الأخبارمقالات وآراء

عبد المعطي أبو زيد..!

د. حسن حميد _ خاص طريق القدس

أعترف،

أن ما ربطني بالفنان عبد المعطي أبو زيد يتمثل في لحظات عزيزة لا تغيب من بالي أبداً،  الأولى كانت وأنا في المدرسة الإعدادية والثانوية، وقد وعيت على نفسي وهي تكابد شغفاً ما تجاه الرسم، واللوحات، والألوان، ولكنني ابن مخيم، وفي المخيم لا مكان ولا وقت للتفكير بالرسم، والألوان، أو الفنون الأخرى. كان المخيم آنذاك في عقد السبعينيات مكاناً صُمم لأن يكون بيتً لتفريخ الفدائيين فحسب! فأي ألوان، ورسم، ولوحات، وأحلام.. يجوز لنا نحن الشبان أن نتحدث عنها. كان ذلك شبه محرم، كان طريقاً مسدوداً في البيت والمدرسة ومجالس الحديث! لكن ما لفت الانتباه إلى الرسم والألوان.. هو تلك اللوحات التي تُنشر مطبوعة على أغلفة المجلات الفلسطينية، ومنها لوحات عبد المعطي أبو زيد! لذلك انداح الحوار حول دور الفن في الكفاح المسلح، وحول أهمية اللوحة، وقرّ رأينا نحن أبناء المخيم الطالعين الذين لا حلم لنا آنذاك سوى أن نكون كائنات جديرة بالحلم الفلسطيني، قرّ رأينا على أن الفدائيين الذين يذهبون إلى العمليات الفدائية، والذين يستشهدون والذين يؤسرون، والذين يفقدون من حقهم علينا أن نؤرخ لهم بالرسم، والألوان، واللوحات! وقرّ رأينا توكيداً أن اللوحة تشبه القطعة الموسيقية: هي لغة عالمية!وبها نقدم الفدائي الشهيد، والفدائي الِأسير، والفدائي المنتظر لدوره الوطني!

ولا أخفي هنا، أننا كنا نعيش في خيمة هي البيت، ولكنه بيت لا يشبه البيوت، فالخيمة لا سقف لها، ولا باب، ولا نافذة، ولا جدران، والخيمة البيت لا أشجار لها، ولا طيور، والخيمة البيت لا مدخل لها، ولاعتبات،.. ومع ذلك رحنا نرسم على أروقة الخيام، بأعواد الحطب الفاحمة، مثلما رحنا نلصق لوحات المجلات الفلسطينية على دفاترنا من أجل المباهاة والافتخار.

عبد المعطي أبو زيد، كان واحداً من فناني اللوحات الفلسطينية الذين تسابقنا وتعاركنا للاستحواذ عليها! ولكم كانت لوحته شارقة بالضوء، والألوان الصافية، يا للصبايا الفلسطينيات اللواتي كن يواقفن البيوت، والقباب خلفهن، وعلى رؤوسهن شالتهن البيض الطوال، ومن فوقهن تحلق طيور الحمام.. لكم حلمنا بتلك البيوت التي لها أبواب ونوافذ مزججة، ونباتات تطاولها، وأشجار تضيء من بين أغصانها حبات البرتقال الذهبية، ولكم حلمنا بنساء عبد المعطي أبو زيد!

تلك كانت اللحظة الأولى التي واقفت فيها لوحات عبد المعطي أبو زيد، وهي لحظة وطنية بهّارة مشمولة بحلم فحواه: هو أن نتقفى دربه الوطني!

واللحظة البهّارة الثانية كانت حين التحقت في دورة معدّة لمعلمي المدارس الراغبين بتعلم المبادئ الأولى الخاصة بالألوان وأسرارها، وباللوحة وطريقة إعدادها، وقد كانت غاية الدورة أن يتعلم المعلمون ما يراد نقله إلى طلابهم في المدارس، ولم تكن غايتها إعداد المعلمين ليصبحوا فنانين. التحقت بالدورة لكي أروي عطشاً قديماً كابدته، وأن أتطلع إلى أن أصبح رساماً، وأن يقال عني بأنني فنان المخيم!

ولكم كانت تلك اللحظة عزيزة، ورحبة، وغنية حين كان الرسّام المعلم في تلك الدورة هو الفنان عبد المعطي أبو زيد!

لقد واقفت حلمي، ورأيته رأي العين، وعشت معه وقتاً كان من أعز لحظات حياتي، وقد استفدت من علمه الكثير، ولكنني خرجت من الدورة، وأنا أطوي شراع توقي لأن أكون رساماً، صاحب لوحات، لإحساسي بأن ما فات فات وغوّر بعيداً، ولأن ما ضيعته أشواق الطفولة لن تأتي به أي أشواق أخرى! ولكنني لن أنسى مصارحتي التي كنتُ أبديها أمام زميلاتي الدراسات في اللوحة، بأن أستاذنا عبد المعطي أبو زيد ليس هو من يرسم تلك اللوحات المنشورة على أغلفة المجلات الفلسطينية، وكنت أحملها معي إلى الدورة لأرها لزميلاتي،  وإن صاحب اللوحات هو فنان آخر، له الاسم نفسه عبد المعطي أبو زيد، لأن أستاذنا الذي يعلمنا الرسم، أعني عبد المعطي أبو زيد، بلا شعر طويل، بلا لحية كثة، بلا حقيبة تتدلى من الكتف، بلا غليون، بلا دخان، بلا أخدية غريبة

فهذا المعلم إنسان عادي، متواضع، دائم الابتسام.. والفنان، كما قرّ في ذهني أي راسم اللوحات، هو كائن آخر تماماً.

ولم أدر حتى الآن، إن كانت زميلاتي في الدورة، قد أخبرن أستاذنا عبد المعطي بما قتله أم لا..لأنه لم يعلق بشيء، أو لعله تجاهل الأمر تماماً.. لكي أبقى على جهلي!

اللحظة العزيزة الثالثة، كانت يوم ذهبت إلى مجلة (الطلائع)لكي أنشر قصيدة لي فيها، وقد غدوت من مقرزمي الشعر، كانت القصيدة عن (طبريا)، فقدمتها إلى المسؤول الثقافي في المجلة الذي كان يشرب القهوة بنهم، ويدخن بشراهة، ولم أكن أعرفه في شكله، ولكن اسمه كان معروفاً عندي، فهو الشاعر عدنان عمامة… كان قصيراً، داكن البشرة، فقد نصف شعر رأسه، له وجه مغلق لا يعرف الابتسام، وبقربه، وبمحاذاة طاولة يجلس صديق له، وما كنت أعرفه، لكنني وفي حواري مع الشاعر عدنان عمامة الجالس المدخن الشارب للقهوة، وأنا الواقف.. أحسست بأن صديقه يستمع بانتباه شديد لما نقوله أنا وإياه. كان النقاش موجعاً، ومبتوراً، ومتعالياً.. لأن الشاعر عدنان عمامة سألني إن كنت من طبريا! فقلت له: لا. فقال كيف تكتب عن طبريا، وأنت لست منها! فأخذت القصيدة منه أخذاً، كدت أقول عنوة، وقلت له: هذه مدينة أفاء إليها سيدنا المسيح عليه السلام، إنها مدينة الفلسطينيين جميعاً وهل المدن موقوفة على قول شعرائها فحسب! ثم خرجت. على مدخل المجلة، وأمام الشارع الرئيسي سألت رجل الاستعلامات إن كان الفنان عبد المعطي أبو زيد موجوداً في المجلة، فقال: نعم  قلت: أين! فأرشدني.

فعدت، ودخلت إلى مكتب الفنان عبد المعطي أبو زيد، الذي كان مخرجاً للمجلة، فرحب بي وكأنني زميل له في الفن، وسألني عن غرض الزيارة، فحكيت له قصة القصيدة، فقال هاتها: وترقب نشرها. ونشرت القصيدة برحابة فنية أخّاذة!

واللحظة العزيزة الرابعة، كانت ذات صباح حميم، حين زارني أخي الفنان الكبير عبد المعطي أبو زيد، في اتحاد الكتّاب العرب، وهو يحمل واحدة من أندر لوحاته التي طالما تغنيت بها ومدحتها لغناها، وجمالها، وسحرها الفلسطيني الذي يفيض عن حدودها. قال بوداعته المعهودة: أخي حسن، هذه لك!

يا إلهي..

دارت بي الأرض، وأنا أكشف عنها، وارتجفت يداي، وزاغ نظري.. وقد أشرقت ألوانها، وضجّت رموزها، ودنت شمسها، وطارت رياحها بأوراق الشجر وجدائل المرآة الفلسطينية..

مثلما طارت بطير الحمام، وانفتحت الأبواب والنوافذ، وتلامعت القباب وشعّت حباتُ البرتقال!

ياه.. كم كان عبد المعطي أبو زيد في تلك اللحظة البهّارة فلسطينياً، ومعلماً، وجميلاً، وبارقاً، ومضيئاً مثل فجر طال حلمي به واستطال.

طيّر عقلي الفنان أبو زيد، إذ كيف له أن يتخلى عن درة من درر واديه الفني، وهو المعروف بحرصه الشديد على أعماله، والمعروف أيضاً بأن بهارج المال لم تفتنه يوماً ولا الصالات، ولا الفنادق، ولا بيوت الأغنياء! وحرت، وحيرني سؤالي.. لكنني .. لم أجد من إجابة عنه، إلا كلمة واحدة هي: النبل! فالفنان عبد المعطي أبو زيد.. يعي تماماً أن كل بيوت أصدقائه.. هي بيته!

يا إلهي.. كم أنا غني بهذه  اللوحة.. أيها الفنان المعلم، فهي لا تنير بيتي فقط، بل تنير قلبي ودربي معاً، وكلما رأيتها، في الصباح والمساء، أشعر بأنها تقول لي: راسمي

فنان كبير، مدهش، ومقاوم، والأهم هو أدميتُهً، وحساسيتُهُ، ونبلُهُ الفيّاضُ، وطيبتُهُ الآسرة فأقول لها: بل أيتها الزينة!

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى