراد وهو سيناريو لحلم كردي وقد يكون أوروبي، بقيام الأكراد السوريين والأتراك بالاتحاد معا، وفتح الحدود بينهما وإقامة دولة كردية مستقلة لتكون حلب عاصمتها، وهذا الحلم كان سيهدد تركيا وسوريا على حد سواء.

السيناريو الثالث: سيطرة القوى السورية الموالية لتركيا والمعارضة السورية التابعة للسعودية، كون حلب تسيطر على الممر الحيوي الى تركيا وقربها من الحدود التركية يجعلانها هدفا مفضلا لإنشاء منطقة أمنية وقاعدة عسكرية لوجستية ومدنية، والى هذا كانت تطمح تركيا والسعودية أيضا، فإذا نشأت في حلب منطقة أمنية كهذه, ستستطيع المعارضة السياسية الموجودة خارج سوريا أن تجعلها عاصمة سياسية وتعود إليها، بل وتستطيع أن تنشئ فيها حكومة مؤقتة في داخل المنطقة، وذلك بخلاف الوضع الحالي الذي توجد فيه المعارضة السياسية في خارج حدود الدولة، ومن ثم تتوحد المعارضة السياسية والعسكرية ضمن جغرافيا موحدة تجعل منها بذرة لدولة سورية جديدة خارجة عن النظام يمهد قيامها, لو حصل, لتقسيم سوريا.

تلك السيناريوهات الثلاث كانت أمريكا على الحياد منها، لأنها كانت تسعى لإبقاء حالة الستاتيك في المنطقة، لأنها تريد إبقاء حالة الفوضى موجودة دون حسم أو سيطرة لأي طرف، وذلك لأهداف عدة منها سياسية ومنها اقتصادية ومنها عسكرية، وتسعى من خلال هذه الفوضى لايجاد نظام موال لها في المنطقة ريثما تنضج التحالفات. ولتظهر قوة يمكن الاعتماد عليها في المنطقة، تؤسس لنفوذ أمريكي قوي في الشرق الأوسط.

روسيا وحلفاءها في الحلف الرباعي (روسيا، العراق، إيران، سوريا) كانت تسعى لكسر تلك السيناريوهات، واستفادت من عامل الوقت وعدم نضوج الرؤية الأمريكية في المنطقة، وأيضا استفادت من الموقف التركي الذي يعاني من تشتت في القرار السياسي والعسكري بعد محاولة الانقلاب الأخيرة، وخوفها من نشوء قوة تركية أو متطرفة تطمع فيما بعد بالداخل التركي.

فكل تلك الأسباب بالإضافة لإصرار الدولة السورية وحلفاءها لعدم تقسيم سوريا، أدت لحسم معركة حلب وسيطرة الجيش العربي السوري وحلفاؤه على مدينة حلب وكسر كل تلك السيناريوهات التي أصبحت سرابا بعد حلم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى